islamaumaroc

الأثر القرطاجني في الشمال الإفريقي

  دعوة الحق

44 العدد

اللغة العربية أيام العباسيين:
العصر العباسي منسوب إلى الدولة العباسية التي خلفت الدولة الأموية سنة 132هـ وكان أول ملوكها هو أبو العباس السفاح ولم تكن أيامه أيام إزدهار علمي وإنما كانت لتركيز النظام الجديد عن طريق القوة، وأن لقبه بالسفاح ليدل على ذلك، ثم خلفه أخوه أبو جعفر المنصور، وكان عالما مهتما بالعلماء وبدأت الحركة العلمية في أيامه تبدو ثم كان بعده المهدي ثم الهادي ثم هارون الرشيد وقد بلغ اعتناؤه بالعلم أنه كان لا يسافر إلا ومعه مائة عالم يشاورهم ويهتدي برأيهم، ثم كان الامين، فالمامون وهو الملك السابع من الدولة العباسية وقد ولى الخلافة سنة 218هـ ويعتبر أعظم ملك فيها على الإطلاق.
وقد قررنا مرارا أن اللغة لا تسمو إلا بأصحابها وأنها لا تكتسب القوة إلا عن طريقهم ولذلك نرى أن اللغة العربية أيام مجد العرب لم تجد من وصفها بالجمود والانحلال والتقهقر لان القوة كانت بيد العرب.
وحيث أن العرب كانت لهم في صدر الإسلام وفي العصر الأموي وفي العصر العباسي قوة، كانت لغتها تسرع إلى الشعوب بقوة هائلة، ويتسابق الناس إلى تعلمها لأنهم يعلمون أن الاطلاع عليها سيقربهم من كراسي الحكم وسيجعل لهم عند المسلمين جاها.
ولما تولى المامون الخلافة لم يترك التقدم العملي للمصادفة، بل أسس مدارس خاصة للتعليم واعتنى بالكتب العملية وأسس خزانة عظمى سماها «دار الحكمة» ويقال أن هاته الخزانة كانت تضم جل الكتب التي ألفت باللغات الأجنبية، كاليونانية والفرسية والعبرية والهندية.
ولقد اتصل بملوك الروم فأرسلوا له بعض الكتب وجعل من شروط صلحه مع ميخائيل الثالث ملك البزنطيين أن يرسل إليه بعض الكتب النادرة.
ولم يكن هم المامون هو جمع الكتب، ولكنه كان يرى أن أعظم شيء يمكن أن تثبت به قواعد الدول هو العلم، ورأى أن اللغة العربية كانت تتسع للدراسات الفقهية والأدبية واللغوية، وأن العرب كانوا مشهورين بالشعر والفقه والكلام، ولكنهم كانوا في حاجة إلى الرومانيين في الطب ونحوه، ورأى أن الذين يدرسون هاته المواد من العرب يرجعون فيها إلى ما خلفه اليونانيون، لذلك رأى انه لا يهدا له بال إلا إذا ضمت اللغة العربية كل ذلك فجمع علماء يحسنون اللغة العربية واللغة الأجنبية وخصص فريقا لترجمة الكتب الفارسية وفريقا لترجمة الكتب اليونانية وآخرين لترجمة الكتب العبرية والهندسية وأصبحت اللغة العربية ترحب بهاته العلوم ووسعتها جميعها.
وقد عمل المأمون على ترجمة جل ما ألفه أفلاطون وأرسطو وسقراط وجالينوس وأوكليد (افليدش) من اليونان، وعمل على ترجمة جل ما ألفه الفرس من كتب الأدب والفلسفة كما عمل على نقل ما عند الهنود من الكتب في الحساب والنجوم.
وضم حوله جماعة من المترجمين ينتمي أكثرهم إلى المسيحيين، وأسس مدرسة للترجمة أدت أكبر الخدمات إلى اللغة العربية وإلى العرب أنفسهم.
