islamaumaroc

الشيخ محمد عبده

  علال الفاسي

9 العدد

هذا فصل واسع طويل، وعلى الرغم من أنه الجانب الذي يمثل أقوى كفاح قام به مماته، فإن الذين ترجموا له لم يتناولوه بشيء من التفصيل، بل ولا حتى بالقليل من الحديث، لأن الذين كتبوا عن عبده فريقان:
بعض المسلمين الذين كان يهمهم أمر الإشادة بقدره وبمادته الغريزة في العلم أو في الفلسفة، في الدين أو في الوطنية، وهؤلاء لم يتجاوزا الحديث عن حياته وسلوكه وأفكاره ومؤلفاته واعتقاداته وبعض صلاته الاجتماعية والسياسية.
وبعض الأوربيين الذين لا يعنيهم من أمره إلا ما وصل إليه من هدم بعض القواعد أو العوائد المعروفة في العالم الإسلامي، والتي يحسبها الغربيون تقاليد مقدسة، تضاهي ما للمسحيين من تقاليد، كافح في هدمها المصلحون زمنا طويلا.
ولكن الواقع أن عمل عبده لم يكن واضحا وعظيما في شيء، ما كان في العمل على دفع آلتهم الموجة للسلام، وتنقية عقول المسلمين وأخلاقهم من بعض الصفات والعادات التي التصقت بهم، فأصبحوا يعتقدونها من الدين وليست منه في شيء.
ولقد كان من الضروري للمسلمين أن تنهض ثلة من المصلحين، يبذلون كل مستطاعتهم لمحو العقد النفسية التي أوجدها في الشعب الإسلامي في كل أنحاء الأرض، تضعضع مركزه السياسي والثقافي بين الأمم، وتداعى دول الاستعمار عليه من كل حدب وصوب، ثم دعواتها النشيطة لتحويل المسلمين عن الفكر في ما أصابهم، وجعلهم يعتقدون أن أسباب ذلك كله، ناشئ عن العقيدة الإسلامية وأثرها في حياتهم الاجتماعية، فالإيمان بالقدر هو الذي أورث فيهم الخمول والكسل، وإنكار تأثير الأسباب في المسببات هو الذي جعلهم يبتعدون عن دراسة ظواهر الطبيعة واكتناه أسرارها ثم تسخيرها لخدمة المجتمع وخير الإنسان، والجمع بين سلطتي الدين والدولة في الحكومة هي التي منعت الناس من أن يشعروا بالحرية الفردية ويعملوا على تكوين الشخصية الجديدة لحياة الإنسان العصري.
وإتباع القرآن هو الذي يعوق التقدم الاقتصادي وازدهار العمران، إذ يمنع الربا ويحول دون تكتل رأس المال، ويمنع من وسائل التوفير والضمان الحديثين، وهو الذي يعوق دون البحث عن تجديد في الشرائع وفي المعاملات، والإيمان بالأصول الدينية هو الذي يمنع العقل من التفتح والفكر من السبح في ميادين النظريات الجديدة التي لا تقف دونها أسوار الدين ولا أستار الغيب، إلى غير ذلك من التهم التي كان يقصد منها قبل كل شيء تجريد المسلم من ثقته بنفسه، ليتجه نحو الغرب ينشد في تقليده الروحي أولا، ثم المادي ثانيا، ما يغرفه لمستوى المستعمرين، حتى يكون شريكه في الحياة التي سيصبح الأول سيدها والمتحكم في أمرها في كل أرجاء الأرض.
لم تكن مهمة عبده إذا سهلة، لا من ناحية العلم ولا من ناحية الواقع، لأن الجو الذي كان فيه العالم الإسلامي في عهده، جو جهل وانحطاط وانحلال يحتاج العالم فيه إلى إيمان قوي، وثبر كامل وثبات، ولأن الإسلام الذي ورثه الأجيال الأخيرة لم يكن هو إسلام الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولكنه كان إسلاما غطت على حقائقه الخرافات وأفسدت محاسنه الأوهام، والكتب المنتشرة في شأنه كانت كتبا ممزوجة بالحق والباطل|، مليئة بتحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والمسلمون الذين يعيشون لا يمكن أن يكونوا شهداء على الناس لا بأقوالهم ولا بأعمالهم ولا بأحوالهم، بل كانوا حجة على الإسلام بما يرتكبونه من الآثام الفردية والاجتماعية، ولأن الخصوم الذين كانوا يعملون لهدم الإسلام ومحو تقدسيه في نفوس أبنائه كانوا يقومون بعملين ضخمين:
أسهلهما هو المهاجمة الظاهرة بالشبه والتهم، وكانوا يجندون لها كل ما وصل إليه الغرب من علم ورقي في الفكر وفي أساليب الجدل والإغواء.
وأصعبها هو ما يدرسونه في معاهد التربية والتعليم، من غرس للجحود في الشباب وتثبيت لدعائم الجمود في الشيوخ.
ولكن عبده وشيعته كانوا جديرين بالمهمة التي اضطلعوا بها، والرسالة التي اختارتهم حيوية الأمة الإسلامية لأدائها، ولئن كانوا قد وقعوا في بعض الأغلاط، أو خرجوا عن الجادة في بعض الأحيان، أو جروا بعض الذين لم يفهموا غاياتهم عن الانحراف عن الطريق، فإن ذلك لا ينقص من قدرتهم، ولا يغير شيئا من قيمة العمل العظيم الذي قاموا به في خدمة الإسلام والمسلمين في هذا العصر، الأمر الذي يرفعهم لمستوى علماء الإسلام المجددين وقادة فكرة المصلحين.
