islamaumaroc

تحول الكائن إلى الشخص

  دعوة الحق

العددان 50 و51

إن الكائن البشري يتجلى، بمجرد ما يكشف عن العلاقة التي تربطه بالبيئة المحيطةبه، حيث يتكيف ويتشخصن. بيد أنه لا يظهر، بدا، كما هو في الواقع، وهذا الظهور يكون مخالفا  للواقع، بالنسبة للكائن ذاته (لان الشعور – بالذات يبرز في مرحلة ثانوية، أي بعد أن يصبح الكائن قد تعدى كينونته المحضن فأضاف إليها مكتسبات) والنسبة للآخرين، لأنهم يرونه كما يدركونه، وطبقا للعادات والأعراف التي يحيون فيها. فالفعلة التي ينبثق بها الكائن،  ويتفتح بها على الحياة، هي نفسها التي تحوله الى الشخص. ان جميع التعليلات السابقة، لم ترم، الى شيء آخر، غير تتبع مراحل حركة التشخص، وابراز تخطيطات الانتقال من الكائن الى الشخص.
يقول سارتر، في تعريف مشهور للوجودية، بأن الوجود يسبق الماهية، مع الحاح منه أن ينحصر هذا التعريف في الإنسان، وفي الإنسان وحده. ومعنى هذا، أن الإنسان موجود، قبل كل شيء، ثم انه يصير كذا أو كذا ... "ان ماهية الكائن البشري متوقفة على حريته" (كتاب الكائن والعدم، ص61)، فهناك، اذن     ، نوع من التحول: الانسان حر، فيجب عليه أن يخلق ماهيته.
لنا على هذا ملحوظتان:
أولا: يستعمل سارتر، في التعريف السابق، كلمتين، هما "قبل" و "ثم"، وهاتان اللفظتان تستلزمان التوالي في الزمن، وترتيبا، ورابطة بين شيئين متباينين، يجب أن تكون حتما الماهية أحدهما. وعليه، كلما وجد كائن، كان لازما وجود حد أدنى من ماهيته في آن واحد مع وجوده، لأن هذا الكائن يوجد  بالنسبة الى ماهيته. فالماهية (هذا وذاك و ...) من صميم التيار الحيوي، في البذرة الأولى.  ويمكننا، كذلك، أن نطالب سارتر بتمييز دقيق بين الماهية الشاملة التي تجعل مني كائنا بشريا (الماهية النوعية التي لا تتعلق باختياري، مطلقا) والماهية الفردية التي تجعل مني شخصية ما، وتعطيني مزاجا ما.
ثانيا: ملحوظتنا الثانية تتكامل مع سابقتها.
يقول سارتر أن الإنسان "موجود، قبل كل شيء..." لكن، بما أنه "موجود"، لا بد له من أن يكون شيئا، نعني لا بد أن يكون كذا أوكذا، ولا يمكنه أن يكون خارجا عن كذا أو كذا. ونتساءل اذن: ما معنى "وجود" غير محدد؟.
أن يكون لـ "اختيار" ماهية ما معنى من المعاني، لو كان الكائن الموجود غير محدد، ينحصر في  "قبل"، أي في شيء سابق على الوجود، كما يقول سارتر؟
ايجوز أن تقول بأن للكائن البشري وجودا وماهيات توجد أولا،  في آن واحد، ومستقلة بعضها عن بعض، ثم لا تتصل ولا تمتزج الا فيما بعد؟
يظهر أننا، بالملحوظتين السابقتين، نزيح اللثام عن الفروض المسلمة الأولى التي  بنى عليها سارتر مذهبه.  فقولة ساترتر: الانسان بوجد أولا، ثم يصير، بعد ذلك، هذا أو ذاك، لا تقبل الا إذا سلمنا، سلفا، بوجود الزمن (زمن يمكنه أن يتجلى في العالم، قبلأن يصير الانسان هذا أو ذاك)، وهذا الزمن الذي نفرض وجوده مسبقا، هو الذي يخولنا التمييز بين"قبل" و "بعد". لكن، يجذر بنا  عنا أن نستنتج بأن مفهوم الزمن (كما نستحلصه من فروض فلسفة سارتر) يصادم المدلول الذي يعطى للماهية: فالزمن يظهر تماما في نفس الآن الذي ينتقل فيها الكائن من "وجود
