islamaumaroc

الثورية العربية الحديثة بين آفاقها الإيجابية والسلبية

  دعوة الحق

العددان 50 و51

ان هناك أساسا لتقدير القيم الايجابية التي يعكسها واقع الثورة العربية كما تترأى في افاقها الحاضرة، وان هناك أيضا مجالا لتأكيد صلتهاالبناءة غير المباشرة ببعض مظاهر الوعي الملحوظ في نواح من افريقيا والقارة الأسيوية، إلا أن هناك أيضا ضرورة للتأكيد بأن هذه الثورة  لم تعد في اتجاهها الى التبلور نطاقا تطوريا محدودا، ومن اللازم ان تتجاوز هذا النطاق المحدود الى غيره وتتسع آفاق التطور الذاتي اماها ليمكنها ان تشكل في النهاية مظهر تقدم انساني عميق الاصول والنتائج وذي ابعاد عالمية واسعة.

ما هي مظاهر الثورة العربية الحديثة؟ وما مستوى عمق المفاهيم الانسانية والتاريخية التي تعبر عنها؟ وما درجة ارتباطها بالتطورات العالمية المعاصرة؟  وما قيمة العوامل التي تكمن وراء تطورها بصورة اساسية؟  والى أي مدى يساعدنا ذلك على ادراك بعض ظواهر التطور في العالم العربي بجناحيه؟.
أما أن هناك مجموعة من الظواهر الحية الايجابية تتميز بها حياة العرب اليوم، فهذا شيء يبدو من الوضوح والجلاء بدرجة كبيرة جدا، واما ان هذه الظواهر هي من الكثرة والتعدد والشمول بحيث يجوز اعتبارها –في بعض الجوانب- كبوادر انبعاث حقيقي واصيل، فهذه قضية قد لا يحتاج التدليل عليها  كثير من البرهنة والاستدلال، لأنها تتلاقى وكثيرا من النواميس التاريخية التي لها اعتبارها في هذا المقام، ولأنها تتصل –من جانب آخر- بصميم  الواقع الحي الذي يعيشه الإنسان العربي المسلم، وهو يبحث عن معالم تاريخه المميز، ويتحسس مواقع مركزه في  معركة الوجود والتطور، فالنهضة العربية الحديثة –باعتبار الحقائق المبدئية الاساسية التي تميز وجودها –لم تعد- كما كانت من قبل – مجرد ظاهرة سطحية عابرة يمكن الارتياب في جدية العوامل المحركة لها، وقيمة المدلولات الفكرية والتاريخية التي تعبر عنها، كما انها لا يمكن –في أي اعتبار منطقي موضوعي- ان تفصل عن اطارها الواسع وتعتبر – كما كان يقدر البعض- كحركة موضوعية منعزلة تعكس اتجاها محدود المدى والمفهوم سواء من حيث جانبها الانساني التطوري أو بالنسبة لما يمكن أن يكون لها من مدلول تاريخي أساسي، ومراقبة التيارات الانبعاثية المختلفة التي لم تفتأ تتوالى مؤثرة بصورة جذرية أو شبه جذرية على مختلف جوانب الحياة العربية المعاصرة –ام مراقبةهذه التيارات وتحليل اتجاهاتها وامتداداتها وقياس الخطوط والابعاد التي تنطلق  عليها –كل ذلك من شأنه أن يقود –بالضرورة- إلى الاقتناع بكثير من الحقائق، وتكوين استنتاجات غير تشاؤمية في هذا المضمار، وقد يشط بنا الحديث لو تتبعنا عناصر هذه الاسنتاجات، ومقوماتها النظرية كل على حدة، واستقصينا أصول التطور البحثي الذي يجب أن يؤدي الى استخلاصها من حيث الأساس، خاصة وأن وجهة الموضوع لا ترتكز على هذا في الصميم، انما ذي يتعين بالضرورة تأكيده في هذا الصدد هو قيمة الاعتبار المبدئي الذي يجب أن يولي للنهضة العربية الحالية، وسعة المحتوى الإنساني والتاريخي الذي تعكسه بشكل حقيقي أساسي، وفي الامكان أن نلاحظ بعضا من عناصر هذا المحتوى، وذلك على اساس التقدير للحقائق الآتية:
أ‌) باعتبار الجانب الانساني:
1) تطور ملحوظ في بعض القطاعات الاجتماعية المعينة ببعض البلاد العربية.
