islamaumaroc

تجديد الشابي بين روافد الشرق والغرب -3-

  دعوة الحق

العددان 50 و51

وفي غمرة إجماع دارسي الشابي على تأثره بالأدب المهجري، يرتفع صوت الدكتور أحمد زكي أبو شادي لينكر هذا القول، ويرى (1) (أن أية مشابهة بين شعره وبين بعض الشعراء المهجريين هي من باب المصادفة لا أكثر. ولعل أعظم تجاوب للشابي كان مع زملائه شعراء "أبولو" حتى قبل ظهور مدرستها)، وأنه أولع شخصيا بالشابي (لا لعبقريته الفنية فحسب بل لإنسانيته الرفيعة ولوطنيته السامية) ثم ينتقل بعد ذلك إلى ذكر بعض القصائد التي يبدو واضحا فيها تجاوب الشابي معه، فيشير إلى قصيدة (صلوات في هيكل الحب)  التي مطلعها:
عذبته أنت كالطفولة كالأحلام        كاللحن كالصباح الجديد
فيرى أنها متجاوبة مع قصيدته (عرس المأتم) (2) التي كان يعجب بها الشابي. وقد جاء في مطلعها غير المسبوق إلى طرازه) (3):
"عذبته أنت في الجفاء وفي الهجر يا أغاني الظلام
بلغي العاشق الأمين مدى العمر شقاء قلبه المستهام
وارقئي أدمعي فحسبي عزاء أن يسر الحبيب من إيلامي".
كما يشير إلى قصيدة (إرادة الحياة) (4) التي يبدأها الشابي بقوله:
إذا الشعب يوما أراد الحياة          فلا بد أن يستجيب القدر
فيرى أنه متأثر فيها بقصيدته (النهضة إرادة)(5) ، وأخيرا يشير إلى قصيدة (الصباح الجديد)(6) التي يقول الشابي في أولها:
اسكتي يا جراح        واسكني يا شجون
فيراه متجاوبا مع قصيدتين له، فأما الأولى واسمها (قصيدة الوداع)(7) فمطلعها:
انتهب يا شعاع        نبض قلبي الحزين
حان وقت الوداع     ليته لا يحين
انتهب يا شعاع        أنا ذاك الغريب
إن روحي مشاع  في مداك العجيب
وأما الثانية فقصيدته (بعد الصيف)(8) التي أولها:
اضحكي يا رمال     من هدير المياه
غاب ماله الخيال     من بكاء الزمان
فهو دوما مروع      من مآل الهوان
ثم يختم كلامه بقوله (وكان الشابي كما كان ناجي رحمة الله عليهما معجبا بكلتا القصصيدتين وكلاهما نسج على منوالهما).

