islamaumaroc

[دواء الشاكين وقامع المشككين] أكبر معمل في العالم -16-

  دعوة الحق

44 العدد

قال الأستاذ كريسي مورسن رئيس المجمع العلمي الأمريكي سابقا في ابتداء الفصل: لقد ألفت كتبا في فيزولوجية الهضم، أي علم خواص أعضاء الهضم ولكن كل عام يمر علينا يجئ باكتشافات جديدة مدهشة تجعل هذا الموضوع جديدا على الدوام. وإذا فكرنا في الهضم من حيث هو عمل في معمل كيماوي، وفكرنا في الطعام الذي نتغذى به على أنه مواد أولية يتكشف لنا أن ذلك عمل عجيب لأنه يهضم كل شيء يؤكل ما عدا المعدة نفسها. أولا نحن نضع في هذا المعمل أنواعا مختلفة من الأغذية على أنها مادة أولية دون أن نحسب أي حساب لذلك المعمل ولا أن نفكر كيف يعالج هضمها بطريقة كيميائية بديعة. فنحن نأكل قطع اللحم والكرنب والحبوب والسمك المقلي وندفعها إلى أسفل بأي قدر من الماء ونضيف إليها الخمر والخبز والفول. وقد نضم إلى ذلك كبريتا وعسلا أسود، دواء نأخذه في زمان الربيع. ومن بين هذا الخليط تختار المعدة الأشياء المفيدة بتحليل كل صنف إلى أجزائه الكيميائية الدقيقة دون اعتبار للفضلات، ثم تركب الباقي فتجعله (بروتينات) جديدة، و(البروتين) مادة غذائية أولية توجد في البيض والبن والجبن، وتتألف من الكربون والإدرجين والأكسجين والنترجين وبعض الكبريت) وهذه المادة تصير غذاء للخلايا المختلفة. وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود والحديد وكل مادة أخرى ضرورية، وتعتني بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية حتى يمكن استخراج الهرمونات بأن تكون جميع الضرورات اللازمة للحياة موجودة بمقادير منظمة معدة لمواجهة كل احتياج. وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية لتلافي كل حالة طارئة كالجوع القاتل، تفعل ذلك كله دون أن يشاركها الإنسان بتفكير أو رأي. ونحن نصب هذه المواد المختلفة التي لا تحصى في هذا المعمل الكيميائي بقطع النظر تقريبا عما نأكله ونشربه، معتمدين على ما نعتبره عملا سائرا من تلقاء نفسه ليحفظ علينا الحياة. وإذا تحللت هذه الأطعمة وجهزت من جديد تسلم باستمرار إلى كل خلية من الخلايا التي يتألف منها الجسم البشري وتعد بالبلايين وعددها في جسم الإنسان أكثر من عدد جميع البشر الذين يعيشون على وجه الأرض. ويجب أن يكون تقديم هذا الغذاء إلى كل خلية على حدتها باستمرار، ولا يجوز أن يقدم لأي خلية من المواد الغذائية إلا ما تحتاج إليه بخصوصها ليتحول ذلك الغذاء إلى عظام وأظفار ولحم وشعر، وكذلك العيون والأسنان كل خلية منها تتلقى غذاء خاصا. فهذا معمل كيميائي ينتج من المواد أكثر مما ينتجه أي معمل أوجده الإنسان بذكائه. وهنا نظام للتوزيع، يسير هذا النظام في غاية الدقة والكمال. ومن الطفولة إلى أن يبلغ سن الإنسان خمسين سنة مثلا لا يصدر من هذا المعمل أي خطأ له بال مع أن المواد التي يعالجها يمكن أن تكون أكثر من مليون نوع من ذرات المادة، وإذا صارت قنوات التوزيع متكاسلة من طول الاستعمال تحس بضعف في قابليتنا ثم تأتي الشيخوخة على إثره.
