islamaumaroc

رسالة الأديب

  عبد القادر الصحراوي

10 العدد

سبق لمجلة (دعوة الحق) أن حيت في حرارة، في بعض أعدادها السابقة، مولد رصيفتها الجديدة مجلة «رسالة الأديب».
وقالت (دعوة الحق) في حديثها عن (رسالة الأديب) أنها لا تريد أن تقول رأيها فيها، وإنما تريد فقط، أن تحييها، وان تهنئ القائمين عليها من رجال «جمعية الأديب» المراكشية.
والآن، وقد خطت «رسالة الأديب» خطوة أخرى، فأصدرت عددها الثاني، في حجم اكبر، وشكل أكثر أناقة، وفي موضوعات متعددة شيقة وطريفة وحافلة بالإنتاج الممتع والفكر الحر والوطنية الصادقة، فان «دعوة الحق» لن تتردد الان في إبداء الرأي الذي لأحجمت عن إبدائه عند صدور العدد الأول. و رأي   «دعوة الحق» في مجلة «رسالة الأديب» لن يكون عادلا بأي حال من الأحوال، ولن يكون مجردا ولا صادقا كل الصدق، ذلك لأنه رأي الأخ في أخيه، ومهما يكن من قدرة الإنسان على التجرد في الحكم، فانه لن يستطيع أن يحكم على أخيه حكما مجردا من كل اعتبار.
                                                               *
«رسالة الأديب» قبل كل شيء، عمل ايجابي سيكون له من غير شك، تأثير كبير على مستقبل الثقافة والفكر في المغرب، ويكفي من فضل هذا العمل، المسؤولية الملقاة على كاهل المثقفين من أبناء هذا الوطن، قرروا أن يتحدوا كل شيء، أن يتحدوا الركود والسلبية والكسل الفكري، وما غلي ذلك من هذه الصفات التي تكررت شكوانا منها دون أن نحاول عمل أي شيء للقضاء على أسباب هذه الشكوى.
قررت «جمعية الأديب» أن تتحدى كل شيء، وقد تحدته وانتصرت عليه بالفعل، فبرهنت بذلك مرة أخرى، على أن الداء ليس مستفحلا إلى الحد الذي نتوهمه، وان ما علينا إلا أن نعمل بدل أن نشكو، وان العمل الايجابي لابد أن يجد صداه أو يخلقه خلقا، ولابد أن يفرض الإيمان به على الناس مهما يكن من إعراضهم وعنادهم وسلبيتهم وعدم شعورهم بالحاجة إلى الحركة، أو الغذاء الفكري، ومهما يكن من إيمانهم بقيمة الراحة التي ينعمون بها في ظل الكسل والصمت والفرار من إبداء الرأي أو مناقشته في وضح النهار، وعلى صفحات الجرائد والمجلات، وعلى ملا من جمهور القارئين والكاتبين.
و«رسالة الأديب» بعد ذلك وهي لا تزال في خطواتها الأولى، مجلة مشرفة في شكلها ومحتوياتها، وأنت إذ تتصفح العدد الثاني، تجد نفسك بين الحديث عن مشاريع واقتراحات عملية، لتكتيل طائفة رجال الفكر، وخلق جو صالح للتعاون بينهم، وبين أحاديث مع رجال الوفود التي اشتركت في مؤتمر اللجان الوطنية العربية التابعة لليونسكو، الذي انعقد بفاس في أواخر شهر يناير الماضي، عن الحركة الأدبية بالمغرب، وعن الموسيقى الأندلسية أو المغربية، وعن حضارة المغرب، وكفاحه والآمال المعقودة على مستقبله وبين مقالات ودراسات في التاريخ والدين والفن والفلسفة والمشاكل الاجتماعية، وبين قصائد شعرية في التغني بالحرية والكفاح والحب وأسرار الحياة، وبين أبواب أخرى للأخبار الأدبية والسياسية والأصداء الشعبية، وغير ذلك من كل طريف مشوق ممتع.
                                                               *
أما القيمة الذاتية للموضوعات، فهي ككل ما يمكن لأية مجلة ناشئة بالمغرب أن تحصل عليه من المقالات، قليل من الدراسات والأفكار الناضجة، وكثير من المحاولات.
