islamaumaroc

الوضعية الثقافية في الجزائر

  دعوة الحق

9 العدد

من لأهداف الرئيسية لهذا المؤتمر كما هو معلوم، دراسة مشروع يرمي إلى تيسير التقدير المتبادل للقيم الثقافية بين الشرق ولغبر. وأن تحقيق هذا المشروع البالغ الأهمية سيخطو بالإنسانية خطوة حاسمة في سبيل التفاهم والتعاطف ومحو الإضغان ولتنافس العقيم وأسباب النزاع، وسيكون من أقوى دعائم السلام الدائم المنشود، وسيقرب البشرية من اعز أهدافها، وهو إقامة حضارة إنسانية عالمية تلتقي فيها – متآلفة متكاملة – مختلف الحضارات القومية والمالية.
غير أن الدارس النزيه لهذا المشروع الهام يلاحظ – ولا مناص من ذلك – أنه لا تزال هناك مشاكل قائمة تحولا دون تحقيق هذا المشروع على وجه مرض وفي آجال معقولة. وأن انعقد هذا المؤتمر بالمغرب، ومكانة المغرب العربي الكبير في ملتقى الطرق والمجاري الفكرية الواصلة بين الشرق والغرب، يحتمان علينا أن نضع في طليعة هذه المشاكل، مشكلة تدهور القيم الثقافية القومية الأصلية في جزء من المغرب العربي، ومن العالم العربي، أعني الجزائر.
فقد اتفقت النتائج التي توصل إليها الباحثون الذين درسوا عن كثب الحالة الراهنة في الجزائر، على أن الثقافة القومية الجزائرية قد بلغت دركة من الانحطاط والمسخ، عديمة النظير في تاريخ الجزائر العربية، وفي سائر البلاد العربية الشقيقة. وهذا الدرك المفرغ الذي تردت فيه الثقافة القومية الجزائرية، هو نتيجة حتمية لخطة مدبرة محكمة، كانت ولا تزال تستهدف – باعتراف واضعيها أنفسهم – محو الثقافة القومية في الجزائر، في شتى مظاهرها اللغوي والأدبي والكري والديني وحتى الفني.
ولسنا مذيعين سرا إن قلنا أن هذه الخطة اللاثقافية قد فرضت على الجزائر فرضا، ابتداء من سنة 1830 ويكفي أن نقارن بين حالة الثقافة القومية في الجزائر قبل هذا التاريخ وبعده ببضع عقود، لندرك مدى صحة هذا القول.
فقد جاء في مادة الجزائر في دائرة المعارف الإسلامية(الطبعة الفرنسية) أنه في سنة 1862، لم يبق من 179 مسجدا ومدرسة التي كانت قائمة مزدهرة في عاصمة الجزائر قبل 1830 – لم يبق منها – إلا 48 فقط. أما بقية تلك الآثار الفنية والمراكز الثقافية فقد هدمت عمدا، أو نالها الخراب، أو حلوت عن أهدافها الثقافية إلى أغراض إدارية في غير صالح الأمة.
كما جاء في تصريح المسيو كومب سنة 1902 أمام مجلس الشيوخ الفرنسي قوله: «كانت الثقافة الإسلامية في الجزائر، قبل سنة 1930 اقل تأخرا مما تعتقده السلط الفرنسية، فغن عدد الدارس والمعاهد الثانوية والعليا كان يفوق الألفين، وكان مدرسون أكفاء غاية الكفاءة يثقفون شبيبة مجتهدة جادة في التحصيل».
وأضاف المسيو(كومب) قائلا في حديثه عن المعاهد العلمية في تلمسان« كان جمهور كبير من الطلبة»
 يزدحم حول أعظم المدرسين شهرة. وكان لكثير من المدن لجزائرية الأخرى مدرسون يضاهون هؤلاء في الكفاءة . وكان معهد سيدي أبي مدين المؤسس سنة 1346 بتلمسان أشهر المعاهد العلمية في لمغرب العربي».
وفي هذا القطر المتمتع بثقافة عربية مزدهرة، في هذا القطر الذي تعددت فيه المراكز الثقافية الشهيرة بتلمسان ومزونة والجزائر وقسنطينة ووهران وبجاية وميزاب، جاء التدخل الأجنبي – كما يقول المؤلف الفرنسي بولار في كتابه عن التعليم القومي الجزائري - « محدثا اضطرابا عميقا في عالم المفكرين والمثقفين الجزائريين، فاضطر الكثير من العلماء أن يتخلوا عن مناصب التدريس التي كانوا يحتلونها، فلم يبق من المعاهد العلمية التي كانت تفوق الألفين قبل الاحتلال، غلا بضعة مدارس ابتدائية يتعلم فيها ما لا يزيد عن 30.000 طفل أي أقل من خمس عدد الطلبة قبل 1830.
