islamaumaroc

حديث في القطار

  محمد كاظم سباق

10 العدد

مذ غلبت النزعة العقلية على الذهن الإنساني، وأضعفت استعداده للإيمان بالغيب، أصبح كثير مما يعتقده أصحاب الأديان من الأمور غير المشاهدة موضع السخرية والطعن، ولما كان المسلمون يعتقدون أن الإسلام هو الدين الكامل الحق الذي يضمن فلاح الإنسانية في فلسفته ونظامه للحياة، فقد استهدف لذلك الطعن والغمز أكثر من غيره في هذا العصر.
ومما لفت أنظار أهل الدنيا أخيرا إلى الإسلام وزادهم إقبالا على درسه، شدة دوي صوته في بلاد الشرق منذ الربع الماضي من هذا القرن، وقيام الحركات المتعددة فيها لإحيائه والدعوة إليه، فصرنا نرى الذين قضوا زهرة عمرهم أجانب عن الدين بعداء عن بيئته الفكرية والعلمية -مسلمين كانوا أو من غير المسلمين- يتكلفون القول في الإسلام من هذه الناحية أو تلك، إما بحثا فيه وإما اعتراضا عليه أو تعييرا له، فيأتون في أقوالهم وآرائهم بالمستطرفات.
أذكر من تلك العجائب والطرف حديثا وقع بيني وبين واحد من زملائي المهندسين، رافقني في القطار في سفر قصير، وهو الأستاذ «خ» الأديب القصصي النابه، من طبقة الأدباء التقدميين في هذا القطر، فما أخذ القطار يجري بين كثبان من الرمل حتى أخذنا في الحديث حول صنوف المواضيع، ولم يلبث أن مال بنا الكلام إلى الإسلام وما جاء به عقيدة وفلسفة وتصور لهذه الحياة وما بعدها.
وهنا استوى الأستاذ «خ» قاعدا والتفت إلي يسألني بجد: هل فكرت يا أخي في تصور الجنة الذي عرضه علينا الإسلام ووضعه أمام أعيننا مطمحا نسعى إليه بالعمل الصالح في الحياة الدنيا هل فيه إلا ما يعجب ذهنية الإنسان القديم Primitive mind أو العقل البدوي الساذج؟ حور وغلمان وجنات وفواكه وغرف وظلال وسرر مرفوعة وأرائك مصفوفة وأكواب موضوعة تجري من تحتها أنهار من اللبن ومن العسل -ماذا في كل ذلك مما عسى أن يستهوي قلب أديب مثقف أو فنان لطيف الروح، في هذا العصر الراقي؟.
قال: وها مثالي أنا بين يديك، فإني أصدقك أن نفسي لا تطمح إلى شيء واحد من هذه الأشياء التي يعدونها من نعم الجنة، فليس أكبر رغبتي في الأشجار أو الأنهار، ولا أكثر شهوتي للبن أو للعسل ولا أقصى أمنيتي حوراء أزوجها، أو غرفة وسط الرياض أسكنها، وإنما أحب شيء على نفسي في الحياة شيء غير هذا كله، وعسى أن تعجب منه، هو أن أكون مع عبقري من عباقرة الأدب العالميين كشكسبير وجوته وكيتس وشاتوبريان، في واد من وديان قصته الرائعة أو في أفق من آفاق شعره الغرامي الفاتن، وبين يدي كوب من الشاي احتسيه كلما غلبني نعاس أو مسني لغوب، فانظر أين هذا كله في نعم الجنة التي ذكر في القرآن، وأي شيء منها عسى أن يشوقني إلى جنة المؤمنين، ولماذا أقيد حياتي بقيود الأخلاق والواجبات سعيا في طلبها. قلت له: أأنت تؤمن بالله وبأنه هو الذي خلق من في الأرض جميعا وما فيها من لذات ومتع؟ قال: نعم ولاشك. فقلت: الذي خلق في هذه الدنيا تلك القرائح والعقول العبقرية وجعل في نتائجها الأدبي ما يفتن نفسا مثقفة مثل نفسك، ألا يقدر أن يهيئ لك ولأمثالك في الجنة كلاما أعلى من كلام شكسبير، وفكرا أسمى من فكر جوته، وشعرا أبلغ من شعر كيتس، وبيانا أسحر للب من بيان شاتوبريان؟.