ونحن لا نريد أن نتناول في هذا الحديث الجزئيات، إلا بقدر ما يحتاج إليه التبيين من المثل، وما يدعو إليه التفهيم من وسائل التقريب، ولكننا سنحاول جمع أهم الأصول التي كانت عقدة الفكر، ومحور الكفاح الذي قام به أولئك الأبطال لتصحيح الفهم وإصلاح الحال في الجهتين الداخلية والخارجية.
فكر محمد عبده قبل كل شيء في حالة المسلمين، وما هو عليه من جهل وانحطاط وذل وخذلان، وكيف استبدلوا سلطانهم وخضوعا، وانطلاقهم خنوعا، ونشاطهم كسلا. ثم بحث عن الأسباب، هل هي في طبيعة الدين كما يزعم أعداؤه، أم في أمر الجنس كما يقول مستعمروه، أم هي قضاء وقدر لا مرد له ؟
ولكنه أيقن لأنه ليس هذا ولا ذاك، وإنما هي نواميس الكون التي قدر الله أن يسيلا عليها، وطبيعة المجتمعات التي لا يمكن الانحراف عنها، ولو أن المسلمين أقاموا ما أنزل من ربهم، وما علمهم من أمر دينهم ودنياهم، لما أصابهم، ولظلوا كما كانوا قدوة العالم، وغرة في جبين الإنسانية.
ولكن الانحراف عن الدين نفسه، لم يكن من طبيعة المسلمين ولا في الدين نفسه ما يحمل عليه، ولذلك فلا بد من البحث عن الأسباب التي كونت الداء ليسهل العلاج، إن ذلك لاشك ناشئ عن مؤتمرات أجنبية، قام بها الذين ضاقوا درعا بالسيطرة العربية والهيمنة الإسلامية، من رجال الجنسيات والعصبيات المختلفة من العرب والعجم، أولئك الذين حملهم مركب النقص أن يعملوا على إفساد الدولة، بالتسرب إلى السلطان عن طريق التفوق في الأوساط الشعبية بواسطة الخرافات والتحزبات التي عملت لها الجمعيات السرية والحركات الهدامة طيلة عصور عديدة، نجحت أثنائها في تحويل المسلمين عن فهم القرآن ودراسة السنة والاستكانة إلى شتى الخوارق التي تكفي أصحابها كلا وسائل العمل وأسباب الحياة.
وشرح هذه الحقيقة هو موضوع المقال الرابع من كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية الذي كتبه الإمام عبده في الرد على رينان وعلى مجلة الجامعة.
يقول الأستاذ الإمام ص 121 من رسالة الإسلام والنصرانية:(وأما ما وصفت بعد ذلك من الجمود، فهو مما لا يصح أن ينسب إلى الإسلام، وقد رأيت صورة الإسلام في صفائها ونصوع بياضها ليس ما يصح أني كون أصلا برجع إليه شيء مما ذكرت ولا مما تنبأ بسوء عاقبته«رينان» وغيره، وإنما هي علة عرضت على المسلمين عند ما دخلت في قلوبهم عقائد أخرى ساكنت عقيدة الإسلام في أفئدتهم، وكان السبب في تمكنها من أنفسهم وإطفائها لنور الإسلام من عقولهم هو السياسة كذلك).
ويذهب الأستاذ في شرح أثر هذا الجمود على اللغة والنظام والاجتماع، وعلى الشريعة وأهلها، وعلى العقيدة. ثم يبين انعكاساته حتى على تلامذة المدارس العصرية، إذ يجعلهم يجددون في التقليد وفي الجمود، بما يسد آذانهم عن الحق وقلوبهم على صادق الوعي.
ولكن الأستاذ لا يتأخر عن التبشير بعد الإنذار، فيقرر أن الجمود علة تزول، وأن الأمراض متى عرفت أسبابها سهل علاجها، ولذلك يجب تشخيص الداء وتبيين الدواء والدعوة له والعمل على إقناع المرضى بتناوله، وتلك هي طريقة الحركة التي حمل منارها بعد أن شيد قرارها.
وهذا العلاج ليس ضروريا لتحسين حالة الأمة الإسلامية فقط وإعادة مجدها الغابر، ولكنه ضروري لإصلاح الإنسانية كلها، لأن المسلمين مطالبون بأن يكونوا بسلوكهم المثال الكامل للإنسان، سواء في أحوالهم الخاصة أو العامة.
ألم يكن أصحاب النبي(صلى الله عليه وسلم) كالنجوم بأيدهم اقتدى الناس اهتدوا ؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكنوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ؟.
نعم يجب أن يكون المسلمون حجة لله على الناس، يهدونهم بأحوالهم وأقوالهم، ويدعونهم بعدلهم واستقامتهم إلى الدين والحق والهدي الصحيح، فإذا زاغ المسلمون فستنقلب الأوضاع ويصبح الهادي ضالا، والنور ظلاما، ويصبح المسلمون شهداء على الله وعلى دينه قبل أن يكونوا شهداء على أنفسهم، ويصبح لغيرهم أن يتبجح بدعاويه وبمظاهره كما كان يتبجح المشركون الأثرياء في الجاهلية، و(وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات قال الذين كفروا للذين ءامنوا: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ؟ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هو أحسن أثاثا ورئيا).
يصبح من الممكن لصاحب الحضارة المادية، أن يقابل بين حفاة المسلمين وبائسيهم وبين الحالة التي يعيش عليها الفلاح والعامل في الأمم الأخرى ثم يتساءل: أليست عقيدة (المكتوب) هي التي تمنع المسلم من أن يكون مثل أخيه الغربي في النشاط والكد والكسب ؟.
