islamaumaroc

إقبال شاعر الخلود

  محمد محمود

9 العدد

عشقت منذ أن كنت حدثا فكرة الخلود، وكنت مسرفا بالغ الإسراف متطرفا بالغ التطرف في ذلك العشق، ولم يكن لدي في حداثتي من دافع لهذا العشق سوى تلك التربية التي نشأتها عليها جميعا، وكانت تغذينا من لبان الدين، وترضعنا من ثدييه الثرين، فتغدق على أرواحنا من معين الخلود ما يشفي الغلة ويروي الظمأ، فنعود بعد أن نصلي ونتحنت قسطا من الليل وأطراف النهار، ثملين بما جنيناه من الصلاة والتحنث، وما الذي ما نجني! إنه ذلك الاتصال الروحي بمن أبدع الكون، فكان الخلود من أمتع وأروع الصور في هذا الكون، خلود روح الإنسان وما تحمل وتتقمص من قيم إنسانية مثلى.
ولم يكن التعبير القويم عن هاته الفكرة بسهل، وكان كل ما كتب عنها أو ما سيكتب في موضوعها إنما هو نقوش ورسوم، مهما كان وضوحها بارزا ومهما كانت ظلالها جميلة وأبعادها منسقة، فلن تبلغ شأو الفكرة نفسها، إذ تظل هذه مثلا أعلى يحاول الشاعر أو الرسام أن يدنو من قمتها ولو دنوا يسيرا.
ولكنا على كل حال نجد المتعة في هذا الطموح إلى الخلود عند الصادقين من الشعراء والرسامين، كما كنا نحس بأننا نرضي حاجة الخلود في نفوسنا حين نصلي ونتحنث.
ولست بعيدا عن الحقيقة ولا من الواقع، حين أقول بأن إقبال من شعراء الخلود، تلمس ذلك بكل حواسك حين تخلو إلى بعض قطع من شعره، تترنم بها وترتلها في خشوع كما كان يرتلها إقبال مبتهلا مصليا، ويتلها حتى عصرنا وحتى الأبد مبتهلون كثيرون، جمعتهم فكرة الخلود بعد أن كانوا أشتاتا مختلفين في لغتهم وجنسهم، فحين يقرأ العربي أو الانجليزي شعر إقبال يشعر في قرارة نفسه وأعماقه، بأنه يرضى إرضاء وافيا عشقه لفكرة الخلود. ولقد شعرت نفس الشعور حين اكتشفت إقبال واكتشفت شعره، وصرت اردده من حين لآخر، وكلما عدت إليه وجدت متعة أخرى ولذة جديدة. وأدعو القارئ الكريم لكي ينشد معي هذه الأغنية الصغيرة لإقبال، الغنية بالحياة، الثرة بالخلود.
حينما يسفر الصباح نديا
ناصعا في مواكب الإشراق
يغسل النور في المشارق اد
ران الدجى عن حلة الآفاق
ويطير الكرى وينتبه العشب
وتصحو عزائم الكائنـات
ويهب الإحياء في البر والبحر
ليستقبلوا عروس الحيـاة
وإذا كان للخلائق ناموس
يرينا الصباح بعد المسـاء
فكذا تذهب الحياة ولكن
بعد ليل الحمام صبح البقاء
لوحة زيتية تنبض بالحركة والحياة، الصباح يبتسم ابتسامة عريضة، وينسكب النور في المشارق، مبيدا عن الآفاق ما كساها من ظلام الليل، ويطير النوم عن مآزق الكائنات فيرقص العشب ويهب كل حي لاستقبال عروس الحياة، تلك التي أشرقت لتضيء الكون وتعيد الحياة للكائنات، يرى إقبال هذه اللوحة الرائعة، فيعجب بها، ويأبى هذا الإعجاب الذي سطا على مشاعره إلا أن يحرك ريشته، ، فتهب هي أيضا لتعبر للناس عما رأته نفس إقبال، وما أعجب به من هذا الإسفار، وذلك الإشراق، وذلك الانبعاث الذي أصاب العشب وعزائم الكائنات، وهبوب كل هؤلاء لاستقبال عروس الحياة.

لقد أحسنت ريشة الشاعر رسم هذه الصورة النابضة بالحركة والحياة، وبقي عليها أن ترسم ما في نفس الشاعر وما تحمله من نظرة عميقة لهذا الجمال وهذه الحياة، وما استنتجته من ناموس الصباح بعد المساء، ومن هذه الصورة كلها، فرسمت ما في نفس الشاعر بوضوح وجلاء: إن كان في مسرح الكون فصل الصبح بعد فصل المساء، فكذلك في مسرح حياتنا يأتي بعد فصل ليل الحمام فصل صبح البقاء.
هكذا أحس إقبال بكل مشاعره وهو يلقي على مسامع الكون أغنيته في انتفاضة الصباح، بأن الروح الإنسانية وما تحمل من قيم مثلى خالدة، فانساب مع الفكرة بل مع شعوره بها وتقمصه لها انسياب الندى البلبل مع الصبح العليل، وغنى فاطرب نفسه واطرب مع نفسه أنفسا أخرى عشقت الخلود وأحبت البقاء.
وهكذا يكون إقبال، بتغنيه بفكرة الخلود، قد أسدى لكل من عشق الفكرة فضلا وفيرا وخيرا اشتاقت نفسه الإنسانية إلى مثلها الأعلى، وخير شكر بل خير اعتراف بجميل شاعر الخلود تؤديه الإنسانية إليه أن تظل في أعماقها مترنمة بهذه الأغنية.
وإذا كان للخلائق ناموس يرينا الصباح بعد المساء فكذا تذهب الحياة ولكن بعد ليل الحمام صبح البقاء عسى أن يحلق النشيد متصاعدا إلى السماء فيبلغ مسامع روح إقبال الخالدة.

الحث على العمل
جاء في الأثر، أن رفقة كانوا في سفر، فلما قدموا على النبي قالوا: ما رأينا يا رسول الله بعدك أفضل من فلان، كان يصوم النهار، فإذا نزلنا، قام من الليل حتى نرتحل.
قال : فمن كان يعتني بأمره ويكلفه ؟
قالوا : كلنا.
قال كلكم أفضل منه.

مائدة كريم
سئل أبو الحارث جمين عمن يحضر مائدة محمد بن يحيى، وكان بخيلان فقال يحضرها: أكرم الخلق وآلامهم. قيل ومن هم ؟ فقال الملائكة والذباب.
وسئل جحظة البرمكي عن دعوة حضرها فقال: كل شيء كان فيها باردا إلا الماء.

تفاؤل
سال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلان أراد أن يستعين به على عملن عن اسمه واسم ابيه. فقال الرجل: ظالم بن سراقة. فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك، ولم ستعين به في شيء.


تثاءبت الأرض، فبسطت يديها ورجليها في الضفاف، وابتسمت للذيذ الأحلام.

 


 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here