قال: بلى، ولكن أني يكون ذلك في دار الخلد التي لا ألم فيها ولا شقاء ولا اضطراب ولا إثم ولا مجون، وكل هذا الأدب الذي أنتجته القرائح الإنسانية في هذه الحياة الدنيا إنما منبعه القلب المضطرب، والنفس الشقية، والفكر الحائر والحب الخائب؛ ألا ترى أنه لولا خيبة جوته في حبه لعشيقته «شرلوت» لما فاضت قريحته بقصة (آلام فرتر)، ولولا شقاء الشعب الفرنسي بعدوان طبقة الحكام والنبلاء لما جاء (فيكتور هوجو) بروايته الخالدة (البؤساء)، ولولا حيرة الفلاسفة في ماهية هذا الوجود وفي مبدئه ومنتهاه لما جاؤوا بهذا الأدب الفلسفي الممتع.
قلت: إذًا كل هذا الأدب الذي نلتذ به في هذه الدنيا هو أدب الألم والخيبة والمجون، فستعرف في الجنة نوعا آخر من الأدب، هو أدب البهجة والسعادة والإصلاح، يقدر على إنشائه خالق الأدب والأدباء، ولا يستطيع أن يتصوره العقل الإنساني المحدود بحدود هذا العالم.
فقهقه ضاحكا وقال: وأين ذكره في الكتاب أو في الآثار؟.
قلت: أصلحك الله، أما بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرأوا إن شئتم: ((فلا تَعلمُ نفْسٌ ما أُخفِيَ لهم من قُرّةِ أَعْيُنٍ))». فالذي لم يخطر ولن يخطر على قلبك منه هو ذلك الأدب الإلهي السامي الذي ستراه هناك وتفهمه وتجد فيه من المتعة الروحية ما يفوق متعتك في هذا الأدب الإنساني.
قلت: هذا إذا فرض أن نشأتك الفكرية وحالتك العقلية هذه، ستدوم أبدا ولا تتبدل في اجتيازك هذه الدنيا إلى الآخرة، ولكن من يدري عل الله بقدرته التامة يبدلك بحالتك العقلية هذه حالة أخرى تعود معها تلتذ باجتلاء مناظر الجنة وأكل أثمارها والعيش في غرفها أكثر بكثير مما تلتذ بقطعة أدبية رائعة في هذه الدنيا.
ثم قلت له: يا ليتك عرفت اللغة العربية يا أخي، وتذوقت الأدب الإلهي السامي في القرآن، فرأيت كيف يسبي القلوب ويسحر العقول...
وما استكملت جملتي هذه حتى وقف القطار على محطة، واقتحم علينا العربة عدد من المسافرين، فاضطرب المجلس وتبدل الجو، ولم نستطع أن نوالى الحديث فأجلناه إلى مناسبة أخرى وسكتنا.
                                                      ***
قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصف لأصحابه الجنة وما فيها من لذة ونعيم، فيقوم واحد من الأعراب فيسأله: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ ويقوم آخر ويقول: إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فيهدئ من بالهم النبي ويقول: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى ولكني أحب الزرع.
وجاء طبقات النحاة للسيوطي، أن كان أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي الأندلسي مغرى بكلام الجاحظ وكان يقول: رضيت في الجنة بكتب الجاحظ عوضا عن نعيمها.
                                                   ***
هذه أمثلة من الطبع الحريص المضطرب المسؤول، من تاريخنا الماضي، يقابلها مثال صاحبنا في هذا الزمان، فالطبع هو الطبع في حرصه على استدامة ما يحبه ويألفه من الأشياء في الحياة الدنيا، وذلك دليل على أن الفطرة الإنسانية -في عاطفتها وشعورها- لم تتغير بمرور الزمان، وإنما الذي تغير في الإنسان أو تطور هو درجته العقلية وأسلوبه الفكري، فبينما حمل أولئك المؤمنين السذج هواهم لشيء من متاع هذه الدنيا على أن يتمنوا وجوده في الحياة الأخرى، ويسألوا عن أمره النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجوا أن يثابوا به جنة الله، إذ حمل هذا المسلم العقلي المتفلسف هواه لمتعة من متع هذه الحياة على أن يعيب تصور الجنة في الإسلام وييأس منه، حين لم يجد فيه التصريح بذكر تلك المتعة.