يقول سيديو Sedillot أحد المؤرخين الفرنسيين المولودين بباريس سنة 1808م في كتاب له إسمه خلاصة تاريخ العرب: «إن العباسيين رتبوا خمسة عشر ألف دينار لمدرسة يتعلم بها مجانا ستة آلاف تلميذا من الفقراء والاغنياء، وانشأوا مراكز للتعليم الحر رخصوا الدخول فيها لمن أراد، فانتشرت اللغة العربية في سائر جهات آسيا حتى تكلموا بها بدلا عن لغتهم، واعتاد المامون ومن اقتدى به بعده حضور الدروس العامة التي يلقيها المدرسون» ويقول أيضا: «إن العباسيين بنوا أرصادا بها آلات عجيبة للاستكشاف الفلكي ومستشفيات يمتحن فيها من أراد أن يوظف عدة امتحانات».
ونحن إذا ما رأينا شهادة هذا المؤرخ الفرنسي فإننا لنعرف ما أدته الدولة العباسية إلى الحضارة العربية من مجد، وقد كان المامون ينفق بسخاء على ترجمة الكتب بحيث كان يعطي نفقة شهرية تعد بخمسمائة دينار في الشهر لكل مترجم، ومما يحكى أن المأمون كان يعطي لحنين مترجميه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية مثلا يمثل (1).
ولما نقل العرب هاته العلوم لم يكونوا جامدين بل تصرفوا فيها وشرحوها وحللوها وربطوا بعضها ببعض وبينوا الاسباب لبعض المظاهر الطبيعية كالإنعكاس الضوئي مثلا الذي يتجلى في قوس قزح.
وقد اخترع العرب بلغتهم العربية القواعد الأساسية لعلم الجبر حتى أن هاته الكلمة مأخوذة من اسم كتاب الفه محمد بن موسى الخوارزمي للمامون اسمه «حساب الجبر والمقابلة» وفر المأمون أمره بتأليف كتاب بأسلوب بسيط يبين فيه طريقة المعادلات الجبرية، كما أنهم قد اشتهروا بالطب والفلسفة حتى أن أبا بكر الرازي (864-932م) لقب بجالينوس العرب لاعتبار مهارتته في الطب، وقد استطاع أن يشخص مرض الحصبة والجدري والسل، وهو أول من أشار إلى وجود الجراثيم قبل أن يقول باستور ذلك بألف سنة، وألف باللغة العربية كتبا متعدد في ذلك وترجمت فيها بعد إلى اللغة اللاتينية، واشتهر بين العرب أبو نصر محمد الفارابي (260-334هـ-873-950م) الملقب بالعلم الثاني لأنه سعى إلى التوفيق بين آراء أرسطو وأفلاطون.
ونحن إذا ما تحدثنا عن الحركة العلمية أيام العباسيين وركزنا اتجاهنا في نهضة اللغة العربية من الناحية العلمية دون غيرها لندل على أن لغة العرب لم تكن لغة الأدب فقط، بل هي لغة العلم أيضا، وقد شاهدنا بعد هذا النهوض الموجز أن العرب كانت لهم شخصية قوية في خلق اتجاه علمي جديد كان له أكبر الأثر في توجيه العرب فيما بعد.

اللغة العربية بالمغرب والأندلس:
وإذا كنا رأينا ما حققته اللغة العربية من نصر في الشرق، فيجب أن نعلم أن العرب بالمغرب والأندلس لم يكونوا خاملين، بل إنهم كانوا يعملون جهد مستطاعهم على أن تكون اللغة العربية هي اللغة السائدة فإن عبد الرحمن المامون الداخل إلى الأندلس والملقب بصقر قريش قد أقام دولة بالأندلس تناهض دولة العباسيين، كما أن المولى إدريس قد أسس بالمغرب الاقصى دولة بالاستعانة بالبربر، وكانت اللغة العربية هي اللغة التي يعمل كل من هذين المؤسسين لتكون هي الرسمية في البلاد إلا أن الدولة الاموية بالاندلس كانت لها من القوة ما هو أشد من دولة الادارسة نظرا للعصبية العربية التي كانت قوية بالاندلس، وقد بلغت هذه الدولة أوج مجدها أيام عبد الرحمن الناصر ما بين سنة 300و 350هـ.