2) تحول فكري متفاوت القيمة والاثر تلاحظ مظاهره على مستوى فردي أو جماعي وان كانت نسبة عمقه لا تزال مع ذلك-محدودة الى حد كبير.
3) تضاؤل تدريجي في مستوى المؤثرات البدائية الرجعية، كالتفكير الطائفي والقبائلي وغير لك، وان كان التحسن في هذا المضمار لا يزال محدودا بل وتافها في بعض الأحيان.
ب‌) ومن حيث الاعتبار التاريخي:
1) ارتكاز الوضعية العامة للعالم العربي في المجال الدولي والعالمي.
2) امتزاج فكرة التحرر العربي بمبادئ الوحدة والاتحاد، وذلك على درجات مختلفة وفي نطاق الاتجاه المشترك الى تحقيق مظاهر التقدم والرجاء والازدهار.
3) انتصار الفكر السياسي العربي على نطاق واسع، ونجاحه في مواجهة كثير من التحديات العالمية الراهنة.
على أنه اذا كان لنا أن نؤكد –على هذا الاساس قيمة المضمون الانساني والتاريخي للنهضة العربية الاسلامية الحاضرة فان ذلك لا يمكن أن يصدفناعن محاولة التساؤل حول طبيعة هذه النهضة والخصائص التي تتميز بها على نحو وآخر، والمدلولات الأساسية التي يمكن أن تعبر عنها في هذه الحالة أو تلك؟ إن النهضة العربية الحالية تتوافر لها –كما أسلفنا- كثير من الاحتمالات الايجابية الخيرة، الا أنه يعسر الإدعاء مع ذلك- بأن هذه النهضة قد أصبحت على أية درجة من الشمول والتكامل بحيث تتسع لجميع المفاهيم التي تعبر عن معنى النهضة ومدلولها العام، ويقوم هذا التقدير على أساس النظرة إلى العالم العربي ككل لا يتجزأ، وذلك لا يبيح حينئذ عزل مظاهر النهضة في ربوعه بعضها عن بعض، بل أنه من الضروري-كنتيجة لذلك- ربط هذه المظاهر فيما بينها، وتجميعها في إطار واحد هو إطار النهضة العربية العامة التي تعكس كل عناصر التطور سواء في الاردن أو في مناطق الخليج أو العربية المتحدة أو المغرب أو غير ذلك، ومن البديهي أن صور البعث والنهوض في مختلف هذه المناطق وغيرها متفاوتة القيمة والنتائج تفاوتا يمتد على جميع الأبعاد اجتماعية واقتصادة وثقفية وغيرها، وهذا التفاوت في مظاهر الانبعاث ونتائجه هو من ابرز العوامل السلبية التي تؤثر –عمليا- على سير التطور الوحدوي العربي، وتقلل من سرعة اندفاعه وامتداده.
ويؤول بنا السباق إلى التساؤل من جديدحول طبيعة النهضة العربية الحالية والمدلول الاساسي الذي يمكن أن تعبر عنه في مختلف الحالات؟ وقد نسير بعيدا في استبطان الظواهر المتصلة بكل ذلك، وقد نمعن في فحص كثير من هذه الظواهر وتقليدها،  وليس من  ريب اننا سنلاحظ على أساس هذا ان هذه النهضة العربية لا يمكن أن تنفصل عن إطارها الثوري التاريخي، كما لا يمكن إدراك الكثير من معطياتها وجوانبها إلا على أساس التقدير الكامل لما يعبرعنه وجود هذا الإطار، وذلك نتيجة لطبيعة الظروف الخاصة التي صاحبت نشوءها، وطبيعة العوامل الذاتية من فكرية ووجدانية وغيرها تلك التي ساعدت على إذكائها وتعميقها بصورة من الصور، وقد ترعرعت هذه اليقضة بالفعل في ظلال الآلام والتجارب القاسية الممضة، وما كان للنزالات والقوارع التي ما فتئت تتوالى على مسرح الحياة العربية –خلال عقود مديدة- ما كان لهذه النازلات والقوارع إلا أن تضاعف من عناصر ايجابية في هذه اليقضة،وتتيح لها فرصا حقيقية من نمو وتبلور وتفتح، وتفسح أمامها مجالا تفاعلا مع الواقع الذي يعيشه الإنساني العربي، والإحاطة بهذا الواقع إحاطة نسبية، والإسهام في تطويره وتجديده على شكل من الأشكال.