ونحن ممن يؤمن بدور المجلة الممتازة عن دور الصحيفة اليومية، وعن دور الكتاب أيضا، في نشر الوعي الثقافي وتعميمه، وخلق الجو الصالح للاهتمام به والحديث عنه والمناقشة حوله؛ ذلك أن الصحيفة اليومية لا تستطيع، وليس من همها أيضا، أن تعنى بالثقافة، لان مهمتها الأولى الإخبار، وان كانت لا تغفل أن تحاول إفادة قرائها من غير أن تشق عليهم أو ترهقهم عسرا من أمرهم؛ ومهمة الكتاب أن يتحدث إلى طائفة مخصوصة من الناس، تجد من الوقت ومن الطاقة الفكرية ومن الرغبة والالتذاذ بالمعرفة ما ينسيها نفسها ويساعدها على الخلو إلى الكتاب تتصفح أوراقه الكثيرة، وتتبع من غير ملل أطراف الموضوع أو العلم الذي يعني الكتاب بدراسته.
أما المجلة فهي بين وسط ذلك، مهمتها أن تنشر الثقافة والعلم والأدب والمعرفة بين لكبر عدد ممكن من يساعدها على أداء هذه المهمة، فلا تبعد كل البعد من المستوى العام للمعرفة في البيئة التي تصدر فيها، ولا تنزل بالمرة إلى هذا المستوى العام، بحيث تتركه بجذبها إليه عوض أن تجذبه، يتحكم فيها بدل أن تتحكم هي فيه.
ونحن، تبعا لذلك، ممن يؤمن أيضا بان المقال الصحافي غير المقال الذي يكتب للمجلة.
فالصحيفة تعيش يوما واحدا لتزود الناس بالأخبار، ولتطرفهم وتسليهم وتذكي حماسهم، وتربي فيهم الوعي الوطني، كل ذلك في أسلوب خفيف، وفي غير عمق قد يثقل على عامة القارئين.
أما المجلة، خصوصا إذا كانت شهرية، فإنها تحي شهرا كاملا بكل معاني الحياة، ثم تعيش بعد ذلك دائما، حياة أخرى، ليست في عنف حياتها الأولى وإشراقها، ولكنها حياة على كل حال.
ومن ثم كان للمقالات التي تكتب للمجلة اعتبار خاص، وكانت تستلزم من العناية والتفكير وإجالة الرأي وجودة التعبير، ما لا يستلزمه المقال الصحافي العابر.
وسنكون مغالين مثبطين إذا اشترطنا في كل مقال ينشر في مجلة، في مثل الظروف التي نجتازها نحن الآن، أن يكون من هذا القبيل، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله جملة واحدة، فنحن نشجع المحاولات ونرحب بها، ولكننا نشترط أن تكون محاولات جدية، وان تدل على أن أصحابها كانوا مخلصين فيها، وان يكون في كلامهم فكرة، إن لم تكن ناضجة كل النضج، ومعبرا عنها أحسن تعبير، فلا اقل من أن تكون فكرة على كل حال.
ليس هذا الكلام، فقط، من وحي بعض الموضوعات التي قراناها في مجلة «رسالة الأديب»، ولكنه كلام عام، يمكن أن يساق بهذه المناسبة، كما يمكن أن يساق لغيرها، ومهما يكن، فنحن لا نطلب إلى «رسالة الأديب» أن تشتد في اختيار ما تنشره، ولكننا نرجو لها ألا تتساهل فيه كل التساهل، وإلا نجعل المسالة مسالة فراغ ينبغي أن يسد بأي وجه من الوجوه، وإنما مسالة محاولة جدية لخلق وعي ثقافي صحيح وناضج ومفيد، وذلك لأننا نحب «رسالة الأديب» ونحرص عليها، ونريد لها أن تكون بحق «رسالة الأديب» الأديب المغربي الواعي الشاعر بمسؤوليته المستعد ليجهد فكره، ويبذل وقته عن سخاء، ويتحمل السهر والصبر، ومناقشة الرأي والإيمان به، قبل أن يتقدم به إلى الناس.
وكلمة أخرى نريد أن نهمس في آذن القائمين على المجلة «رسالة الأديب» ونرجو أن تتسع لها صدورهم، وان يرفضوها إذا لم يجدوها صحيحة صادقة، على أن يعتبرها دائما من وحي الإخلاص والصراحة والغيرة على صرح هذا الوعي الثقافي الذي نجتهد جميعا في بنائه متعاونين متكافئين.