وانتشرت اللغة العربية في الاندلس أيام الامويين انتشارا لا مثيل له، حتى قال دوزي في كتاب له أسمه تاريخ مسلمي إسبانيا: «أن إسبانيا المسلمة كادت كلها تقرأ وتكتب على حين أن الطبقة الرفيعة من أوربا المسيحية لم تكن كذلك إذا استثنينا رجال الدين».
وعن طريق الاندلس والمغرب انتقلت حضارة العرب إلى أوربا، وعن طريق العرب عرف الاوربيون إشعاع الحضارة واهتدوا إلى المعرفة وانتقلوا من جهالة القرون الوسطى إلى عصر النهضة، ولولا العرب لتأخرت حضارة أوربا قرونا أخرى، ولقد شعر الاوربيون حينما اتصلوا بالعرب بأنه يجب عليهم أن يقتدوا بهم، وأن يطلعوا على علومهم، وأن يترجموا كتبهم، وأصبحوا يؤمون الجامعات العربية ليتعلموا وتوجه الفرنسيون ومن جاورهم إلى طليطلة وقرطبة وفاس وغصت جامعة القرويين بالوفود من كل ناحية.
ولقد اشتهرت هاته الجامعات بالمحافظة على اللغة العربية وعلى الثقافة الإسلامية وعلى نشر العلوم العامة فكانت هي الواسطة بين حضارة اليونان القديمة وحضارة أوربا الحديثة.
ولم تصل حضارة العرب إلى اوربا عن طريق الثقافة، بل وصلت كذلك عن طريق الفتح العربي، فالعرب كانوا قد وصلوا إلى اسبانيا واحتلوا صقلية وغزوا فرنسا ووقعت جل مدنها الجنوبية في قبضتهم، فاحتلوا بروفانس وبوردو ومرسيليا وأرنو ووصلوا إلى بواتييه، ولا شك أن هذا الاحتلال اثر على الحضارة الاوربية وعلى لغتها ودخلت عدد من الكلمات العربية إلى لغتهم فنجد مثلا لفظة damasquiner بمعنى رصع أي خلط النحاس ببعض الخطوط الذهبية أو الفضة وذلك بارجاعها إلى تلك الصنعة الفنية التي اشتهرت بها دمشق، ونجد أيضا كثيرا من الكلمات الداخيلة في لغتهم كلفظة eoton قطن magazins مخازن، ولفظة ehemise قميص، ولفظة ehéque مسك، وغير ذلك كثير.
ولم يقتصر العرب في الاندلس والمغرب على الاطلاع على العلوم الرياضية فقط، بل اشتهروا بعلم الجغرافية والتاريخ والرحالات ومن أشهرهم الإدريسي السبتي 1166م (560هـ) الذي ذهب إلى صقيلة وأتصل بملكها روجر الثاني فألف له كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق في شرح الكرة الأرضية الفضية التي رسمها الشريف الإدريسي باللغة العربية، ورسم في هذا الكتاب إحدى وسبعين خريطة تناقلها الاوربيون وترجموها إلى لغتهم.
وإننا بعد هاته النظرة نجد أن العرب إذا كانوا عملوا ما في جهدهم ليكونوا سادة العالم وإن كانوا قد جعلوا من لغتهم لغة تتسع لجميع العلوم والآداب فإنهم أيضا استطاعوا أن يدخلوا إلى أروبا الكتابة الموسيقية فإن ما خلفه زرياب الموسيقى في أصول الموسيقى الاسبانية ليعد دليلا على ما كان للعرب من مجد وحضارة.