لقد كانت الثورية العربية –أساس النهضة الحالية- كانت هذه الثورية في الواقع مظهر انطلاق جديد وتطور جديد، لكنه لم يكن من الممكن ان يتحقق لذا الانطلاق والتطور مدلول واقعي حقيقي الا في غمرة لصراع المديد المتطور الي كان لا بد أن يخوضه الانسان العربي ضد عوامل السلبية –منذ أن تدخلت في محيط الفكر العربي والمجتمع العربي اتخذت أشكالا وصورا متعددة تختلف باختلاف الأوضاع العربية ولو أنها لاتزال تكون قاسما مشتركا يشمل في عمومه مختلف الشعوب العربية كان على الفرد العربي –لكي يتخلص من عوامل هذا التقهقر سواء كانت أصيلة –أو طارئة- كان عليه – لذلك- ان يواجه آفاق صراع طويل من أجل تحرير ذاتيته هو أولا، ومن أجل تحرير المحيط المادي والمعنوي الذي يكتنف وجوده، ثم من أجل تطوير هذا المحيط بما يتفق وتيارات الوعي الجديد الدافق، ومن ثم فقد كان هناك مجال لتعدد مظاهر الصراع وتعقد عوامله ومظاعفاته وتطور نتائجه تطورا يتسع مداه ومدلوله باستمرار، وفي هذا التقدير يجب أن نلاحظ جملة من الحقائق التي تعكس واقع الثورية العربية الحاضرة، وترسم أيضا من ملامحها وقسماتها الاساسية، ومن بين هذه الحقائق:
1) اتساع المضمون النضالي الاصلاحي لهذه الثورية، وامتدادها بذلك على قاعدتين متوازيتين:
أ‌- مدافعة القوى التسلطية العالمية، واقصاء عناصر التأثير الذي ما فتئت تمارسه منذ بعيد والذي كان يتمثل في الأوضاع الاستعمارية القديمة، وما كانت تفضي اليه من تجميد للإمكانيات العربية في مختلف الميادين.
ب‌- مغالبة النقائص والادواء الذاتية التي تعود بأصولها الى عصور التدهور الحضاري العربي القديم، والتي ضاعف من حدتها وأزمانها اتساع نطاق التفاوت بين الواقع العربي المتجمد والحياة العالمية المتطورة.
2) ارتباط الثورية العربية –من جانب آخر- بنهاية النظام الاستعماري القديم واسهاماتها الضخمة في حركات الاجهاز عليه وامتداد اثارها على مستوى عالمي واسع.
3) تفاعلها مع حقائق التطور الانساني العام في العالم، وتبلورها –بالتدريج- وعلى مستوياتها مختلفة – كحلقة مهمة من حلقات هذا التطور، بل – وفي بعض الحالات- والجزائر كمثال) كقوة طلائعية رائدة في بعض مجالات تحققه وآفاق امتداده.
وليس من الضروري دائما اعتبار هذه التأكيدات بمعناها  المطلق الحاسم، وخاصة فيما يتصل بنقطة الالتقاء بين الثورية العربية وبعض جوانب الوعي التحرري في المناطق الاسيوية والافريقية، اذ من الواضح ان هذه الثورية لم تعد في اتجاهها  الحالي الى التبلور –نطاقا تطوريا محدودا-  ومن اللازم أن تتجاوز هذا النطاق المحدود الى غيره  ومن اللازم أن تتجاوز هذا النطاق المحدود إلى غيره وتتسع آفاق التطور الذاتي امامها ليمكنها أن تشكل في النهاية مظهر تقدم انساني  عميق الاصول والنتائج وذي أبعاد عالمية واسعة.