ولكي تضمن الغدارة الأجنبية بالجزائر نتائج هذه الحملة التجهيلية في مدة وجيزة، عمدت على الاستيلاء على الأوقاف التي كان يصرف جانب عظيم من دخلها في نشر التعليم، غير مكترثة في عملها هذا بالصبغة الدينية التي تكتسيها هذه الأوقاف، وقاضية بذلك في آن واحد على اللغة العربية – الأداة الضرورية للثقافة القومية – وعلى الاستقلال الديني الإسلامي ورجاله الذين أصبحوا أعوانا لها تعينهم طبقا لمعايير خاصة بها، لا علاقة لها بالتقوى والمعرفة، بل بالصفات الخنوعية التزلفية، أو بكفاءات الوشاية البوليسية التي تلمحها فيهم.
ويحسن بنا هنا أن نستشهد بأقوال المؤلفين الفرنسيين في هذا الصدد، فالمسيو(بيرك) مثلا يحدثنا في عدد 44 من مجلة البحر المتوسط عن (المفاتي) الذين عينتهم السلطة الأجنبية في الجزائر، والذين كانوا – حسب قوله – يقومون في آن واحد بمهمة وشاة بوليسيين، وهم فوق كل ذلك جهال طماعون لا ثقافة لهم بالمرة ولا يشبعون أبدا من الرشوات.
وفي هذا الظلام اللاثقافي المرعب، الذي أسدله النظام الاستعماري على الجزائر، أخذت سائر المظهر الثقافية تذوى الواحدة تلو الأخرى، فالدراسات العربية منعت وأصبحت لغة الضاد غريبة في موطنها ضائعة بين أبنائها، والبحوث الإسلامية حرمت واضطهد من يجرؤ على العناية بها، وقلبت القيم الخلقية والفلسفية والاجتماعية الإسلامية، فأصبح الخضوع للسلطة الأجنبية، والصبر على البؤس والشقاء توكلا على الله ورضى بقضائه يثاب عليه في الدنيا قبل الآخرة، وانقلبت أدنى الوشايات وأقذرها فضيلة وطنية دينية، وانحطت القيم الدينية، وانحصرت في حركات تعبدية شكلية وصوفية مظهرية سخيفة، هي اقرب على الوثنية البدائية منها إلى روح الأديان السماوية، وظهرت طبقة من الكهنوت الانتهازي الجشع المتزلف، يستغل الأمة ويغلها ويخدرها، ويخلص علمه للطغاة الأجانب دون الله.
أما الفن المعماري والنحت على الخشب ونقش الحجارة والموسيقى وغيرها من الفنون، فقد نالها هي الأخرى نصيبها من المضايقات والاضطهاد، على أن سياسة التفقير المدبر المطرد التي سنتها السلط الأجنبية، جعلت من المستحيل على المواطنين أن يواصلوا نشاطهم المبدع في هذا الميدان، غذ اضطروا إلى تركيز اهتمامهم وجودهم في طلب قوتهم اليومي الذي أصبح مهددا غير مضمون.
وهكذا سجنت العقلية الجزائرية في سجن مظلم محكم من الجهل والبؤس واللاثقافة خانق مميت.
إلا أن لظلم الفكري وإن كان مدبرا لا يدوم طويلا، خاصة عند شعب ذي ماض مشرف في ميدان الثقافة مثل الشعب الجزائري، فبالرغم من الستار الحديد المضروب حول الجزائر لعزلها عن شقيقتها الناهضة، وعن العالم المتمدن، دوي صوت المصلح محمد عبده في أعماق الجزائر، وحركت أقلام النهضة الفكرية في الشرق العربي أوتار قلب الأمة العربية في الجزائر وأنارت فكرهان فظهرت حركة هجرة واسعة النطاق، هجرة متعلمين متعطشين لها حرموا من الثقافة نحو مختلف البلاد العربية، وخاصة مصر وتونس والمغرب، وكانت نتيجة هذه الهجرة ظهور نهضة ثقافية قومية منذ بعيد الحرب العالمية الأولى، اهتمت بإنشاء مدارس حرة من أموال المتبرعين من الأمة، مدارس كانت في حرب مستمرة مع السلط الأجنبية، التي كانت كثيرا ما تعتمد إلى إغلاقها، وهكذا بلغ عدد المدارس الحرة إلى ما قبل الثورة 50.000 تلميذ، إلا أن جل هذه المدارس قد أغلق اليوم واضطهد مدرسوها، وحتى طلبتها، واغتيل الكثير منهم، كالشيخ العربي التبسين واحمد رضى حوحو، وغيرهم.
تلكم كانت النتيجة المؤلمة التي وصلت إليها الثقافة القومية في الجزائر في عهد الاحتلال الأجنبي.
وإزاء هذا القتل المدبر للثقافة القومية، نجد تقتيرا مدبرا للثقافة الدخيلة بين التلاميذ الجزائريين.
فبينما يدخل كل الأطفال الأوربيين الذين بلغوا سن الدراسة في المدارس الابتدائية الفرنسية، لا يتمكن إلا 15 في المائة فقط من الأطفال المسلمين من الحصول على نصيبهم من التعليم الابتدائي، وفي المدارس الثانوية نجد 6.260 طالبا جزائريان مقابل 17.000 أجنبيا، أما في التعليم العالي فلا نجد غلا 557 طالبا جزائريا فقط مقابل 5.146 طالبا أجنبيا.