يقول عمر الدسوقي في أحد أعداد مجلة الامالي «فالموسيقى يدين بها الاوربيون للعرب إذ أن آلاتها عربية، فالقيثارة والعود والرباب كل ذلك من اختراع العرب وليس هذا عجيب بل أن النوطة الموسيقية التي اخترعها الخليل بن أحمد، وزاد عليها الفارابي والكندي وابن سينا مع ما عرفوه من الموسيقى اليونانية، قد أثرت أثرا كبيرا في الموسيقى الاوربية إذ لم تكن اوربا قبل العرب تعرف العزف الجمعي (اوركسترا) إلى أن دخلت الكتابة الموسيقية العربية».
وإننا إذا ما أطلنا في ذكر الحضارة العربية فلأننا نؤمن بأن هاته الحضارة كان للغة العربية أكبر الأثر في تدوينها والعمل على نشرها بدليل الحركة الإستشراقية التي انبثقت من اروبا لتنقل كل ما عندنا إلى الأوربيين وبدليل ما خلفته هاته الحركة من اثر على الاتجاه العلمي في اوربا ما زالت تستغل نتائجه إلى الآن.

اللغة العربية أيام المماليك والعثمانيين إلى سنة 1220 هـ:
في سنة 556هـ (1258م) انقض التتار على بغداد وخربوها واحرقوا عددا كبيرا من الكتب العربية وقتلوا المستعصم آخر الملوك العباسيين، وضعف بذلك شأن اللغة العربية، إلا أن الدولة في مصر كانت بيد المماليك ولم تكن لهم لغة خاصة يقاومون بها اللغة العربية لذلك بقيت بعض الحركات العلمية باللغة العربية في مصر والشام والمغرب والأندلس، ومع ذلك الترك على كثير من دول الشرق وجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية في الدولة التابعة لها، وتبع هذا الضعف انحلال في الاتجاه الفكري العربي وفي الأسلوب الأدبي وغلب على التأليف مظاهر من السجع المكلف والاعتناء بالجناس والطباق والمحسنات اللفظية، إلا ما شذ من بعض البلدان حيث ظهر فيها بعض المؤلفين الأفذاذ كابن خلدون بتونس والسيوطي بمصر، ولم يبق اعتناء الشعب باللغة لأنها لم تبق موصلة إلى كراسي الحكم بل ضعف شأن العلم نفسه لان كثيرا من المناصب القضائية أصبحت تورث ولو من أب عالم إلى أبن جاهل وهكذا نعتبر هذا العصر هو عصر الانحطاط اللغوي ولا نطيل فيه الحديث فلننتقل منه إلى عصر النهضة.

عصر النهضة 1220هـ:
لا نعيش اللغات إلا بأحياء ذويها، ونحن نرى أن اللغة العربية قد ضعفت لما استولى التركيون على الحكم في الشرق وكذلك لما عمل الاسبانيون على إرجاع الاندلس من المسلمين، وأما في المغرب فقد ضعفت أيضا نظرا لان الاتجاه العملي في المغرب حينذاك إنما كان يقوم على رد كل عدوان سواء عن طريق الغرب أو الشرق، وبقي المغرب محافظا على عروبته ولم يستطيع العثمانيون الأتراك أن يحتلوه رغم ما كانوا يقومون به من مناورات، ومن يدرس تاريخ الدولة السعدية يعرف ما كان يقوم به المغرب من الأعمال لحفظ حريته وعروبته سواء من غزو البرتغاليين والاسبانيين أو من جشع التركيين.