واذا كان معقولا ان تتطور الثورية العربية في اطار من هذا النوع، فذلك لأنه يتوافر لها في بعض الحدود المعينةعدد من المميزات والخصائص التي لا تضمنها –بحق- كل ممكنات الاشعاع العام عبر العالم، ولكنها –مع ذلك- تضفي عليها أهمية نسبية  لا يمكن نكرانها في أي حال، والواقع أن كل ظاهرة انبعاثية من هذا القبيل لا بد ان يتوافر فيها  من المميزات والخصائص ما يمنح وجودها صبغة فعالة ومؤثرة،  وما يهيئ لها الشروط اللازمة لاستنفاذ مضامينها التاريخية الممكنة والا فان الظاهرة –في حالة معاكسة- تكون حينئذ مجرد حالة عابرة قد لا تختلف الا اصداء  سرعان ما تتبخر في متهات الايام والازمان، والثورية العربية- وهي ظاهرة يبدو أنها على درجة ما من عمق الوجود والتطور –كما تعكسه مختلف الحقائق الماثلة –لابد أن تكون- بالنظر لاعتباراتها  الذاتية والمحيطية- ذات ميزات وخصائص صحيحة لها قيمتها من الناحية المبدئية على الأقل، وأولى هذه المميزات تتمثل في  قيمة الاستمدادات التاريخية التي تتوافر لها بشكل وافر  وبعيد المدى، فالثورية العربية الحالية لا يمكن أن تعتبرفي جوهرها مجرد امتداد بسيط لهذه الظواهر الثورية الأخرى في مختلف انحاء العالم- وان كانت تعكس –كما  قدمنا- حالات من التفاعل  والتمادي مع هذه الظواهــــر،وبدرجات مختلفة نوعاما، والاساس الذي يقوم عليه هذا التقدير هو ناشئ عن ملاحظة بعض الحقائق التاريخية التي ترتبط بالواقع الثوري العربي منذ قديم وتعطي بعض دلالاته البارزة، فالثورية العربية الحاضرة على هذا الاساس – لا تندمج بجميع مراحل نشوءها وتطورها في ظواهر التطور العالمي المعاصر وباستمداد منه على نحو بسيط ومباشر، أنها تعود –في الواقع – الى آفاق زمنية وتطورية أعمق من ذلك بكثير، وارتباطها بهذه الافاق يجعلها احيانا مجرد امتداد غير مباشر لروح الانبعاث التي سادت الامة العربية قبل الاسلام منذ قرون، والتي مكنت العرب – ممتزجين بالامم الاسلامية المختلفة من دفع المد الثوري خطوات أخرى الى الامام سواء في نطاق الحضارة المادية، أو في مجال القيم والمثل الفكرية و الاخلاقية، وهناك –بحق –حلقة فراغ كبرى تفصل بين مراحل اليقظة العربية الاسلامية في أشكالها السابقة، وبينها الآن في شكلها الحاضر، الا ان وجود هذا الفراغ لايمكن ان يعني مطلقا تحلل الامكانيات الانبعاثية القديمة عند العرب، وانفصالها بصورة مطلقة عن اصول البعث العربي الحديث، ذلك ان هذا البعث وان كان يرتبط ببعض تيارات التطور الفكري العالمي المعاصر، الا أن هذه التيارات لم تؤد- في الواقع- الى خلقه واصطناع وجوده بصورة أساسية لان أصوله ونوازعه لم تنعدم مطلقا في أي وقت، بل انها كانت كامنة فقط قبل ان تتفاعل تفاعلا ايجابيا مع حقائق  العالم الحديت، ويبدوا في بعض الحالات ان موجات التطرف القومي الضيق التي سادت اوربا في العصور الحديثة،من الجائز ان تكون قد اسهمت في التأثير على واقع اليقظة العربية الحديثة ولا يستوعب جميع دلالات،فهذه اليقظة تتجه –بالفعل- الى ان تصبح اساسا لتطوره فكري راديكالي يمكن العرب والمسلمين من ربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم ، والاسهام بذلك في اقامة قواعد مثالية جديدة وتكوين اسس سليمة للتعايش الانساني في اطار الحب والعقيدة والسلام، ولهذا فان الحركة العربية –بهذا الاعتبار- لم يكن لها ان تقتفي كل ينابيع التطور الفكري الاروبي بهذا الصد لانها ليست –كلها- نتاجا حقيقيا لمؤثراتها الفكر،وانما هي في شكل من الاشكال-وكما قدمنا من قبل – امتدادا لواقع فكري عاش قبل ذلك احقابا وقرونا –ولو انه مر بفترات جمود  وتعطل مد يده قبل ان يستعيد الآن قدرته وفاعليته وطاقته، وليس من شك في أن البت حول هذا الموضوع بصورة دقيقة وحاسمة –ليس امرا بسيطا في حد ذاته، ومن شأنه أن يستغرق مجالات واسعة لا تتوافر الآن بالنظر لمحدودية الموضوع الأساسي الذي نستهدفه من هذا الحديث –الا انه من الممكن -  مع كل ذلك ابداء بعض الملاحظات في هذا المقام، وذلك في نطاق التأكيد بان فترة الخمود التي عاشتها الشعوب العربية في مدى القرون الأخيرة كانت فقط مجرد حلقة سلبية من حلقات التطور الايجابي في حياة هذه الشعوب هذا التطور الذي ما فتى يمتد بمظاهره وآثاره عبر الأجيال والقرون، ومن بين هذه الملاحظات:
1) احتفاظ الثقافة العربية والفكر العربي –خلال هذه الفترة- وفي حدود معينة- بنفوذ واسع وجدير بالاعتبار.