بلا  ماهية.."، الى وجود صار كذا أو كذا. وعليه، فالماهيات تتحقق في الزمن الحاضر (s’actualisent) فـ "الحضور لـ ..." هو أساس الزمن الحاضر، وليس الا "الشيء-لذاته"، بصفته يعرف بعملية تعديم الموجود.
ولنعد، بهذه المناسبة، إلى مثال القطعة من القماش: بما أن تدخل الخياط عرضي (يمكن وقوعه أو عدم وقوعه) ولا يأتي إلا بعد النسج، فان القماش مليء بهذا وذاك.. من الإمكانيات. فيجوز لنا، اذن، أن نقول، عن قطعة القماش، بأن وجودها يسبق ما هيتها (وهذه الفطرية تجعلنا على نقيض من نظرية سارتر). على أنه، لو ألزمنا بالبحث عن ماهية القماش، لوجدنا نفسنا في حيرة، ولوجب أن نتحدث عن ماهيتين، على الأقل، أولاهما تكون سابقة على التكوين الحالي للقماش (أو "قماشيته")، مع أنه ما  "زال" مجرد مرشح إلى عدد كبير من امكانيات أخرى غير  "قماشيته" الحالية. أما الماهية الثانية، فهي التي تجعل من قطعة القماش (بصفتها قطعة قماش) مصدرا لعدد كبير من الملابس التي يمكن أن بكونها، أولا بكونها حقا، أن التفكير في ماهية القماش، يرجع بنا إلى تفكير في ماهية الصوف أو القطن، وماهية الصوف ترجع بنا  الى ماهيات أخرى متعددة،ونبقى نسير، هكذا، إلى اللانهاية. انها ماهيات –صارت- موجودات. فلا مندوحة لنا، اذن، من أن يقول بأنه ليس هناك الا سلاسل لا تنتهي، من "ماهية-وجود".
ان مفهوم التشخيصن يقي الباحث، في "الكائن البشري" من السقوط في مشكل الثنائية: "وجود-ماهية". فبمجرد ما يبرز الكائن في هذا العالم، يشرع، فورا، في التشخصن، الى حد أنه  لا يجوز لنا أن نقول عنه بأن له وجودا منعزلا عن ماهية. فليس له وجود محض "قبل" والـ "بعد" لا يوجدان بصفة مطلقة في زمن مطلق، بل وجودهما مقيد بوجود كائن بشري.قد جعل من نفسه كذا وكذا، والا لما امكننا أن نتكلم عنهما. ان مجموع مراحل عملية التشخصن يقع  وينتظم في الزمن، بينما  ظهور الزمن ليس لا نتيجة للحركة المشخصنة. نعم، هناك الكائن، لكنه لا "يكون" شيئا خارج هذه الحركة: انه آونة الشروع في التشخصن.
                                                * * *
المشكلة التي توضع الآن،  الآن، هي ان نعرف هل الانتقال الاولى، الذي تبدا به السلسلة  الانهائية من الانقلابات المتتابعة، يكون من طبيعة أخرى جديدة،  مغايرة لطبيعة الكائن، أو انما الفرق، بين الكائن والشخص، مجرد فرق في الدرجة (باعتبار الكائن معطى أولي خام، تتوقف عليه، حتميا، امكانية التشخصن). فلنفرض أن هناك فرقا في الطبيعة، بين الكائن والشخص. فما هو الأساس الانطولوجي للشخص اذن؟ وإذا كان الانقلاب يغير طبيعة الكائن، فكيف يمكن تفسير بعض مظاهر سلوكنا، التي لا زالت ألغازا عند أصحاب السيكولوجيا- الاجتماعية؟ لو حصل تغير في الطبيعة، لما ترك هذا الانقلاب الكلي آثارا. بيد أن التجربة التي نحياها كل يوم، ومشاهدتنا للآخرين، تظهر، بوضوح، أن الشخص ينقل معه بقايا من الكائن، كعناصر مؤسسة لقاعدته. وإلى هذا الوضع ترجع بعض الدوافع وضروب  السلوك، التي لا توجد لها تأويلات اجتماعية. ان المحاكاة من الوسائل الأولى التي يعبر بها الطفل عن شخصيته (بعد مرور اثنى عشر شهرا على ميلاده). لكن الطفل لا يقلد الا اذا أثار انتباهه الشخص الذي يقوم بالاشارة أو الحركة. فتجاذب الافراد (بين طفل وطفل، أو بين طفل وكهل)هو الاساس الحتمي لكل جماعة.ليس الكائن بالشخص، وليس الكائن بانسان الا أنه يرمي الى تحقيق الشخص الذي يتظاهر به في المجتمع. "ان أول حركة تبرزالكائن البشري في طفولته الأولى، حركة نحو الآخرين، فالطفل بين الشهر السادس والثاني عشر من عمره، عند خروجهمن الحياة النباتية، يكـتشــف نفسه في الغير، ويتعرف على نفسه في مواقف توجهها نظرات الآخرين. أما الموجة الأولى للأنا المنعكسة، فلا  تبدأ إلا مؤخرا، في حوالي السنة الثالثة"  (1).
يتحدث السيكولوجيون عن "قانون المسابقة، مؤكدين أن الطفل يقوم بأفعال، قبل أن يحصل له شعور بالقوانين، (قانون العلية، ومعنى الصدفة، يبقيان أجنبيين عن ذهنية الطفل، إلى حوالي السنة الرابعة أو الخامسة من عمره).
                                                ***
لقد قلنا بأن الكائن،  ليس هو الشخص.
ان هذا النفي واضح. فنحن لا ننكر وجود الكائن، وانما نؤكد أنه يتحمل انقلابات. فاذا كان شيئان لا ينطبقان تماما، فهذا لا يعني أنهما، حتميا من طبيعتين مختلفتين: الكائن ليس شخصا، ولكنه يصير شخصا. فهو القاعدة التي يتأسس عليها  الشخص، وهو سند المعاني المجتمعية، وعنه يصدر نشاط المشاركة في الحياة المعشرية وصيرورة التاريخ.
فالكائن لا يكون، أبدا، كائنا بشريا إلا إذا  حبل بالشخص، نعني أن الكائن الذي ينحصر في "الظهور" دون انفعال لتأثيرات المجتمع، كائن خام، لا انساني.
فالفرق  بين الكائن الخام والكائن المشخصن، ليس  فرقا في الدرجة، ولا في الطبيعة، فهما ليسا بالشيء  الواحد، ولكنهما لا يتعارضان. فعلاقتهما تماثل العلاقة التي تربط، في هندسة اقليدس، بين القضايا، والبديهيات، والمسلمات، والتعريفات، فالقضايا، مثلا، تختلف عن المسلمات، ولكنها تفرض وجودها. وكل قضية تتعدى مجموع المسلمات، دون أن نستطيع الاستغناء عنها، أبدا. فإمكانية وجود قضية ما، بصفتها قضية هندسية، يتوقف على وجود الأسس الهندسية، من تعريفات ومسلمات وبديهيات...
والكائن، كذلك، ليس بالشخص، انه الشرط الحتمي لكل تشخصن، فالشخص، وان لم يكن هو الكائن، تتعذر إمكانية وجوده بدون كائن. فهناك ادن بينهما استقلال –في- ترابط، دون تطابق، ودون تعارض. فالتعارض ينفي التداخل، والتطابق ينفي الاختلاف. أما الكائن والشخص، وان اختلفا، فإنهما يتداخلان. فقولنا أن الفرق، بين الكائن والشخص، فرق في الدرجة، يستلزم أن نسلم بوجود طبيعة مشتركة بينهما. وفي هذه الحالة يكون الكائن، مثلا، الثلث أو ثلاثة أرباع من الشخص... وهذا محال.
وبمقتضى الفرض السابق، أيضا، يفقد الشخص تركيباته الكثيرة، ولا  يحتفظ الا بقوة تختلف  حدتها، وهذا مخالف للواقع.

(1)Maunier, Le Personnalisme, p.38
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here