ولعلنا نخالف أبا شادي فيما ذهب إليه من أن التشابه بين الشابي وشعراء المهجر هو من باب المصادفة ليس غير، وقد بينا في الصفحات السالفة وجود هذا التشابه الذي هو أعمق من أن يكون كذلك.
أما تجاوب الشابي مع جماعة أبولو فنحن نوافق الدكتور عليه، بل نزيد فنرى أن تجاوبه لم يكن ليقتصر على هذه الأمثلة التي أوردها، بل هو أوسع من ذلك وأعمق، ولن يكشف عن حقيقته في رأينا غير الرسائل العديدة التي كان يتبادلها مع الشابي، فهو السجل الصادق للعلاقات المتينة التي كانت تربطهما، ولوجهات النظر التي كانا يتبادلانها في مضمار الفن والحياة.
ولعل من أهم مظاهر هذا التجاوب ما يتجلى في النزعة الذاتية التي تهفو إلى الحرية المطلقة وتنفر من روح التمذهب، وتدعو إلى المضمون الحر، وجعل الفرد مركز الكون، كل شيء نسبي بالقياس اليه، وربما كانت ظروف الحياة عامة، والسياسة خاصة، سواء في تونس أو مصر، أكبر مشجع على هذه الدعوة، لاسيما وأن العقلية الاجتماعية العامة لم تكن قد تربت فكرتها بعد، وهي وحدها التي يمكن أن تقيد مثل هذه الحرية، وتكون روحا جماعيا لا ينظر إلى الفرد بقدر ما ينظر إلى الجماعة، بل قد يختفي الفرد فيها يذوب، يقول الشابي في مقدمته ليدوان (الينبوع)(9) ، بعدأن استقرى فنون الشعر ومجالاته ومذاهبه: (والحق أننا نخطئ كثيرا إذا حاولنا أن نفرض على الشاعر آراءنا وأحلامنا ومذاهبنا فرضا، ولن نجني من وراء ذلك إلا تضليل المواهب الجديدة الناشئة وسخرية المواهب الكبرى السائرة إلى النور، وليس لنا أن نطالب الشاعر في شعره بغير الحياة، وإذا جاز لنا أن نطالبه بأكثر من هذا فلنطالبه بأن تكون هذه الحياة رفيعة سامية تتكافأ مع ما للشعر من قدسية الفن وجلاله. ففي الحياة كثير من الحماقات والدنايا يتعالى الفن عن التدلي إليها من سمائه العالية، إن روح الشاعر روح حرة لا تطمئن إلى الفن ولا تسكن اليه، حرة كالطائر في السماء والموجة في البحر والنشيد الهائم في آفاق الفضاء، حرة فسيحة لا نهائية لا تحدها نزعة واحدة ولا مذهب محدود، وإن كانت لا تضيق بكل هاتيك النزعات مجالات نفس الشاعر ولا تتقيد بصورة أو مثال)(10).
وعلى نفس هذه النغمة كان أبو شادي يحرك أوتاره ليرى (أن الحرية هي صديقة الآداب والفنون، بل والمعارف عامة. فالإملاء على الشعراء والتحكم فيهم هو أولا قتل لمواهبهم ثم قتل للشعر وممكناته ثم إفقار لللغة وآدابها.. لنا أن نحتفي بكل لون من ألوان التفكير والتعبير البشري، وعلينا أن نناهض الدكتاتورية الأدبية والفنية لأنها في النهاية بمثابة سم للأدب والفن... إننا ندافع عن حرية الشعر المطلقة موضوعا وتعبيرا، ندافع عن هذا الفن الرفيع الذي متى بلغ الذروة بإنسانيته وبقيادته الحرة الجريئة الحرة كان الرائد لحركات الإصلاح والتطهير والتسامـــــــــي)(11).
وعلى الرغم من هذا فقد كانت النزعة الرومانتيكية تغلب على روح هذه الجماعة، فتعمد إلى تصوير الوجدان والعاطفة ورسم تجارب النفس والذات في إطار من الحزن والتشاؤم، وكما أسلفنا، فقد كان الشابي في هذه النزعة أكثر تأثرا بالمدرسة المهجرية.
ولكن جانبا آخر تجاوب فيه الشابي مع أبي شادي ورفاقه يظهر في لجوئهم إلى التعبير الرمزي، وكأن الاتجاه العاطفي لم يستنزف نفوسهم المليئة حزنا وكآبة، والأسلوب الرمزي يعمد في إفصاحه عن مشاعر النفس وأحاسيسها إلى الصور الغامضة الخيالية، وإلى موسيقى صوتية يوحيها انسجام الألفاظ وتراكيبها، والشاعر الرمزي لا يكتفي بتطبيق أسلوبه على الصور والتراكيب فحسب، وإنما يعالج بواسطته مشاكل الإنسانية عامة، يوضح فيها أفكارا ويجدد حقائق قد تبدو بعيدة عن واقع الحياة، ولكنها لا تفقد أبدا صدقها ومغزاها، وجماعة أبي شادي في اتباعها هذا اللون من التعبير إنما كانت تتأثر جماعة الديوان قبلها، وخاصة رائدها شكري الذي كانت تطغى عليه النزعة الرمزية في شعره، كما كانت تتأثر بجبران خليل جبران، ورب معترض يرى أن الشابي قد يكون تأثر مباشرة في هذا الجانب بشاعر المهجر، ربما كان هذا صحيحا ولكننا نرجح أن يكون قد تجاوب مع أصدقائه المصريين الذين كانت قد تفشت في شعرهم نزعة الرمز أكثر مما تفشت في شعراء المهجر، وإن كان جبران رافع لوائها.
وإذا كان الضيق الذي مله شعراء جماعة أبولو نتيجة جو السياسة الحالك وما كانوا يقاسونه من آلام نفسية وجههم نحو استخذام الرمز في التعبير عن حالهم، فيقول رائدهم واصفا حالا من أحواله النفسية ومصورا إحساسه بقوة الحياة وضياع آماله وأحلامه:
هتفت بي الأضواء فاستيقضت من             نومي على قلق من الأضواء
ونظرت في أفق السماء فلم أجد               إلا حديث الموج والدأماء
السحب تجري في اصطخاب الموج لا        ترضى بهدأة لحظة لندائي
ناديتها فتلفتت لكنه                              كتلفت الأطياف للشعراء
لاتستقر هنيهة وتسير في                       لهف كثوب الموج فوق الماء
وكأنما الزمن العجيب يسوقها                  كالخيل في ركض وطول عناء
تخشى سياط الدهر يجري خلفها               فالدهر قاس دائما ومرائي
وتغيب في بحر السماء كما مضى             حلمي وأنفاسي وروحي ورجائي(12).
فكذلك كان الشابي يحس مللا من جراء ظروف بلاده المستعمرة ومن جراء الألم الذي ظل يصارعه في شقاء ومرارة إلى أن عصف به في كهوف الموت، ولنستمع إليه يقول:
يا صميم الحياة إني وحيد          مدلج تائه فأين شروقك
يا صميم الحياة إني فؤاد           ضائع ظامئ فأين رحيقك
يا صميم الحياة قد وجم الناي      وغام الفضاء فأين بروقك
يا صميم الحياة أين أغانيك         فتحت النجوم يصغى مشوقك
كنت في فجرك الموشح بالأحلام  عطرا يرف فوق ورودك
ثم جاء الدجى فأمسيت أوراقا      بدادا من ذابلات الورود
كنت في فجرك المغلف بالسحر   فضاء من النشيد الهادي
وانقضى الفجر فانحدرت من      الأفق ترابا إلى صميم الوادي(13)
  

