islamaumaroc

التوجيه الاجتماعي في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 50 و51

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ?27?‏‏
فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?28?‏
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْـــدُونَ وَمَا تَكْتُمُــــــونَ?29? [النور: 27-29]

                                                      ***
"تَسْتَأْنِسُوا": قال في القاموس- واستأنس- ذهبت وحشته، فتستأنسوا معناه تأنسوا وتعلموا أن بالبيت احدا يملك الإذن، وأنه على استعداد لاستقبالكم.
"وَتُسَلِّمُوا": تقولوا السلام عليكم، بدلا من الدخول بغتة أو التلفظ بتحية الجاهلية.
"تَذَكَّرُونَ": تتعظون وتنتبهون إلى ما في القرآن الكريم من النظام المحكم للعلاقات الاجتماعية.
"أَزْكَى لَكُمْ": أطيب وأنسب للمروؤة من التعرض لخدش الكرامة.
"لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ": ليس عليكم إثم ولا حرج مأخوذ من جنحت السفينة: مالت إلى أحد جناحيها، فسمى الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا.
"مَتَاعٌ لَّكُمْ": منفعة وارتفاق لكم.
"مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ": تظهرون أو تخفون من دخول بيوت مسكونة لغيركم دون إذنه
هذه الآيات الثلاث من سورة النور كسابقتها ولاحقتها تعتبر أقوم دستور وأحسن نظام لسلوك أرقى وأمثل وأطهر، مجتمع إنساني ينشد الطمأنينة والعزة والكرامة البشرية.
كيف لا وقد كان من الأهداف الكبرى لشريعة الإسلام الاعتناء بصيانة الكرامة الإنسانية من الفوضى الاجتماعية والتدلي إلى دركات الحيوان الأعجم، ووقاية الأعراض من لوك الألسن، ثم إقامة سد مانع عن التطلع إلى أسرار الناس وعوراتهم في خلواتهم، إلى غير ذلك من آداب الاجتماع التي تقررت في هذه السورة الكريمة. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت لما قالت امرأة: يارسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد فيأتي الآتي  فيدخل. فكيف أصنع؟ فقال: ارجعي. فنزلت.. فمن لوازم الاجتماع التجاور والتزاور، كما أن من طبيعة الإنسان أن تعتريه حالات يجب أن يتحرر فيها من وقر التكلفات التي ترهقه بها مقتضيات آداب المجتمع، وقد يغيب الإنسان عن بيته فيدخله غيره، وفيه استباحة حرمة البيت بغير إذن، وقد يتألم إذ يكره أن يطلع أحد بغتة على ما يخفيه من شؤون.
لأجل هذه الاعتبارات ونحوها تفضل الله تعالى فشرف بخطابه الكريم أولئك المستنيرين بأنوار الإيمان، فناداهم من أعلى كبريائه وعز سلطانه تعظيما لهم وتشريفا، فأرشدهم إلى أقوم سلوك ينتظم به آداب التزاور ويقي وشائج التآلف من الاضطراب، ويسد كل نافذة قد تهب منها أعاصير تكدر صفو العلاقات الطاهرة ويضمن اتباعه دوام الإبقاء على روابط المودة، فقال جل من قائل:
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ?
المراد بالبيوت الممنوع دخولها قبل الاستئذان هي البيوت التي يسكنها المستأذَن- بفتح الذال- بطريق الملك أوالكراء، فليس من حقكم أيها المؤمنون أن تدخلوا بيوتا يسكنها غيركم ولو كانت في ملككم، "حتى تستانسوا" بأن تتعرفوا هل ثمة إنسان يملك الإذن أم لا، ثم هل هو على استعداد لأن يأذن لكم في الدخول أم لا، ولفظة "تستانسوا" تحمل في طيها معنى تتلطفوا، ويخالف ذلك قرع الباب بعنف، وفيه من الإذاية للمؤمنين ما لايخفى، أو الاستئذان بأصوات مزعجة، وقد نهى الله تعالى الفاعلين لذلك وجعلهم ممن حرموا من استعمال أعظم خاصية إنسانية ألا وهي العقل.
?إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ? [الحجرات: 4]، أو استراق السمع أو النظر من خلال الفجوات.
عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم.
"وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا": بأن تقولوا: السلام عليكم، بعد أن يرخص لكم في الدخول. ومعنى "السلام عليكم" الدعاء وتبشير المسلَّم عليه بالسلامة من جميع المكاره، ولفظ "السلام" من أسماء الله الحسنى، فيكون معنى "السلام عليكم" الله عليكم، أي تجلى الله تعالى باسمه، السلام عليكم بحفظه ووقايته من الآفات كلها دينية ودنيوية، فالسلام تحية أهل الجنة وسنة المسلمين، قال تعالى: ?تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ? [إبراهيم: 23].
وأخرج مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس محمِّدا لله فشمته -قل له يرحمك الله- وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه».
?ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ?: يعني أولى لكم وأقرب إلى اللياقة من الهجوم بغتة قبل الاستئذان والاستئناس بلطف، بل ذلكم خير لكم حتى من تحية الجاهلية، حيث كانوا يقولون -عند إرادة دخول بيوت غيرهم-: حييتم صباحا، وحييتم مساء، ونحو ذلك من عبارات الجاهلية، وهي على ما تنم عنه من مجاملة، إذا قرنت بتحية الإسلام "السلام عليكم"، صارت كمقارنة الياقوت بالحصى.
?فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ?، بان لم تجدوا فيها أحدا أصلا، أو وجدتم فيها من لا يملك الإذن كالصبيان والخدم، إذ في دخولكم تصرف في ملك الغير بغير إذنه واطلاع على خفايا البيوت وعوراتها. وهذا ما لم يعرض عارض يقتضي مراعاة قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، وذلك فيما إذا حدث بالبيت حريق أوانهيار أو فيه لصوص أو غير ذلك من المناكر، فلا يجب حينئذ الاستئذان.
?وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ?
هكذا يكون أدب السلوك وهكذا تكون النصفة، فعلى هذا المنهج يسير كل أفراد المجتمع الراقي البالغ أوج الكمال التمديني، ثم ليكن مثالا وأنموذجا تسير على منواله سائر المجتمعات البشرية لتنمو الكرامة الإنسانية، ?وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا? أمر تقبله عن رضى وطواعية نفوس مومنة طاهرة من أرجاس الكبرياء وأدران الترفع، نفوس تحترم حريات الآخرين، ذات الشعور المرهف بأعذار الناس وتقدير ظروفهم واحترام مشاعرهم، ?هُوَ أَزْكَى لَكُمْ? حتى لاتتمرغوا في أوحال الدنائة وتلطخوا ثياب مروءتكم بنجاسة الرذالة. ?وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ?. شأن الإنسان الغفلة والنسيان - فليس يكفي غالبا إيمانه واقتناعه بجدوى القوانين النقية من شوائب الاعوجاج إن سار طول حياته على ضوئها، فمهما بلغت تلك القوانين الدرجة القصوى في الصلاحية والدقة والكمال فلن تحترم كل الاحترام ولن تترعرع كل الترعرع إلا إذا هيمنت وسهرت على تنفيذها قوة جبارة من ضمائر حية يقظة طاهرة، وأنى لها بالحياة واليقظة والطهارة إن لم تستشعر رقابة الله تعالى التي لاتفتر ولا تغيب، وفي التعبير باسم الجلالة وتقديم المعمول من تربية المهابة والاعتناء بأعمال العباد والوعد والوعيد ما لا يخفى.
?لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ?، ضابط ذلك هو انتفاء الإضرار بالغير، فغير مسكونة هي التي لم تتخذ للسكن والاستقرار والاستراحة من الأتعاب، وإنما اتخدت للتجارة كالفنادق والمتاجر والمطاعم، فهذه ونحوها ليس فيها خوف على الاطلاع على عورات الناس ولا إحراجهم، بل في دخولها تنشيط المكاسب وسبب تنمية الأرزاق. وفي مفهوم "فيها متاع لكم" إرشاد إلى أنه ينبغي للمرء أن لا يدخل إلا إلى الأماكن التي له فيها فائدة يقرها الشرع والطبع السليم، وهذا ما يعنيه الحديث المشهور «من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه»، فولوج أماكن اللهو واللعب ومواطن الريب ليس فيه متاع معتبر شرعا، ولهذا وقع التهديد عليه بقوله تبارك اسمه: ?وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ?.
أيها القاريء الكريم، هذه الآيات نموذج لتنظيم الإسلام للعلاقات الاجتماعية وآداب التزاور التي اختارها للمؤمنين، فهل ترى فيها سوى ما يبهر عقول ذوي الذوق السليم؟ وقد تتعجب وتتندر بما ادعت مدينة القرن العشرين أنه من بنات أفكارها من هذا القبيل، ولكن هل حاولت أن تعلم أن هذا بجملته وتفاصيله قد نادى به صوت محمد النبي الأمي من الجزيرة العربية منذ أربعة عشر من مئات السنين، ثم حاولت أيها القاريء الكريم أن تتفهم أن محمدا الأمي ليس من الفلاسفة، وإنما هو أمي تربى في وسط شعب أمي ركز جل اهتمامه في معالجة مشاكل توالي جذب السنين وطبيعة الصحراء القاسية.
ثم هذا النبي الأمي جاء بشريعة مدعيا أنه لا ملجأ ولا منجأ من نكد العيش للبشرية حيثما كانت وفي أي زمن وجدت إلا بسلوك سبيلها وامتثال أوامرها واجتناب نواهيها، فكانت المئات من السنين تقوم بمهمة التصديق لكل ما ادعاه ذلك النبي صلوات الله عليه، إنها شريعة أنزلها الذي يعلم السر في السموات والأرض ليس لمحمد الأمي إلا تبليغها للناس بكل أمانة كما أنزلت.
قد يتساءل جاهل: إذا جاءت شريعة الإسلام بهذا النظام المحكم العجيب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما بال كثير من الشعوب الإسلامية في سوء نظام وتخلف مزريين؟ والجواب سهل، وهو أن الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر، ?إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ? [الرعد: 11].
                                                                     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here