2) احتفاظ الكيانات العربية –على الرغم من حركات الغزو الأوربي وغير ذلك- مقومات وجودها وأصالتها- بصورة أساسية.
3) بقاء الوجود العربي مستبقيا جميع عناصر فاعليته وحيويته وذلك في بعض المواطن العربية المعينة كالمغرب الأقصى –الى بداية العقد الثاني منن القرن الحاضر.
4) اطراد مراحل التطور في سير الحركة الثورية العربية، وتسجيلها بعض السوابق التاريخية النسبية في هذا المضمار، وان دراسة لتبلورات الوعي العربي المعاصر، ومظاهر ارتباطه الخلاق بأفكار الحياد الدولي الجديد، ودوره في نشوء الاستقلالية الثورية بافريقيا – إن دراسة من هذا النوع لا بد أن تفضي بالمرد إلى استنتاجات لها أهميتها في هذا المقام.
وهناك -إلى ما تقدم- جانب آخر من الجوانب التي تعكس عليها مميزات الثورية العربية الحالية، وهذا الجانب يتمثل في قيمة الملابسات الروحية التي ما فتئت تمتزج بها وتستمد منها على نحو يختلف في مدى عمقه وقوته، وقد كان للعامل الديني السليم، وبكل ما ينطوي عليه من مضامين تطورية خلاقة كان لهذا العامل قدر من التأثير له أهمية بالغة في هذا المجال، والأمر في ذلك لا يختص بالعرب وحدهم، بل انه يعم مختلف الجماعات الاسلامية التي استطاعت أن تستمد من رصيدها الروحي الديني قوة استنهاضية وتطورية سارت بها بعيدا في مضمار التحرر العام، وهناك سبيل لتكوين بعض الملاحظات في هذا الموضوع نعرض اليها كما يلي:
1)نشات كثير من الحركات الانبعاثية العربية في ظلال الدعوة الاصلاحية الاسلامية وعلى اساس الترويح لمبادئ النهوض الديني في اشكاله الأصلية المجردة.
2) كان لروح الحماس الاسلامي –باشكال مختلفة- تأثير مهم في اذكاء الروح التحررية الانبعاثية عند الكثير من الجماهير العربية، اذ أن هذه الجماهير لم تكن كلها في الواقع على استعداد لاستيعاب كل ما تحويه الايديولوجيات الوضعية من عناصر فكرية مختلفة، ولذا فقد كان من الجائز –في جميع الاحوال- اعتماد الجانب الروحي عند هذه الجماهير، والاستمداد منه استمدادا مستمرا ليس لمعينه من نضوب. ولا يختص هذا بالمراحل النضالية السلبية من حركات التحرر العربي الحديث، بل انه من المعقول دائما الاستناد اليه كثيرا في المراحل المستقبلية من تطورات النضال الايجابي البناء سواء عند الشعوب العربية أو عند غيرها من الأمم الاسلامية المختلفة، خاصة وان العقائدية الاسلامية ترتكز في اساسها على قواعد تطورية وتحريرية عمؤقة تتجاوز في عمقها كل مقاييس التقدير والتخمين.
