islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -21-

  دعوة الحق

العددان 50 و51

ان نظرة فيما تقدم مصحوبة بالإمعان توضح للقارئ وتؤكد له ملائمة الطبيعة للانسان، على أن انعدام تلك الملاءمة يجعل الحياة مستحيلة، وكذلك المسائل الأخرى التي انجز البحث اليها تؤكذ تلك الحقائق البارزة في الطبيعة وتدل على أن منهاجا محكما قد وضع لتقدم الإنسان، ويرى ادلة قوية تدل على هذا التدبير المقصود وراء كل شيء، أن الحقيقة المدهشة الماثلة للعيان، وهي أن الإنسان قد عاش على رغم التقلبات التي مر بها في ملايين سني  تطوره تتحدث عن نفسها، لقد علمنا يقينا أن العالم موضوع في مكانه المناسب له، وأن قشرة الأرض قد رتبت إلى غاية عشر أقدام، وأن المحيط  لو كان أعمق مما هو عليه  لما وجدنا أكسجينا ولا نباتا، ووجدنا أن الأرض تدور مرة في كل أربع وعشرين ساعة، وأن هذا الدوران لو تأخر لما أمكن وجود الحياة. ولو زادت سرعة دوران الأرض حول الشمس اونقصت لتغير تاريخ الحياة، هذا اذا وجدت حياة بالمرة، ووجدنا أن الشمس هي الوحيدة من بين آلاف الشموس، التي جعلت حياتنا على الأرض ممكنة، ووجدنا أن حجمها وكثافتها ودرجة حرارتها وطبيعة أشعتها يجب أن تكون كلها مناسبة، وقد كانت، ووجدنا أن الغازات التي في الهواء قد رتب بعضها على بعض، وان أي تغير في ترتيبها، ولو كان طفيفا، يكون فيه الهلاك المحتم، هذا قليل من كثير من العوامل الطبيعية قد نبهنا القارئ إليه.
وإذا نظرنا الى حجم الأرض، ومكانها في الفضاء وأحكام نظامها، يظهر لنا أن اعتبار ذلك النظام واقعا  على سبيل المصادفة يكون نصيبه من الامكان واحدا من مليون، ونصيب جميع الأنظمة العالمية في امكان الوقوع على سبيل المصادفة أفل من نسبة واحد إلى بلايين، فوجود هذه النتيجة الحتمية، وهي أن موافقة الطبيعة للانسان هي أعجب بكثير من موافقة الإنسان للطبيعة، أن نظرة دقيقة في عجائب الطبيعة تقيم البرهان على أن هذه العجائب وهذا النظام البديع، كل ذلك ناشئ عن قصد وتقدير حكيم وتدبير عظيم، وبذلك نعلم أن منهاجا دقيقا ينفذ بتفاصيله بأمر الخالق الأعلى، وقد يستطيع الإنسان أن يرى في هذا المنهاج سلسلة من الحوادث في تطور الكائنات الحية حتى انتهت في نتيجتها إلى منح الحياة للحيوان، وتطوره إلى الإنسان، ولم يزل الإنسان في جميع الأزمنة يسير وزمام سيره في يد العناية الربانية بارشادها وهدياتها  نحيط بالإنسان في جميع أطواره، وقد تطور المنهاج إلى مباءة قادرة أن تحافظ على مخلوق جسمي يشتمل على عقل واع.
ولما كانت عقولنا محدودة، لم يكن في امكاننا أن ندرك ما هوغير محدود، ولذلك لا نقدر الا أن نؤمن بوجود الخالق المحيط بكل شيء، الذي خلق كل شيء وشمل ابداعه الذرات والكواكب والشموس والسدم (جميع سديم) والزمان والمكان هما عنصران في هذا الادراك. أن محاولة إدراك حقيقة كنه الباري جل جلاله لتحير أذكى الأذكياء، وكذلك  لا يمكننا أن نعتقد أن الانسان هو الغرض الوحيد أو النهائي، ولكن يمكننا أن نرى أن الإنسان أعجب مظهر لهذا الغرض، على اننا لسنا مضطرين أن نفهم ذلك كله حتى نتقدم كثيرا، وزيادة المعرفة تشير إلى تلك النهاية، اننا  نقرب من إدراك عالم المجهول الشاسع، حين نتحقق ان المادة كلها صارت من الوجهة  العلمية مظهرا لوحدة عالمية، هي في حقيقتها كهربائية، لكننا نعلم يقينا أن المصادفة لا علاقة لها البتة بإيجاد العالم، لأن هذا العالم العظيم واقع تحت حكم قانون دقيق.