هذه الكلمة هي أننا نحب لهم أن يتدرعوا بشيء من التواضع، وان يتواروا قليلا ليفسحوا المجال للعمل البنائي الجاد الذي ندبوا أنفسهم للقيام به، اعني ألا يلحوا على القارئين بصورهم كثيرا، وألا يحرصوا على اغتنام كل فرصة، لأخذ صورة أهم مع هذا الشخص أو ذاك، وفي هذا الوضع وضع آخر، ذلك لان الدعاية للأشخاص تقلل من الثقة بهم أكثر مما تدعو إلى هذه الثقة، وليس من باس مطلقا على المجلة، إذا لم تنشر صور محرريها وهم يتحدثون باسمها إلى شخصية من شخصيات، فان ذلك من تقاليد الصحف اليومية، وليس من تقاليد المجلات الأدبية والعلمية، وليس كل ما يقبل في صحيفة يومية، يقبل في مجلة، خصوصا إذا كانت تحترم نفسها، وتريد أن تحمل الناس على احترامها.
                                                        *
وإذا كنا ننظر إلى هذا النوع من التواضع الذي ذكرناه على انه فضيلة، فإننا لا نتردد في أن نستنكر نوعا آخر من التواضع، نلاحظه في مجلة «رسالة الأديب» نفسها، ذلك تستر بعض كتابها تحت إمضاءات من نوع (ابن الشعب)، و (مرب)، و(مؤمن)، و (وأبي منظور)، و (فكه)، و (أديب)، (رقيب).
ذلك لأنه لا موجب مطلقا لهذا التشدد في «الحجاب»، لا موجب لهذا التستر والتكتم والتواضع المصنوع، بل انه ليحي بعقلية من نوع خاص لا ادري بالضبط كيف اسميها. أن فيها شيئا من العقلية التي يكونها عند بعض الناس لأنهم ولدوا وتربوا في بيئة (متحجبة)، تؤثر (الستر) دائما والإخفاء وراء شيء.
إن من حق كل واحد أن يعلن عن رأيه، ومن واجبه ألا يخجل وهو يفعل ذلك، وألا يقف وراء الباب ويحكم إغلاق النوافذ قبل أن يقول هذا الرأي.
وأن من حق القارئ أيضا، أن يعرف من الذي يكلمه ويكتب له ويحاول أن يقنعه، ومن الظلم للقارئ والتجني عليه أن تتمكن بما تنشره لك المجلة من محاولة التأثير في عقله، وان تتركه هو، وهو يقرا لك، يتخبط ويناقش شخصا مجهولا لديه كل الجهل لا يعرف من أمره شيئا.
إن الأفكار مهما تجردت، فإنها لا تستطيع أن تنفصل عن أصحابها، ثم إن هذه الإمضاءات المزورة توحي بعدم الثقة، وإلا فما يمنعك ككاتب مؤمن بما تقول، وواثق من صدق الفكرة التي تدافع عنها، من أن تسفر عن وجهك، وترفعه من صوتك، وتترك للقارئ بعد ذلك حق مناقشتك إذا لم يجد من نفسه الاستعداد الكافي للتسليم بما تلقي إليه.
تلك بعض الملاحظات العابرة التي اوحت إلينا بها قراءة العددين الأول والثاني من مجلة «رسالة الأديب» وهي مهما يكن من شأنها فإنها لا تستطيع أن تنال من قيمة العمل الايجابي الجدي الذي تضطلع به جمعية الأديب المراكشية في مجلتها المحبوبة الرائعة «رسالة الأديب».
ولعلنا قد كنا مضطرين إلى تصيد هذه الملاحظات حتى لا نتهم عند القارئ في حديثنا عن مجلة «رسالة الأديب». فقد أسلفنا أننا لن نستطيع أن نتحدث عنها إلا حديث الأخ عن أخيه، وكم يضطر الأخ أحيانا أن يتحامل على أخيه، وان يتصيد له الملاحظات حتى لا يتهم في حكمه عليه.
مرة أخرى، تهانينا الحارة لجمعية الأديب المراكشية، ومتمنياتنا الطيبة لمجلة «رسالة الأديب» بالتوفيق والنجاح وطول العمر حتى تؤدي رسالتها كاملة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here