يتنبه الأستاذ الإمام لهذه النقطة بالذات ويريد أن يعرف المسلم وغير المسلم، أن سلوك الأمم لا يمكن أن يكون حجة، على الأقل من جهة النظر، على العقيدة التي تنتحلها، فالمسيحية غير المسحيين، والإسلام غير المسلمين، ولذلك يفرض في آخر رسالة التوحيد ص 195 سائلا يوجه إليه سؤالا يعرض فيه للمفارقات التي تتراءى بين اختلاف المسلمين ودعوة الإسلام للاتفاق، بين توحيد الإسلام وإشراك المسلمين، بين مخاطبة القرآن للعقل وكفر المسلمين به، بين الجد والعمل الممدوحين في الإسلام وبين الكسل والخمول اللذين يخيمان على المسلمين، بين الفضائل المتعددة التي جاب بها الدين المحمدي وبين الرذائل التي ألقت بكللها على المسلمين، ويعرض، ذلك السؤال فيوافق على محتوياته ويجيب في صدق وإخلاص(ص 200: كلامنا اليوم في الدين الإسلامي وحاله على ما بيناه، وأما المسلمون وقد أصبحوا بسيرهم حجة على دينهم، فلا كلام لنا فيهم الآن، وسيكون الكلام عنهم غي كتاب آخر إن شاء الله).
ويقول الأستاذ رشيد رضا: أن الكتاب الآخر الذي عناه الأستاذ الإمام هو الإسلام والنصرانية، ولكن الواقع أن عبده عاد لهذا الموضوع في كل دروسه وأقواله وكتاباته، إذ أنه الفكرة التي عاش لها والمثل الأعلى الذي صرف نشاطه كله في سبيله.
إرجاع  المسلمين إلى الدين الصحيح، وتقويم ما أعود من أخلاقهم، هو خير سبيل للرد على الشبهات التي يعرضها المرجفون على الإسلام، مستمدين من حالة المتدينين به، وذلك لا يتم قبل كل شيء إلا بالدعوة إلى النظر، ومقاومة التقليد، لأن أول صفة يجب أن تحيا عند المسلمين، هي أن يعودوا إلى ما وصفهم الله به:(الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (وأحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).
يجب أن يعود المسلمون إلى العقل، إلى الفكر في ملكوت الله ودراسة البشر، وتطورات الأجيال، وإلى النظر فيما آلوا إليه من حالة، والبحث عن أسبابها وطرق علاجها، إلى امتحان ضمائرهم إزاء النقائض التي حلت بهم.
إن الثقة بالعقل الخلاص للمسلمين، من جمود الماضي ومن جحود المستقبل، والحق أن الدعوة إلى الفكر والنظر دعوة إسلامية صميمة، صرخ بها القرآن في عشرات الآيات، ونطقت بها السنة في عديد الأحاديث، وهي التي علمت طبيعة الحضارة العربية التي ما كانت تقبل شيئا على علاته، ولكن بعد النظر والتمحيص وتقليبه على جوانبه.
يقول عبده في رسالة التوحيد ص 158(صاح القرآن بالعقل صيحة أزعجته من سباته، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها، كلما نفذ إليه شعاع الحق خلصت إليه هيمنة من سدنة هياكل الوهم: «نم، فإن الليل حالك، والطريق وعرة، والغاية بعيدة، والراحلة كليلة، والأزواد قليلة»).
(صرح في وصف أهل الحق بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، فوصفهم بالتمييز بين ما يقال، من غير فرق بين القائلين ليأخذوا بما عرفوا حسنه، ويطرحوا ما لم يتبينوا صحته ونفعه، ومال على الرؤساء فأنزلهم من مستوى كانوا فيه يأمرون وينهون، ووضعهم تحت أنظار مرؤوسيهم، يخبرونهم كما يشاءون، ويمتحنون مزاعمهم حسبما يحكمون، إلى أن يقول:
عاب أرباب الأديان في اقتفاء آثار ءابائهم ووقوفهم عندما اختطته لهم يد أسلافهم وقولهم(بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. إنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثرهم مهتدون).
فأطلق بهذا سلطان العقل من كل ما كان قيده، وخلصه من كل تقليد كان استبعده، ورده إلى مملكته يقضي فيها بحكمه وحكمته).
وإذن فعبده يقرر طبيعة الإسلام وصلتها بالعقل والنظر، لأنه يعتمد عليهما في معرفة الله وفي غيرها من الأمور ولا يرى هناك تناقضا بين العقل والرجيح والدين الصحيح بحال.
وما دام القرآن يستنهض بالعقل البشري في الدلالة على وجود الله، وعلى أن الإنسان لم يخلق عبثا ولا ترك سدى، على أنه لابد من دار عمل ودار جزاء. مادام القرآن يفعل كل ذلك فمعناه أن الإنسان قادر على الوصول إلى معرفة الله بالعقل، وقد صرح عبده في الرسالة بهذا المعنى إذ قال: أن كل صحيح لابد أن يؤدي على التوحيد.
وحينما تصدى(فرح أنطوان) لاتهام المسلمين باضطهاد أهل العلم، رد عليه الشيخ في فصول عديدة نشر بعضها في كتاب(الإسلام والنصرانية) مبينا أنه لم يقع أي اضطهاد في تاريخ الإسلام الطويل باسم الدين ولا باسم الفكر أو بالأحرى بدافعهما، وأن ما وقع من تقاتل بين الطوائف المسلمة، لم يكن مصدره إلا البواعث السياسية والتنافس على الحكم. وقارن بين موقف المسلمين من الحضارة والعلم، وموقف المسيحية منها، وفصل ما قامت به محاكم التفتيش في الأندلس مع المسلمين واليهود، وما قامت به الكنيسة مع خصومها في روما الشرقية  وفي بلدان الإصلاح الديني عند قيام البروتيستانية، ثم بين ضيق فكر هؤلاء المصلحين أنفسهم، ومقاومتهم لكل المبتكرات العلمية، فموقف عبده من تأييد العقل وإعطائه السلطان المطلق في جميع الميادين التي تعد من اختصاصاته، موقف واضح بين.