وفي ذلك زل بصاحبنا عقله مرتين، ولم يكن من وراء هذا العقل قلب عامر بالإيمان حتى يقيله  عثرته ويعيده إلى سواء الطريق، فضل صاحبنا وغوى وجعل يلغو هذا اللغو ويهذي.
الأولى أنه حمل الكلمات الواردة في القرآن أو في الحديث، في صفة الجنة والنار، على مدلولاتها المفهومية في هذه الدنيا بعينها، فالعنب والنخل والرمان وسائر الفواكه المذكورة في بيان الجنة، تصور منها هذه الأصناف التي نجتنيها في هذه الحياة، وأن منها ما يلذ امرءا ولا يلذ آخر، وكذلك فهم من ذكر وارف الظلال وجاري الأنهار وعالي الغرف في القرآن موصوفاتها التي نعهدها في هذه الدنيا، فمنا من يتشوق إليها ويبتهج بها، ومنا من لا يرغب في التنزه فيها أو العيش بين أجوائها كثيرا، ثم توهم الحور العين أن يكن نساء كنساء هذا العالم، فيهن الظريفة اللبقة وفيهن الغثة الباردة، وفيهن اللطيفة الروح، وفيهن المستثقلة الظل، وهكذا لما تصور كل نعمة من نعم الجنة هذا التصور الخاطئ، لم تعد الجنة في عينه بأحسن من قصر من قصور ملوك الأزمنة الوسطى في التاريخ، يوجد فيه كل ما يلذ حواسك السافلة البسيطة كالجواري والقيان، واللؤلؤ، والطنافيس والبسط، والأرائك والسرر، والأشجار والأنهار، والفواكه والشراب، ولا يوجد فيه ما يهز فيك الحس اللطيف أو الشعور الأدبي الدفيق.
والحق أن الله تعالى حين أراد أن يصف الجنة التي قد أعدها للصالحين من عباده والتي جعل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، رأى أن يصفها بلغة أهل هذه الدنيا وبكلماتهم وأساليب أدائهم، فعبر عن نزلها بالنخل والرمان، وعن مناظرها بالجنات والأنهار والغرف والظلال، وعن نفائسها بالزبرجد واللؤلؤ والمرجان، وهلم جرا، حتى يدرك الخيال الإنساني من تصور الجنة بعض الشيء، إن لم يستطيع أن يدركه كله، وكذلك حال جهنم فيما وصفت به من الهول الشديد والقعر البعيد، فكل صورة من صور عذابها المختلفة ذكرت للإنسان بهذه اللغة الدنيوية التي يفهمها، حتى يتحقق المراد بذكرها، ويرسخ خوفها في قلبه، وما اهتدى ولا شك من حصر الكلمات الإلهية في صفة هذين المثويين الأبديين في مفاهيمها الدنيوية.
والأخرى: أن صاحبنا نسى أن السواد الأعظم من الذين نزل فيهم القرآن وخاطبهم قبل غيرهم، لا بل من الذين ما زال يخاطبهم في كل زمان ومكان، هم عامة الناس وأوساطهم الذين لا يعرفون المتعة العقلية والذهنية ولا يهتزون لها مثل اهتزازهم للمتعة الجسدية والروحية، وإن كلاما إذا خوطب به خلق من الناس على طبقات عقلية متفاوتة، فإنه تراعى فيه عقلية السواد الأعظم من العوام لا عقلية الشرذمة القليلة من الخواص، لذلك أعاد الله تعالى وأبدأ في وصف النعيم والملاذ التي تعجب جميع الناس على اختلاف طبقاتهم في كل حين، وأعرض عن ذكر ما تختص به طبقة قليلة دون سائرها، بل ضمن ذلك قوله العام الشامل: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
                                                      ***

بقي أن نذكر في الختام أنه وإن كان الطمع في دخول الجنة والخوف من عذاب جهنم، من أكبر الحوافز الإنسانية للمرء على عمل الصالحات واجتناب السيئات، إلا أن هناك درجة عليا للإيمان، ينبغي أن يسعى لبلوغها المرء، وهي أن يطمح الإنسان أبدا إلى رضا خالقه وربه، ولا يشغل باله كثيرا بتصور جنته أو ناره، ويجتهد أن يكون ما بينه وبين ربه صافيا كالمرآة في كل حين، حتى يموت في الدنيا هادئ  البال، ويلقى ربه يوم القيامة بنفس راضية مطمئنة.


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here