ولكن لا نستطيع أن نتغافل عن الوعي العربي الذي انتشر في الأمم العربية في أوائل القرن الماضي وعن التفكير الذي أصبح يسود العرب لرد مجدهم وقد انتبهوا لذلك يوم عزا نابليون بونابرت مصر فادخل المطبعة إليها وفتح المدارس ونظم المصانع، فلما أخرجه المصريون واستولى محمد علي على الحكم أراد أن يأخذ النظم الاوربية وأن يجعلها أساسا لدولته، لذلك رأى أنه لا يمكن أن ينجح إلا إذا عمل على أحياء اللغة العربية وعلى ترجمة العلوم من اللغات الاوربية وبذلك ابتدأت الحركة العلمية من جديد وأصبحنا نأخذ ما كنا قد أعطيناه وأرسل البعثات إلى أوربا، كما قامت جامعة الازهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة القرويين بفاس بأعظم الأثر في حفظ اللغة خصوصا عندما أصبح الاوربيون عازمين على غزو هذا الوعي العربي متفقين على تجزئة العرب واحتلالهم والقضاء على معنوياتهم واستغلال أرضهم وعقولهم، فاستعمرا أرضنا واستعمروا أرواحنا بما كانوا ينفثونه من أفكار فتاكة تقضي على تراثنا وتنسينا تاريخنا، وعملوا جهد مستطاعهم على أمانة لغتنا ونعتوها باللغة الميتة ولكننا حينما شعرنا بأن اللغة لا تموت إلا إذا مات أهلها، قام العرب في كل أنحاء العالم يعملون على تهذيب لغتهم واجتهدوا في تطعيمها وتقليمها حتى تصبح صالحة للتقدم العلمي الجديد وقامت حركة مبكرة في القرن الماضي وما زالت تؤتي أكلها إلى الآن.
ابتدأت حركة النقل في عصر النهضة بمدرسة الترجمة التي كان يرأسها في مصر الاستاذ رفاعة الطهطاوي وهو الاستاذ الفذ الذي اخذ ثقافته في جامعة الازهر، ثم أرسل إماما لبعثة علمية إلى فرنسا فاستهوته اللغة الفرنسية فدرسها، ولما رجع إلى مصر أصبح مدير مدرسة ابي زعبل للترجمة وكانت تضم مائتين وخمسين تلميذا من بينهم علي مبارك الذي اختص في الهندسة وعمل على نقل كثير من الكتب العلمية من اللغات الاجنبية، وهو الذي أعطى الأمر لما كان وزير التعليم بمصر على نقل جل الكتب التي تعترف للعرب بقيمتهم ومنها كتاب خلاصة تاريخ العرب لسيديو الذي أخذنا بعض فقراته حين التكلم على اللغة العربية أيام العباسيين، ومن أعماله العظيمة انشاء دار الكتب، وإنشاء مدرسة دار العلوم وفق فيها بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث، توفي سنة 1311هـ.
ومن الله على اللغة العربية حين بعث في القرن الماضي الإمام محمد عبده فأحياها من الاندثار وعهد إليه بتدريسها في دار العلوم، فكان خير أستاذ استطاع أن يدل التلاميذ على مكنون اللغة وجواهرها وعلى قدرتها على التعبير عن جل المعاني، إلا انه لاحظ أن بعض الكتب التي ترجمت فيها نوع من الركاكة الحديثة، لذلك اتفق مع بعض أصدقائه على إيجاد مجمع لغوي يحددون فيه الكلمات العربية المناسبة لتلك المصطلحات، ولكن هذا العمل لم يتم نظرا لكثرة الحوادث السياسية التي كانت تحيط بالدولة المصرية والتي شغلت هؤلاء العلماء، ولكن الفكرة لم يقض عليها بل استمرت في النفوس إلى أن وجدت من الاستاذ محمد كرد علي رحمة الله رجلا قوي العزيمة والإيمان فاتفق مع جماعة من أصدقائه وأسسوا المجمع اللغوي العربي سنة 1920 بدمشق، وسار على نهجه مجمع آخر تأسس بالقاهرة سنة 1934، ولقد عمل هذان المجمعان ما في استطاعتهما لنقل كثير من المصطلحات العلمية، وتأسست بعض المجامع في بغداد وغيرها، وفي السنة الماضية تأسس مجمع لغوي بالرباط وسيتعاون هؤلاء على تعزيز جانب اللغة العربية في العصر الحديث.
وما مؤتمر اللغة العربية الذي انعقد بالمغرب إلا دليل على اهتمام العرب بمستقبل لغتهم.