ولكن إلى أي حد يصل هذا الإيمان بالنظر وإلى أية درجة ترتقي هذه الثقة بالعقل  يغرق بعض المعجبين بالشيخ عبدهن فيريد أن يجعل منه لا مستنجدا بالعقل لتحرير الفكر من الخرافات وإعادته إلى دائرة التفكير في حدود الأصول المتيقنة في الإسلام، ولكن حر الفكر بالمعنى الغربي للكلمة، ومن هؤلاء صديقنا ( الدكتور ابن عثمان) الذي يصرح في كتابه عن الشيخ، بأن له مجهودات فيما رواء الطبيعة تضاهي ما قام به سبينوزا، وأنه سبق للتمهيد(للفكر الحر)Libre pensee  وقد قارنه ببارسكال تارة وديكارت وكارليل أخرى.
والحق أن هذه المقارنات خطيرة جدا، إذ كنا نفهم من كلمة (الفكر الحر) ما يقصد إليه الغربيون، وهو التحرر من كل المعتقدات، الناتج عن الكفاح ضد الديانات الذي قام في أوربا طيلة القرنين الثامن والتاسع عشر، فمعنى هذا أن محمدا عبده كان مدرسة تخرج على السلام، وتدعو إلى الفكر المجرد عن كل استناد إلى الذين، وهذا ما لم يقل به الأستاذ الإمام الذي ما كان يعمل إلا لتصحيح الأوضاع إلى نصابها.
فالعقل الذي يدعو إليه عبده هو العقل الذي نادى به القرآن وقامت عليه الحضارة الإسلامية، وهو مطلق كما صرح به الشيخ نفسه في رسالة التوحيد، ما دام المرء لم يهتد إلى الإيمان بالله، فإذا آمن به فقد وجب عليه أن يجعل في حساب فكره ما جاء منه على السنة رسله من الأسس الصالحة التي لا يمكن لعقل ولا لقلب أن يرقى بدونهما.
على أن عبده يقرر أن العقل لا يمكنه أن يستبد وحده بالوصول إلى ما فيه سعادة البشر (أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كما لا يستقل الحيوان في درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لابد معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل فيها منحت لأجله، والإضغان لما تكشفه له من معتقدات وحدود أعمال. كيف ينكر على العقل حقه في ذلك، وهو الذي ينظر في أدلتها ليصل منها إلى معرفتها وأنها آتية من قبل الله).
وإذن فهنالك تضامن بين العقل وبين الدين، يستنجد كل واحد منهما بالآخر ويستند إليه.
نعم يصح أن يقارن عبده بدركات وأمثاله من الفلاسفة الغربيين الذين كانوا يستدلون على وجود الله بوحدة الطبيعة العالمية، على اعتبار أن الله هو المدبر أو العاقل الأول، الذي يجعل هذا الكون على اختلاف أنواعه منتظما كالشخص الواحد، فمركز الله من العالم مركز الروح من البدن، والأنانية هي التعبير الإنساني عن هذا الوجود، لأن الإنسان صاحب الفكر الذي يمتاز به عن كل المخلوقات. وهو ما جعل ديكارت يقول : (أنا أفكر إذن أنا موجود) وإذا كان المدرك – بالفتح – يتعدد فالمدرك دائما واحد.
ونحن ى نعني أن عبده أو غيره من السلفيين يوافق هؤلاء الفلاسفة على تشبيه المركز الإلهي في العالم بمقام الروح من الجسد، فذلك ما يوحي بفكرة الحلو والاتحاد أو وحدة الوجود العزيزة على فلاسفة المتصوفين من المسلمين، والتي ينكرها السلفيون إنكارا كاملا، وإنما نريد أن  النظر عن طريق التفكير في الكون، وكونه لابد من مدبر، والوصول عن طريق ذلك وعن طريق التأمل الإنساني في ذاته، إلى وجود كائن أعلى واجب الوجود لمد كل موجود، وهو ما يتفق مع التوجيه القرءاني وما يرمي إليه محمد عبده.
وعبده بإلحاحه على استعمال العقل، يردي أن يقاوم اتجاهات الحادية أخرى، هي اتجاهات (أوجيست كونت) ومدرسته التي تسمى (بالفكر الايجابي) أو الوضعي، والتي تقول: إن كل شيء معقول لابد من يؤيده شيء محسوس، لأن (كونت) يزعم عدم صحة الانتقال من وجود الإدراك في الإنسان إلى وجود صاحب الإدراك حسب استنتاج ديكارت، لأن الإدراك الموجود في الذهن إنما يدل على وجود صاحبه(أي المدرك بالكسر) في الذهن، ولا يدل على وجوده في الخارج ونفس الأمر.
وقد أجاب(الشيخ مصطفى صبري) في الجزء الثالث من كتابه(موقف العقل والعلم والعالم من لاب العالمين)ص 67 على شبهة كونت، بأن أصل الخطأ عنده أن يكون موجودا في نفس الأمر أيضا، بل إن الكلام في الإدراك الواقع فعلا وكون هذا الإدراك في الذهن، إنما هو ناشئ من أجل المحل اللائق بالإدراك الواقع فعلا هو الذهن، لا من عدم كونه موجودا عينيا، فهو موجود ذهنيا وعينيا، ولا جرم أن وجود هذا الإدراك يستلزم وجود المدرك(بالكسر) وجودا عينيا، وفي محله اللائق به وخارج الذهن، إذ الإدراك الواقع لا يكون فعل المدرك الذي يوجد في الذهن ولا وجود له في الخارج.