ان ارتقاء الانسان إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده، هو خطوة أجل من أن تتم عن طريق التطور المادي، من دون قصد انشائي وتدبير حكيم، وإذا قبل تحقيق القصد، فان الانسان قد يكون جهازا، ولكن من يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أن يدار لا فائدة فيه، والعلم لا يعلل من يتولى ادارته، كما أن العلم لا يقول انه مادي.
إننا قد بلغنا من التقدم إلى درجة تجعلنا نرى أن الله وهب الانسان قبسا من علمه، ومن ذلك القبس وفي معناه يمكننا أن نفهم أن الله خلق الانسان  على صورته، ولا يزال الانسان من الوجهة الخلقية في طفولته، وقد بدا يشعر بهذا الشيء الذي يسميه روحا، وهو يرقى في تدريج وبطء ليتحقق هذه الهبة، ويشعر بغريزته انها خالدة، واذا كان هذا الفهم صحيحا، ويظهر لنا أن البرهان المنطقي الذي يثبته لا يمكن دحضه، فان هذه الكرة الأرضية الصغيرة التي هي لنا، وربما كان لنا غيرها أيضا، تكتسب عظمة لم يحلم لها أحد من قبل. وعلى قدر ما نعلمه، نرى ان عالمنا الصغير قد تولد منه أول جهاز مادي إضيف إليه قبس من نور الله، وهذا يرفع الإنسان من دركة الغريزة الحيوانية إلى درجة القدرة على التفكير، الذي يمكنه من ادراك عظمة هذا الكون في اشتباكاته، ويشعر شعورا لا يخلوا  من غموض بعظمة الخالق الأعلى ظاهرة في أفعاله.

تعليقات وايضاح
1) قوله: وان المحيط لو كان اعمق.. الخ: هذا برهان من جنس ما تقدم، على أن هذا العالم صادر عن قصد ومنهاج وتدبير في غاية الدقة والأحكام، وهذا هو الذي عبر عنه الكتاب والسنة بكتابة الله تعالى للأشياء في الأزل واشير اليه بقول النبي (ص): جفت الأقلام وطويت الصحف، وبقوله تعالى: "ان كل شيء خلقناه بقدر" وبقوله تعالى: "وكان أمر الله قدرا مقدورا". والجاهلون يظنون أن العالم وجد بطريق المصادفة بلا علم  سابق ولا تدبير ولا منهاج،وهذه الحقائق تكذبهم وتبطل زعمهم،وهي مبنية على طرق حسابية دقيقة لا محل فيها للمصادفة، فمن يزعم أن هذه المخلوقات المحكمة الصنع من الشعري الى أدنى ذرة قد وجدت بالمصادفة يكون أجهل ممن يعتقد أن شخصا أعمى يقود طائرة فيها ركاب ويسير في الطريق المرسوم له ونزل في المطارات المعينة له ويودع ركابا ويستقبل آخرين ثم يستأنف سفره إلى أن يبلغ غايته، وقوله: لما وجدنا أوكسجينا ولا نباتا: يستلزم انعدام الحياة كلها،  ومثل هذا يقال فيما بعده من الحقائق، فهل يستطيع ذلك ابدا، فليرجعوا الى الإسلام فقد ظهرت معجزاته في الآفاق، وأشرقت أنواره ايما إشراق، فان لم يرجعوا فأبعدهم الله:

اذا ذهب الحمار بأم عمرو
فلا رجعت ولا رجع الحمار
2) قوله: يكون نصيبه من الامكان واحدا من مليون: يعني ان احتمال وقوعه يساوي واحدا من مليون، فتسعمائة ألف وتسعة وتسعون ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعون كلها في جانب عدم الإمكان، وواحد  فقط في جانب توهم الإمكان،ولا عاقل يرجح واحدا على ذلك  العدد العظيم،وقد تكرر هذا المعنى في هذه المقالات وضربت فيه الأمثال فاقرأها بإمعان وتفكير من أولها تجد   الثلج واليقين الذي لا يتطرق إليه الشك بان الله خالق كل شيء ومدبره.
3) قوله: حتى انتهت في نتيجتها الى منح الحياة للحيوان وتطوره الى إنسان: يشير بذلك الى مذهب النشوء والارتقاء، ونحن لا نقول به، وانما نقول بما جاء في كتاب الله، وهو أن الله خلق الانسان ابتداء في أحسن صورة وكرمه بالعقل الذي جعله سيدا حاكما مطاعا يتصرف في غيره من المخلوقات كالحيوان والنبات والمعادن وسائر المواد الكونية، ولم يتطور عن الحيوان الأعجم، فان الحيوان لا يصير إنسانا، ولكن الانسان قد يصير حيوانا عندما يتبع هواه ويترك عقله (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، لا  تزال غامضة من الوجهة العلمية ولا تتجاوز الفرض والحدس والتخمين.
4) قوله: ولما كانت عقولنا محدودة..الخ: هذا كلام في غاية الحكمة والتحقيق، تقدمت الإشارة إليه في المقالات السابقة ومما يوضحه أن الانسان مرتبط بالأرض وهي مكانه وامه، وبالشمس ومنها  بإذن الله حياته ومنها زمانه، فهو مقيد بالزمان والمكان، فكيف يستطيع أن يدرك ما لا يتقيد بزمن ولا مكان من المخلوقات، فضلا  عن إدراك حقيقة خالق الزمان والمكان. فالمحدود المقيد، معرفته محدودة مقيدة.
5) قوله: وكذلك لا يمكننا أن نعتقد أن الإنسان هو الغرض الوحيد أو النهائي..الخ: صدق. لقد صرح القرآن الكريم بما يدل على ذلك قال تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون) وقال تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)، وقال تعالى: (وما يعلم جنود ربك الا هو)، وقال تعالى: (وهوبكل خلق عليم).
6) قوله: ان الله خلق الانسان على صورته: جاء في الحديث الصحيح، ان الله خلق آدم على صورته، وأحسن ما قيل فيه ما أشار اليه المصنف وهو أن الله اهله لحمل الامانة بأن وهبه العقل والسمع والبصر واعطاه العلم الذي به فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، الا أن علم الله ليس له أول ولا آخر ولا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يعتريه النسيان، وهو كسائر  صفاته غير مخلوق وعلم الانسان مخلوق.
7) قوله: ولا يزال الانسان من الوجهة الخلقية في طفولته.. الخ: لا شك عند المسلمين ان الأنبياء والرسل هم أكمل البشر علما وعملا وأخلاقا، ولكنهم لا يحيطون بعلم الله، وانما يعلمون ما علمهم،  فينبغي أن يحمل كلام المصنف على المعلومات الكونية التي لا تتوقف عليها سعادة البشر، ولما ضعف ايمان الإنسان وطغت عليه المادة العمياء الصماء تفضل  الله عليه  بأن كشف له من السنن الكونية والآيات ما يهديه به إلى  توحيده وتسبيحه وتمجيده والتمسك    بدينه، كما قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) الآية.
8) قوله: (وربما  كان لها غيرها أيضا: يشير الى ما يطمع فيه علماء الكون في هذا الزمان من الوصول الى الكواكب والاستمتاع بها والله واسع عليم.
9) قوله: أول جهاز..الخ: يريد به الانسان لأنه مركب من جسد وروح.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here