ولقد عاب الدكتور فروخ(14) على الشابي إكثاره من الرمز لدرجة (الغموض الذي يصبح عبئا على الأدب)، خاصة وأنه على حد قوله (يأتي بأشياء لا يعرفها)، ويرد على هذا الاعتراض بأن غموض الشاعر ليس ناشئا عن جهل أو (عجز عن الإدراك أو عن التعبير، بل غموض ناشئ عن غنى الاحتمالات التي ترقد خلف الرموز وتفلت من قبضة العقل الذي يسعى إلى الوضوح الجامع المانع)(15).
أما بعد فقد تبين لنا من بين خطوط هذا البحث، أن الشابي تأثر بتيارين أدبيين، أحدهما ظهر في بيئة عربية صميمة وهو تيار جماعة أبولو، والثاني نشأ في عالم ما وراء البحر بعيدا عن موطن العروبة، ولكل من المدرستين قرأ الشابي وأطال القراءة في ذكاء وشغف واستيعاب، ومع كل منهما تجاوب فأخلص التجاوب في صدق ولهفة وأناة، وعلى دربهما صار يتأثر خطى كانت توجهه في طريقه المظلم الشائك، ولم يكن تأثره تقليدا يمحو شخصيته ووجوده وإنما كان تجاوبا توجيهيا يستنير بنبراسه في حياته المضطربة القلقة لم يلبث أن سما عليه وانطلق في أجواء بعيدة حرة ليتناول قيثارته في أعلى القمة، ويعزف للطبيعة والإنسان، وينشد من أعماق قلبه في لحن مثالي صادق أغنية الحياة في كل زمان ومكان.
وهكذا الشابي وهكذا تأثره، لم يكن شعره صورة لغيره وإنما كان صورة لنفسه في إطار أمته وعامة الإنسانية، ولم يكن أسلوبه لتحدده اتجاهات المدرستين وإنما كان أسلوبا تحدده طاقة شعرية خلاقة يمتاز بكثير من الرشاقة والأناقة والجمال والإشراق، وإذا ما لوحظ على الشابي أن أفكاره ضحلة غير ناضجة، وأخيلته فجة غير مكتملة، وأن نظرته للحياة مضطربة غير قارة، وأن فلسفته عامة لم تتضح خيوطها لتعبر عن نفسها في جلاء ووضوح، فما ذاك إلا لأنه مات في أول الشباب، لم تمر على مدة إنتاجه غير ست سنوات(16) لا شك أنها غير كفيلة بتكوينه تكوينا ناضجا متكاملا سواء في ميدان الفن أو الحياة.
وبالرغم من هذا فإننا لا نغلو إذا قلنا إن الشابي يكاد يكون مدرسة وحده في الشعر العربي، أساسها أدب إنساني جديد يصل إلى أعماق الحياة، ويشعر بآلامها، ويدعو إلى الكفاح ومحاربة الطغيان، ويهفو إلى المعاني المشرقة المتوهجة، نحس في نغمته روحانية صوفية وشفافية قدسية، وعاطفة نورانية، وحرية مترفعة.
        


1 قضايا الشعر المعاصر لأبي شادي.
2 ديوان ذ، ص 121.
3 ديوان زينب.
4هكذا يقول الدكتور ابو شادي
5ص 167.
6 ديوان "الشفق الباكي".
7 ص 159.
8 ديوان "قطرة من يراع" ج2.
9ديوان "أشعة وظلال".
10لا بي شادي.
11نقلا عن كتاب "الشعر المصري "بعد شوقي" للدكتور محمد مندور، ص 41.
12"قضايا الشعر المعاصر" ص9/10.
13 قصيدة بحر السماء. الأشواق التائهة، ص 112.
14في كتابه (الشابي) ص 125.
15 هكذا يقول الدكتور فروخ.
16 محاضرات في الأدب ومذهبه للدكتور مندور، ص 80.
17ولد الشابي سنة 1909 وتوفي سنة 1934

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here