على أن كونت لا ينكر وجود الله وإنما ينكر العلم بوجوده، إنه يهدم الأدلة العقلية، محاولا إثبات دليل سماه بالعقل العلمي، أو دليل السلوك، أو الوجدان، أو الاختلاق، فنفي العلم بوجود الله، ,اثبت الإيمان به، مؤيدا ذلك بأسباب أخلاقية، أي كما أنه لا يمكن إثبات وجود الله عن طريق العلم والتجربة كذلك لا يمكن إثبات نقيضه.
وإذا نحن سايرنا كونت، لم يعد عندنا أكثر من الشعور بالحاجة الأخلاقية إلى الإيمان بالله لإثبات وجوده، واصل الخطأ في هذا أن الله الذي هو من شواغل الباطن الإنساني يحول إلى الميدان الخارجي، ليخضع إلى تجارب العلم وفروضه، وطبعا فإن الملايين قاطبة لا يعتبرون مسائل الروح والإيمان من اختصاص العلم، وإنما يعتبرونها من اختصاصا العقل والفكر التي هي مصدر الإنسانية تصورا وتصديقا، إذ حتى التجارب لا يمكن أن يعتبر إلا إذا تصورها العقل وصدقها.
وهذا ما يفسر اهتمام عبده بالدفاع عن علم الكلام، وكتابة رسالة التوحيد لإحياء مناهج المسلمين في النظر والبحث، على اعتبار أن العقل هو السبيل الوحيد لارتفاع الإنسان من درك الحيوانية إلى فطرة الإنسانية.
وقد وقع المرحوم(احمد أمين) (والدكتور هيكل) في خطأ تحضير البراهين العقلية، مغترين بالمذهب الايجابي، حتى قال هيكل في مقدمة كتابه(حياة محمد): ولقد قام بعض المسلمين في ظروف مختلفة، فحاولوا إدحاض(هكذا) مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء الغرب، واسم الشيخ محمد عبده من أصنع الأسماء في هذا الصدد، لكنهم لم يسلكوا الطريقة العلمية التي زعم أولئك الكتاب والمؤرخون الأوربيون أنهم يسلكونها، لتكون لحجتهم قوتها في وجه خصومهم.
فعبده في نظر هيكل لم يسلك الطريق العلمية، أي الإيجابية التي جاء بها) ولكنه سلك الطريق العقلية، ولذلك لم ينجح في نظر هيكل، وهذا |اقرب ما يكون من التقليد للغرب والتنازل عن حق الفكر في الأمور والحكم عليها، فالنظرية الايجابية وإن كانت هدمت المناهج العقلية الإسلامية وغيرها، إلا أنها لم تنكر أن الحكم النهائي في واقع الأمر إنما يتم بالعقل، كما أن المذهب العقلي لم ينكر التجارب في الأمور المادية التي لا يمكن أن تدرك إلا عن طريق الحسن ولقد قال ستيوات ميل في منطقة: (أنه وإن كان هنالك بعض تجارب غير منحلة وغير منتقضة، فليست أي تجربة ممكنة الانحلال والانتفاض).
وقد بين الأستاذ الكبير(عباس محمود العقاد) في كتابه عن (الله) خطأ الفكر الايجابي، موضحا أن العلم لا يشتمل على أكثر من فروض تقبل ثم ترفض حين يترجح غيرها، وإنه ليس في العلم حقيقة أبدية يمكن اليقين فيها والإيمان بها.
لست أريد أن أناقش النظريات العلمية أو الفلسفية، وإنما أريد أن أوضح معنى دفاع الشيخ عبده عن العقل، ,انه لا يرمي لأكثر من تحديد المناهج الإسلامية في المنطق وفي الكلام، وإذكاء النفوس لاستعمالها، وتنقيح ما يلزم تنقيحه منها، والزيادة فيها، والسير على منهج الأسلاف في دراسة نظريات الآخرين ومذاهبهم، واخذ ما يصح منها وبلورة كل ذلك في فلسفة إسلامية جديدة تدفع الشبهات وتقي المسلمين من العثرات.
وإذا كان العقل صديق عند المسلمين، فهل يمكن للدين أن يأتي بما فوق العقل ؟.
يجيب علماء المسلمين ومعهم محمد عبده بأنه ليس في الإسلام ما بناقض العقل، أو بالتالي ليس من الممكن أن يأمر الدين بشيء يعتبر في نظر الفكر من قبيل المستحيلات العقلية.
ومن هنا جاء رفض الإسلام للقول بالتثليث وتعدد الآلهة، وأن يلد الإلاه أو يولد، غير ذلك مما يستلزم تناقضات عقلية تشبه الجمع بين الضدين، وتعدد الوجود في المكان الواحد في الوقت الواحد.
وقد أجاد عبده في مختلف أبحاثه الموضوعات التي تناولها من هذا القبيل، عن كان قد أخطأ في بعضها، كإنكار استحالة التسلسل من الجهة العقلية.
وهنا تعرض لنا مسالة ذات أهمية خطيرة بالنسبة لجميع الديانات التي تقوم على أساس الإيمان بالغيب، هل الأمر الخارق ممكن الواقع أو لا ؟
أما الخارق للعقل فهذا ما بينا استحالة وقوعه، وأما الخارق للشرع فهو ممكن الوقوع ومحكوم عليه من طرف الدين بما يستحقه، وأما خرق العادة فهي المسالة التي تقف عندها أبحاث المتكلمين في جميع الشعوب، وقد عقد الشيخ عبده لها فصلا في رسالة التوحيد قال فيه ص 84: (المعجزة ليست من نوع المستحيل عقلا، فإن مخالفة السير الطبيعي المعروف في الإيجاد، مما لم يقم دليل على استحالتهن بل ذلك مما يقع، كما يشاهد في حال المريض يمتنع عن الأكل مدة لو لم فيها وهو صحيح، لمات مع وجود العلة التي تزيد الضعف وتساعد الجوع على الإتلاف).