على أن نصيب الثقافة العربية في هذه المعاهد الأجنبية في سائر مراحلها الابتدائي والثانوي والعالي، نصيب ضئيل جدا، إذ تعتبر اللغة العربية لغة أجنبية كالاسبانية  أو الانجليزية مثلا. وتدريسها فيها أمر رمزين قصد به الدعاية والتحضير أكثر من التثقيف الصحيح.
ويوجد بجانب هذه المعاهد الأجنبية ثلاث مدارس ثانوية فرنسية – عربية، غير أن الثقافة العربية تقسط فيها تقسيطا، إذ الغرض من هذه المدارس تخريج تراجمة وموظفين في الإطارات الثانوية أو الدنيا من الإدارات الفرنسية في الجزائر.
وإزاء كل ذلك نجد أكثر 2.400.000 طفلا جزائريا بين السادسة وأربعة عشرة من أعمارهم، لم يدخلوا مدرسة قطن لعدم وجود مدارس عمومية تسعهم، ولكون الإدارة الأجنبية تمنع المواطنين من فتح مدارس حرة، أو تخضع هذا الفتح لرخص إدارية لا تمنحها إلا تقتيرا، ويتضخم هذا العدد كل سنة بزيادة 300.000طفلا.
وهكذا يتضح من خلال هذا العرض السريع، إن النظام الاستعماري القائم الآن في الجزائر هو أكبر عامل في تدهور الثقافة القديمة، بل الثقافة بصفة مطلقة، وأنه يمنع الشعب الجزائري من المساهمة في تحقيق التقريب الفكري بين الشرق والغرب، وفي تقدير القيم الثقافية الغربية، إذ هو في وضعه الراهن، لا يرى من الغرب إلا المستعمر، ولا يرى في الغرب إلا الجانب( الامبريالي) الذي يحتك به يوميا، والذي جرحه في صميم كرامته القومية، وآذاه ولا يزال يؤديه فكريا ونفسانيا بل وحسيا. فالأمة الجزائرية – وحالتها هذه – يستحيل عليها أن تتفهم القيم الحضارية الغربية، وأن تقدم للغرب وجها صحيحا للقيم الثقافية العربية الإسلامية، وقد حطمها النظام الاستعماري تحطيما تاما كما رأينا.
ونظرا لمكانة الجزائر في الشمال الإفريقي وفي العالم العربي، ونظرا لفداحة المحنة التي ابتليت بها الثقافة العربية في الجزائر والمثقفون الجزائريون، فإن الوضع الرهن في الجزائر الذي يستنكره كافة بناء الثقافة العربية، وكافة أنصار القيم الثقافية الإنسانية، ويكون حجابا كثيفا يحول دون هذا التعاطف والتفاهم بين الثقافتين الغربية والشرقية، تعاطفا وتفاهمها ضروريين للتقدير المتبادل لهاتين الثقافيتين، ويبعد الإنسانية من عهد السلام والوئام الدائمين.
لذا نلاحظ – دون مجازفة – أن إنهاء الوضع الراهن في الجزائر، أمر ضروري لتحقيق هدف التقارب الفكريين وتقدير القيم الثقافية. وان هذا الهدف لا يتحقق في الجزائر إلا في إطار من السيادة القومية والاستقلال، يمكن الأمة الجزائرية ذات الماضي الثقافي المشرق، أن تهيئ الظروف المادية والفكرية لانبعاث ثقافي في الصلح الشرق والغرب معا وفي صالح السلام والتفاهم العالميين، انبعاث نظير بالنهضة التي أنجبت منذ قرون ابن خلدون، وابن طفيل، وابن رشد، وغيرهم من بنات الترف الحضاري العالمي.

إحصائيات نشرتها شخصيات فرنسية تتعلق بالوضعية الثقافية بالجزائر
 
الوظيفة العمومية: في الولاية العامة الفرنسية بالجزائر فقط.


إحصاء الطلبة في التعليم العالي بجامعة الجزائر (إحصائيات سنة 1953، 1954)

 

جزائريون

أجانب

ذكور

إناث

ذكور

إناث

الحقوق

176

3

1.133

395

الآداب

157

8

541

594

العلوم

59

3

512

248

الطب

61

5

593

173

الصيدلة

27

3

124

184

 

 


نسبة الطلبة في التعليم العالي من مجموع السكان:   إحصاء طلبة الثانوي في الجزائر(سنة 1954):

فرنسا: طالب واحد لكل 300 مواطن                     مجموع الطلبة: 23014
الجزائر: طالب واحد لكل 15.342 مواطن               عدد الجزائريين: 6.260
 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here