3) وقد يكون هناك مجال للقول بأن هذه الظواهر التي عرضنا لها ليست كلها –في الواقع- الا ظواهر مرحلية عابرة، لأن بعضها لا يتصل الا بفترات معينة من مراحل النهوض العربي الحديث، كما أن بعضها الآخر قد لا يبدو ذا تأثير عام وثابت يصح الاستناد اليه في تركيزقاعدة حاسمة قوية المضمون والمدلول، انه ليس من الضروري مناقشة اعتراض من هذا النوع –وضمن المجال المتوافر الآن- الا أنه من الممكن- في أي حال – ملاحظة الواقع الثوري العربي في طوره الراهن، ومدى "الفارق الروحي" الموجود بينه وبين كثير من التطورات الثورية في نواح أخرى من العالم، فقد أفضت نتائج بعض الثورات في أقطار عديدة الى احداث انقلابات شاملة في افق التوازن الروحي عند شعوبها، وأولي الرأي فيها، وسجلت بعض الحالات –في هذا المضمار- مظاهر روح مناوئة لاي مفهوم يرتبط بما وراء المادة والمثاليات المنبثقة عن ذلك سواء في مناحيها  التصورية  أو العقائدية، ومن اليسير جدا ادراك مدى تطور حالات الانفصام –في هذا الصدد- بين الواقع الفكري والشعور الروحي عند كثير من المجتمعات الثورية على اختلاف أوضاعها واتجاهاتها العامة، أما الواقع متعدد الاشكال ذلك الذي افضت اليه  الثورية العربية الحالية- ولو أنه لا يزال في طريق التكامل والتبلور  فهذا الواقع لا يعكس  دائما حالات متشابهة تماما لما حدث عند الآخرين، بل إنه يمكن لنا أن نخلط بالفعل كثيرا من العناصر الدالة على مزيد الارتباط نوعا ما –بين المقومات الروحية والمادية عند هذا الشعب العربي الاسلامي أو ذاك، وذلك على شكل تختلف درجاته وأهميته اختلافا كبيرا، وقد يكون العامل الروحي عند كثير من هذه الشعوب عاملا سطحيا مهلهلا تلفه أحيانا أردية من الميثلوجية المغرقة في الغرابة  والشذوذ الا أن المهم في الأمر هو عدم وجود تفاعل جذري بين الثورية العربية  وردة الفعل المادية  العنيفة في العالم واستمرار هذه الثورية بذلك في حالة اتصال مع موارد روحية أساسية  كانت قوام انبعاثها ونموها فيما مضى وينتظر ان تصبح قاعدة ارتكاز لشخصيتها المفردة المتميزة في محيط المستقبل. اما  الجوانب الميثولوجية السلبية في اساس هذه الروحية العربية بشكلها الحاضر والتي يرفضها الاسلام نفسه فان  مصيرها مرتبط بمدى الاتجاه نحو سبيل الاصلاح الفكري والعقائدي العام الذي كان من أسس الانبعاث العربي الحديث، الذي لا بد أن يصل الى مداه النهائي على أي صورة من الصور.
وهناك –بعد كل ذلك- ملاحظة ثالثة لها أهميتها في الموضوع، ونستطيع أن نقدر مدلولها باعتباره ميزة أخرى من بين المميزات الأساسية التي تتوافر للظاهرة الثورية العربية الحديثة، والميزة هذه هي –في الواقع- نتيجة حتمية لتوافر الميزات الأساسية السابقة، ولا تبدو هذه الميزة جلية واضحة الا بالمقارنة بين معطيات ومصادر التطور العربي من جهة والسبل التي سلكها سير التطور عند بعض الشعوب الأخرى، في أوربا وآسيا بصورة أخص، ويتبين لنا ذلك اذا ما لا حظنا طبيعة الاتجاه الذي احتضنته الحركات الثورية الاجتماعية والسياسيةفي الشرق الأقصى أو في شرقي أوربا أوحتى في بعض الاقطار الأمريكية الصغيرة، وليس يعنينا بالذات استقصاء مظاهر السلبية والايجابية في واقع الثورات بهذه الاقطار، ومدى ما تعبر عنه في هذا المجال  من مبادئ وقيم، مما تنطوي عليه من نتائج وحقائق الا أن الذي يهم أساسا هو ملاحظة الظاهرة  المتواترة في هذه الحالات الثورية المختلفة، اذ أن الكثير منها لم يفتأ  يتطور في ظلال التهافت على كل ما تحويه الايديولوجيات الاجتماعية المعروضة، بما في ذلك التظاهر بمناوأة العقائديات الدينية وتنظيم التناحر الاجتماعي الطبقي على نطاق واسع جدا.