ويقول بعد ذلك بقليل(إن الهجرة لابد أن تكون مقرونة بالتحدي عند دعوى النبوة وظهورها من البراهين المثبتة لنبوة من ظهرت على يده، لان النبي يستند إليها في دعواه أنه مبلغ عن الله).
لكن ماذا يقصد عبده بالتحدي ؟ هل أن يقول النبي: دليلي نبوتي أني افعل كذا مما لا يعتاد البشر فعله ثم يفعله ؟ أم مجرد الاقتران بدعوى النبوة ؟

نرجح الشق الثاني بدليل قوله: (فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يده، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة، وسنعود بعد لهذا التدقيق لأننا في حاجة إليه).
ثم يبين الشيخ محمد عبده ص 108، إمكانية وقوع الوحي واطلاع الله على غيبه من يرتضيه من رسول أو ولي حسب استعداده وإرادة الله لإكرامه(والله أعلم حيث يجعل رسالاته).
واعتراف الشيخ عبده بانكشاف الغيب لغير الأنبياء، دليل على أنه يقول بوقوع الخارق الذي يسمى بالكرامة للأولياء، وهذا ما يشهد له قوله في الرسالة ص 113:
(أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء، ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء، ولكنهم راضوا أن يكونوا لهم أولياء وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء، فكثير منهم نال حظه من الأنس، بما يقارب تلك في النوع أو الخبر، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب، ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال، لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع، فمه لذلك لا يستبعدون شيئا مما يتحدث به من الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، ومن ذاق عرف، ومن حرم انحرف).
ولكن عبده يعود فيبحث مسالة الكرامة ص 204 فيحكي إنكار إسحاق الاسفرايني والمعتزلة إلا أبا الحسين البصري لوقوعها، ويذكر أن جمهور الاشاعرة يقرون بها، محتجين بما جاء في القرآن من قصة الذي عنده علم من الكتاب، وقصة مريم عليها السلام، وقصة أصحاب الكهف.
ويحتج الآخرون بأن ذلك يوقع الشبهة في المعجزات، ورد هذه الحجة، قائلا بأنه ى محل للشبهة في المعجزة، لأن هذه تقع مقارنة لادعاء النبوة، كما رد احتجاج الأولين بقصة أهل الكهف، لأن الله عدها من آياته في خلقه، وأما قصة مريم وءاصف فقد تكون بتخصيص من الله تعالى لوقوعه في عهد الأنبياء، ثم حقق المناط، مبينا أن الخلاف إنما هو في وقوع تلك الخوارق، أما إمكان وقوعها فهو شيء مجمع عليه من سائر المسلمين.
ونحن لا نوافق عبده على أن قصة مريم ليست من قبيل الكرامات، لأن وقوعها في زمن الأنبياء لا يعكر على ذلك، ومريم في عداد الصديقات، وقد قص القرآن من خبر خضر ما يدخل في ذلك المعنى، فالذي لا شك فيه أن القرآن يؤكد وقوع الخوارق للأنبياء وللأولياء معا، ولكن الشيخ عبده معذور في موقفه هذا، لأنه يريد أن يخلص به إلى تحذير المسلمين من مختلف الدجالة الذين ما فتئوا يصطنعون الصلاح ويدعون الخوارق، حتى شغلوا عقول الناس بمغيباتهم عن الفكر والدرس والتبصر في ملكوت الله، ولذلك يقول: ( أين هذا الأصل المجمع عليه مما يهدي به جمهور المسلمين في هذه الأيام، حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات)
والذي فات الشيخ محمد عبده تبيانه، هو أن الكرامات لا تطلب، ولا يشعر من وقعت بأنها ستصدر عنه، وإنما هي إغاثة من الله أو إكرام لمن يشاء من عباده، يظهرها كيف  يشاء وحيث يشاء، وفي الوقت الذي يريد، ولذلك كان العارفون ينهون عن إتباع الكرامات وتلمسها.
قرر عبده إمكان وقوع الخوارق، واعترف بأن المعجزة من براهين النبوة، ولكنه حينما كان يناقش الأستاذ قرح انطون) في اتهاماته الموجهة إلى الإسلام، والتي منها اضطهاد المفكرين وعدم تسامح الدين مع مخالفيه، أحب أن يقارن بين المسيحية والإسلام، بدعوة الأخير إلى العقل واعتماده عليه، وتجاهل رجال الكنيسة ذلك واعتمادهم على العجائب وحدها.
وعبده وإن كان حسن النية في هذا المسلك، إلا أننا لا نوافق عليه لأمرين:
أولا: أن الله نهانا عن أن نفرق بين أحد من رسله، وبين لنا القرآن أن الدين عند الله هو الإسلام، هو دين عيسى وموسى وإبراهيم ومحمد وغيرهم من الرسل والأنبياء، والمعجزة لا يأتي بها الرسول من عنده أو من ذاته، ولكنها بأمر من الله.
حقيقة أن التبشير بالعقل الذي جاء به الإسلام كان أرقى درجات الدعوات التي وصلت إليها الإنسانية، ولكن ذلك لا يعني التنقيص من برهان المعجزة في أي عهد من عهود النبوة.
ثانيا:لأن الأسلوب مهد السبيل لبعض المتفرجين لإنكار وقوع معجزة لنبينا(صلى الله عليه وسلم) غير معجزة القرآن.
لقد كان عبده ابعد الناس عن هذا الادعاء، وكان جمال الدين اشد بعدا منه حين كان يستحسن قول البصيري:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم

فمهما لم يقصدا لأكثر من تبرئة الإسلام من تكليف العقل الإنساني بالإيمان بما لا يقبله، أي بتصديق الخوارق العقلية، أما الخارق العادي فهما يقرانه، ولا محيد لأي مؤمن عن التصديق به.