ولم يعد الآن شك في اعتبار اللغة العربية لغة حية وأن اعتراف هيئة اليونيسكو بها لأكبر دليل على ذلك فقد طبعت لأول مرة مجلتها (البريد) بلغتنا وذلك بتاريخ 16دسمير 1960 ولقد خصصت اعتمادا كبيرا للتعريف بالأدب العربي وعلوم العرب إلى العالم كله.
إنه من العار أن تعترف هيئة دولية بلغتنا في الوقت الذي ما يزال فيه بعض الشباب العربي لا يومن بها ولا يعمل على نشرها بكل الوسائل، أن قوميتنا لا تثبت إلا على أساس اللغة العربية وذلك لان تراثنا لا يتجلى للعيان إلا بواسطتها فلنقتد بتاريخنا، ولنعمل على تحقيق مجدنا، ولنقبل بكل قوانا على التعريب والاستفادة من الانطلاقة الادبية الشعبية ومن الاتجاه العلمي المنظم الذي تنشره مجامعنا.
إننا إذا رددنا بأن اللغة العربية ضعيفة أو بأن فكرنا ضعيف فإنما ذلك اعتراف لما يردده اعداؤنا يجب أن نتحداهم، وأن نجعل لغتنا لغة العلم كما كانت من قبل فإذا ما قلنا في المغرب أن التعريب لا يمكن نظرا لعدم وجود الاساتذة باللغة العربية وانتظرنا حتى يوجدوا، وآمنا بأن هاته العلوم يجب أن تدرس بلغة أجنبية فلا شك أن الذين سيوجدون سيكونون جاهلين باللغة العربية أيضا، فإذا أردنا أن نعرب التعليم بعد عشر سنوات فسيقول الآخرون: أن التعريب لا يمكن نظرا لعدم وجود الاساتذة باللغة العربية ولننظر حتى يوجدوا وهكذا تستمر العلة ويستمر التعليم بلغة غير لغتنا.
نحن لا ننكر فضل اللغات الأخرى على العالم وعلينا أيضا ولكننا ننكر أن ننسى لغتنا وحضارتنا وتاريخنا ونتصل بلغة أخرى فنطلع بواسطتها على حضارة الأوربيين وعلومهم فنعظمهم ونستصغر تراثنا وعروبتنا، ونحن لا ندعي أن اللغة العربية أصبحت الآن في طور الكمال لان هذا الاعتبار سيعد من خطل القول، ولكننا نريد أن نقول أن اللغة التي استطاعت أن تنهض أيام العباسيين وأن تسع حضارة اليونان، تستطيع الآن إذا ما توحدت جهود العرب أن تساير الركب وأن تكون في مقدمته.
لذلك يجب أن نضع أنفسنا أمام الأمر الواقع وأن نعلم تعريب التعليم وبذلك سنضطر إلى إيجاد ما عجزنا عليه، لان الحاجة دائما هي التي تدعو إلى الاكتشاف والاستنباط سواء في حاجيات الانسان الضرورية أو في التعبير عن مفاهيمها بعد اكتشافها، ونحن نرى أن كثير من الاختراعات الحديثة قد وجدت من العرب عند إرادة التعبير انطلاقا من ألسنتهم وفكرهم فاختلقوا لها معاني جديدة كانت ملائمة للمعنى المقصود بها بعد الوضع، فالقطار والسيارة، والدبابة أو الزاحفة، والصاروخ، والقنبلة الذرية بدل على أن في لغتنا تعابير يمكن أن تستعمل للدلالة على جل المخترعات.
وما هاته الأمثلة إلا أدلة على أننا إذا هيأنا الفرصة لانتشار لغتنا فسيجد المجال كثير من العلماء والأدباء لخلق ما احتجنا إليه.
وليعلم العرب أنه لا يرجع إنجاح لغتنا إلا لايدينا فلنؤمن بانتصارنا ولنعتقد ذلك لان الإيمان هو أساس النجاح ومهما دخل الايمان بشيء في قلوب قوم إلا حولوه من طريق التفكير إلى طريق التطبيق والانجاز.

 (1) عصر المامون للدكتور أحمد فريد الرفاعي ط الرابعة ج 1 ص 377. 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here