وفي اطار هذا الاعتبار يمكننا أن ندرك قيمة الايجابية المنهجية التي تتم بها حالات التطور الاجتماعي في ظلال الثورية العربية الراهنة، اذ أن المنهجية –وان كانت تتفق أحيانا مع بعض المبادئ والمعطيات المسلمة على نطاق عالمي واسع –الا أنها- -الى ذلك- قد استطاعت أن تتخلص من بعض المركبات التي سيطرت على حالات التطور عند آخرين، وتنأى بذلك عن كثير من المفاهيم غير الملائمة التي يحتضنها هؤلاء أو أولئك، ولهذا كله فقد استطاع العالم العربي أن يكون دائما مجالا  مستعصيا على بوادر التسلسل الدولي الواسع وأن يكون بمنجاة عن التعرض لآثار الحرب الباردة بشكلها (الساخن) المترائي في بعض الأقطار المعينةبجنوب شرقي آسيا، وكل ذلك على الرغم من وجوده في منطقة حساسة، ومجاورة لقطاعات الاحتكاك الدولي على نطاق شاسع جدا، وقد يكون هناك ما يدلي به لتعليل وضعية العالم العربي من هذه الناحية وتحديد طبيعة العوامل الكثيرة التي تساهم في اقرار احواله على هذا الأساس، غير انه من العسير –على كل حال- انكار قيمة العامل الفكري بهذا الصدد، والدور الذي يساهم به في ملء الفراغات الكثيرة التي يراد اصطناعها في بعض الأحيان، واتخاذها سندا للتسلل والتدخل، وقد استطاعت كثير من الأقطار الأخرى – الموجودة في نفس وضعية العالم العربي من الناحية الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والنفسانية – استطاعت هذه الأقطار ان تستبقي لنفسها قدرا من الحصانة النسبية أمام بوادر التسلل الخارجي في اشكاله المختلفة الا أن ذلك كان في بعض الحالات- على اساس انضمامها الى تكتل دولي معين مضاد للتكتل الآخر، واضطرارها بذلك الى الانحياز على نحو قد يكون هناك أحيانا ما يجوزه، وقد لا يوجد له أحيانا أخرى أي تسويغ أو تبرير.
ان سبيل الثورية العربية اذن هو سبيل تطوري ايجابي مستقل، وذلك هو مدلول هذه المميزات والخصائص التي لا تنفرد بها وحدها على شكل استثنائي خاص الا أنها –مع ذلك-ترتبط بهذه الميزات والخصائص التي لا تنفرد بها وحدها على شكل استثنائي خاص الا انها –مع ذلك- ترتبط بهذه الميزات ارتباطا عميقا يميزها  عن كثير من الحالات الثورية الأخرى في عالمنا الحاضر، ويتيح لها فرصة التبلور في اطار اكثر مناعة وايجابية واتساعا.

على اننا اذا ما خلصنا الى تكوين نظرة عامة حول الواقع الثوري العربي الراهن، والآفاق التي يعكسها في مختلف الاتجاهات فانه لا بد ان نلحظ في هذا الواقع ايضا بعض الجوانب السلبية التي لا يعسر استشفافها على وجه العموم، لأنها  من الوضوح والبروز بدرجة كبيرة جدا، ومن بين هذه الجوانب:
من الناحية العامة: عدم التناسق في الواقع التطوري العربي، واختلاف الاوضاع في الأقطار العربية اختلافا كبيرا وعميقا سواء من حيث الوسائل المستخدمة أو باعتبار الاتجاهات المسلوكة.
من الناحية الاستعدادية: محدودية الموارد المادية التي تتوافر لانجاز مقتضيات هذا التطور، وتحقيق أغراضه ومقاصده.
من الناحية المذهبية: قصور ملحوظ في القدرة على الملاءمة بين الأهداف العربية الخاصة من جهة وبين الأهداف العربية مندمجة في إطار العالم السلامي من جهة ثانية.
وهناك –بالطبع- كثير من الجوانب المماثلة الأخرى مما لا يتسع لتبسيطه المجال، والاتجاه الى معالجة هذه الجوانب هو من أبرز عوامل الحركية الدائبة في  واقع الثورية العربية كما تتراءى في الوقت الراهن، وليس من شك في أنه على أساس النجاح في معالجة مثل هذه المشاكل وغيرها تتوقف حظوظ هذ الثورية وامكانتها في تحقيق شروط تطور عربي اسلامي ذي أسس ايجابية واصيلة وشاملة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here