أما هؤلاء المتفرنجين الذين مهدت لهم السبل، فقد زعموا أن محمدا لنم يأت يغير المعجزة العقلية التي هي معجزة القرآن، وفي مقدمة الدكتور هيكل في كتابه(حياة محمد) اسمعه يقول ص 44: (لقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب غليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه بذلك) وقد أكثر من هذا المعنى في كتابه، وأيده المراغي ورشيد رضا.
والحقيقة أن محمدا عليه السلام جاء بمعجزات غير معجزة القرآن التي هي أعظم المعجزات، وقد سجل كتاب الله نفسه ذلك، ألم يحدث القرآن عن إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ليريه من آياته ؟ ألم يقص القرآن، علينا قصة أصحاب الفيل وما يقع لهم من الطير الأبابيل التي ترميهم بحجارة من سجيل ؟ وما كان ذلك إلا إرهاصا لميلاد الرسول عليه السلام وإيلافا لقومه ؟ الم يتحدث القرآن عن إمداد الله رسوله في بدر واحد بالملائكة مسومين يقاتلون معه أعداء الدين ؟ ألم يقل عليه السلام أنه نصر بالرعب مسيرة ثلاثة أيام ؟ ألم يتحدث عليه السلام عن المعراج والصعود إلى السماء ؟ ألم ترد أحاديث مختلفة عن تكثير الطعام وإبراء المرضى وغير ذلك مما صرح العلماء بأن مجموعه ثابت ثبوت التواتر المعنوي ؟
وإذن فما الموجب لإنكار أن يكون للرسول عليه السلام ومعجزة وهي ليست بدعا من أخلاق الرسل ولا مما جاءوا به ؟ ولماذا نؤمن بمعجزات موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ولا نؤمن بمعجزات محمد ؟.
إن كان الخوف من انتقاد الغربيين كما يزعم الدكتور هيكل، فمحمد والإسلام لا يسلمان من انتقاد المغرضين منهم بحال. أما المخلصون فهم يقدرون أن يقع في الإسلام ما يقع في غيره من الديانات، بل أؤكد أنهم إذا تيقنوا بأن محمدا لم يأت بخوارق لا يعتبرونه أكثر من عبقري عربي، فاق أهل عصره في التشريع والتقنين وتدبير الحروب.(قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادري ما يفعل ولا بكم).
حقيقة أن الإسلام أراد منا أن لا نتخذ الخوارق سبلا نتطلبها، ولا أن نرى فيها أكثر من نوع من أنواع البراهين الحسية التي جعلها الله لأنبيائه، ولا أن نخرج بها من حدود الإمكان العقلي.
ولذلك أجاب الله على لسان نبيه الذين تطلبوا أكثر من ذلك أن تسقط السماء كسفا عليهم او امن يصعد إلى السماء فينزل عليهم كتابا يقرأونه منها: (سبحانه ربي هل كنت غلا بشرا رسولا) وقال?قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا).
أما شبهة أن الخوارق تقتضي إبطال الكون ونواميسه التي قال الله عنها أنها لا تتبدل، فيجيب عنها عبده بأن الله قادر على أن يجعل من نواميسه ما تندرج فيه تلك الخوارق(فإن قيل: أن ذلك لابد أن يكون تابعا لناموس طبيعي، قلنا أن واضع الناموس هو موجد الكائنات، فليس من المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على من اختصه الله بفضل من عنده، على أننا بعد الاعتقاد بأن صانع الكون قادر مختار، يسهل علينا العلم بأنه لا يمتنع عليه أن يحدث الحادث على أي هيئة، وتابعا لأي سبب إذا سبق في عمله أنه يحدثه كذلك).
وأما ادعاء رشيد رضا بأن النبي عليه السلام لم يتحد أحدا بغير القرآن، معتمدا على أن الفرق بين المعجزة والكرامة هي أن الأولى تكون مقرونة بالتحدي، فهو مجرد دفع لا يقوى على الثبوت، لأن المتكلمين الذين اصطلحوا على تلك التفرقة لم يقصدوا غير ما سبق أن نقلناه من الأستاذ الإمام من اقتران ادعاء النبوة بوقوع المعجزة، وقد نص الدواني على أنه لا يشترط في المعجزة صريح التحدي، والذي يظهر لي لأن المقصود من التفرقة هو منع غير النبي من ادعاء الإتيان بالخارق مع ادعاء الولاية،  لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الصلاح الذي يقوم على التواضع لله وللخلق، ولولا أن النبوة تحتاج لبرهان لما أباح الله لأنبيائه أن يظهروا خوارقهم وأن أكرمهم بها.
وإذا كانت الخوارق تدخل في قدرة الله، فمعنى ذلك أن الخالق مطلق التصرف في كونه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ,إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وتلك هي عقيدة الإسلام التي يقررها الأستاذ في رسالة التوحيد ص 53 وما بعدها، وقد أورد الأستاذ فرح انطون في مجلة الجامعة شبهة على هذه العقيدة، هي الشبهة التي اعتاد فلاسفة العصور الوسطى توجيهها لسائر الديانات لأنها جميعها متفقة على أن  الله هو الفاعل المختار لا يسال عما يفعل وهم يسألون.
وقد بين الشيخ محمد عبده في رده على الجامعة، أن هذا الأصل لازم لوجود الخالق، لأن هذا العالم إذا كان موجودا بعقل موجد فموجده هو خالقه، وهو
مطلق التصرف، بمعنى أنه يختار ما يخلق على الوجه الذي يخلق، ثم بين أن المتكلمين وان يتفقوا على أن الله مختار، انقسموا إلى فريقين عظيمين فالقدرية منهم ويسمون بالمعتزلة أيضا قالوا أن الخالق وضع للكون نظاما تنطبق أصوله على مصالح المخلوقين، وأودع في المخلوقين قوة أو قدرا تصدر عنها آثارها بطريق التوليد أو السببية أو بطريق الإرادة والاختيار، فهذا فريق من المتكلمين لا يخالفون الفلاسفة في أقوالهم، وقد بقي من أهل هذا المذهب طائفة الشيعة الأمامية والزيدية الذين لا يخالفون المعتزلة في هذه الأصول، والفريق الثاني الذي يرى إسناد الآثار إلى الخالق مباشرة لم يقطع العلاقة بين الأسباب الظاهرة ومسبباتها، بل قال أن الله يصدر وجود المسبب عند وجود السبب.
شرح عبده في غير ما وضع من أبحاثه اختيار الله في أفعاله وقضائه، بوجود نظام فطري يشتمل على نواميس كونية كتب على نفسه سبحانه أن يسير العالم بمقتضاها، وهي التي لا تجد لها تبديلا، ولكنه لم يقف موقف الرد على متفلسفة الغرب الذين يريدون التنقيص من قدر الإسلام بسبب هذه العقيدة، إنهم يقارنونها بالقانون الطبيعي أو طبائع الأشياء التي يزعمون أنها من رقي المسيحية، وعدم اعتقادها سر تأخر المسلمين، والواقع أن القوانين الطبيعية هي النظام العام، وهي قوانين موضوعة يمكن تغييرها قطعان لأنها ليست ناشئة من طبائع الأشياء نفسها كما يزعمون، ومعنى تسميتها بالقوانين أنها قضايا كلية مطردة الصدق اطرادا عاديا غير بالغ مبلغ والواجب، فتخلفه ليس مستحيلا عقليا، ,غلا لما كان هناك شيء يصح أن يقال له : قوانين طبيعية، ولذلك أنكر الفيلسوف هيوم العلم.
قال الشيخ مصطفى صبري ص 30 من ج 4 من كتابه(موقف كونت في لأن يجعل قوانين العلم، أي العلم الحديث المبني على التجربة، ضرورية فلم ينجح. وقال أميل سيه أن العلم مع كونه ترقى كثيرا في مطالعة الطبيعة لم يثبت في وقت من الأوقات أن القوانين الطبيعة قوانين ضرورية هندسية) يعني أنها ليست مستحيلة التغير. وقال (لبيفتز): ليست القوانين الطبيعية عندية محضة كما ادعى بافل، ولا ضرورية بالضرورية الهندسية. وقال (هانري بوانكاريه) في كتابه(الفرضية والعلم) القانون التجريبي عرضة دائما للتصحيح، فهو لا يزال يتوقع تبديله بقانون أقوى منه) وقال الفيلسوف مالبرانس: (إنما نرى نحن توالي الحوادث ولا نرى الرباطة التي تربط أحد الطرفين بالآخر، فلماذا تبقى هذه الرباطة مستخفية عنا ؟ لكونها شيئا إلاهيا لا يوجد مثله في المخلوقات)
وقد كنت قلت وأنا في المنفى في قصيدة ما يتفق مع هذا المعنى:
أسير ما بين أمواج مسخرة
من الحقائق في رمز الإحاطات
أرى معارضة فيها ورابطة
لها وأجهل أسرار الرباطات
بقي أن نقول : أن المسيحية نفسها لا تعترف بالقوانين الطبيعية، أي ما يسميه المسيحيون اليوم بطبائع الأشياء، وقد اصدر الاكليروس سنة 1215 تحريم دراسة أرسطو، خصوصا تلاخيص ابن سينا، ,اصدر سنة 1231 البابا غريقوريوس التاسع تحريما لدراسة فلسفة العرب، وكان من أهم الأسباب، وأن هذه الفلسفة تجعل للكون نواميس طبيعية، وحمل القديس طوماس على فلسفة ابن رشد وشنع عليه إنكاره المزعوم للنهاية الإلاهية وتدخلها في الحوادث. وقد قرر مجمع باريز اللاهوتي سنة 1269 تحريم الاعتقاد بمبادئ كثيرة من عقائد قدماء الفلاسفة، منها المسائل الثلاث التي كفر المسلمون بها أولئك القدماء:
1)علم الله بالجزئيات
2) إنكار حدوث العالم
3)حشر الأجساد بعد الموت.
وأضاف إليها المجمع التفكير باعتقاد أن العناية الالاهية لا تؤثر في أفعال الإنسان ولا تديرها، وإنكار أن الله لا يقدر أن يجعل الشيء القابل للموت والفناء (أي الإنسان وما سواه) خالدا باقيا.
ثم أن نقد المسيحيين لقانون العلة، لم يكن إلا بعد ترجمة كتاب التهافت للغزالي، واطلاع آباء الكنيسة عليه، ونفوذ تعاليم الغزالي لما لبرانش الذي درس اللاهوت دراسة متينة، ورسم كاهنا، وأخذ يعالج المسالة علاجا ميتا فيزيقيا يشبه علاج الغزالي لها، وهكذا نرى أن الغزالي اثر على دكارت في فلسفة التشكك، ,اثر أيضا على أحد رجال تلك المدرسة الممتازين في نقده للعلية، وقد مهد مالبرانش وبركلس الذي ارجع العلية إلى العقل، لهيوم، الذي قضى على العلية تماما إذ اعتبرها من عمل المخلية فحسب.(الدكتور النشار – مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص128).
وإذن فالإسلام والمسيحية وسائر الديانات متفقة في أن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة، ومعنى هذا أن نواميس الله في الكون أو القوانين الطبيعية قائمة بجعل الله، وأن المسبب يقع عند السبب بإرادة الله لا بالسبب، وذلك هو الاطراد العادي الذي لا يدخل تغيره أو تخلفه في دائرة الاستحالة العقلي بحال.

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here