وحين تأخذ كل خلية حصتها من الغذاء المذكور فأنه لا يزال غذاء مجردا. ثم يصير عمل كل خلية منحصرا في الإحراق ومن ذلك تنشأ حرارة الجسم كله. وأنت لا تستطيع أن تحدث إحراقا بدون إيقاد.
فلا بد أن توقد النار أولا، وكذلك الطبيعة بإذن الله تهيئ تركيبا كيميائيا يوقد نارا مضبوطة لأجل الأوكسجين والهيدروجين والكربون، في الغذاء في كل خلية وبذلك ينتج الدفء اللازم كما يكون في كل نار، والنتيجة في بخار الماء، وثاني أوكسيد الكربون، والدم يحمل ثاني أوكسيد الكربون إلى الرئتين وهذا الشيء هو الذي يجعلك تستنشق بتنفسك نسيم الحياة. والشخص الواحد ينتج تقريبا في كل يوم رطلين (زهاء كيلوغرام) من ثاني أوكسيد الكربون ولكنه يتخلص منه بعمل عجيب. كل حيوان يهضم الطعام ويلزمه أن يحصل على المواد الكيميائية اللازمة لحياته الخاصة، حتى في التفاصيل الدقيقة تختلف المحتويات الكيمائية في الدم، تختلف في كل نوع مثلا. ولأجل ذلك يوجد عمل تشكيلي خاص لكل نوع. ففي حالة العدوى يغزو الجسم جيش من الجراثيم المعادية ولكن الجسم فيه أيضا جيش من الذرات المدافعة تنازل ذلك العدو المغير فتقاتله وتنتصر عليه في أكثر الأحيان فيسلم الجسم من الموت. ومثل هذه المعجزات المجتمعة لا يمكن أن توجد بأي حال من الأحوال إلا مع وجود الحياة. وكل ذلك يقع في نظام كامل، والنظام هو ضد المصادفة على خط مستقيم. فهل يدل ذلك على مدبر عليم حكيم؟ إن كان الأمر كذلك فهو ناشئ عن الحياة. وما هي الحياة.
تعليقات
1) قوله – ولكن كل عام يمر علينا يجيء باكتشافات جديدة الخ. هذا شأن عقيدة الحق لا يزيدها مرور الزمان إلا اتضاحا ورسوخا وثباتا ولا يزداد أهلها إلا تمسكا بها وارتباطا. قال تعالى في سورة فصلت: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فكل من قرأ هذا الفصل وفهمه وأمعن في التفكر يرى حجة الله قائمة عليه في نفسه كما قال تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فمن كابر بعد قراءة هذا الفصل وما تقدمه في وجوده الله وإحاطة تدبيره وعلمه وقدرته، فأنه لا يحترم نفسه، إلا أن يكون إمعة غمرا عطل فكره وقلد غيره تقليد الأعمى لقائده، فمثل هذا لا كلام مع أنما هو كالإنعام، بل أضل سبيلا.
2) قوله – مواد أولية. أي بسيطة لم تدخلها الصنعة والتركيب
3) قوله – ما عدا المعدة نفسها الخ. ذكرني قول طبيب الأمراض الباطنية في معهد طبي تابع لجامعة (بون) عاصمة ألمانيا الاتحادية في الوقت الحاضر. فقد أصابني التهاب في المعدة بسبب تبدل الجو والغذاء وشدة البرد في شتاء 1937 فقال لي ذلك الطبيب وهو يشرح أسباب الالتهاب أن في المعدة سائلا هو الذي يهضم الطعام. وإن زاد احرق الطعام بسرعة فلا تستخرج منه المواد التي تعوض الجسم ما يفقده بالقدر الذي يحتاج غليه فتفرغ المعد بسرعة غير معتادة فلا يجد ذلك السائل ما يهضم فيشرع في هضم المعدة نفسها فيحس المصاب بالألم والجوع فيأكل. ثم يهضم ما أكل في كل ساعتين سدس ما يتغذى به اليوم. وإذا أشتد به المرض يحتاج إلى أن يأكل في كل ساعة من ساعات النهار. وإذا لم يعالج هذا الالتهاب علاجا ناجعا تنشأ عنه قرحة المعدة أو قرحة المصير الأثنى عشري وهي خطيرة. ولم استطع ملازمة الحمية بالدقة التي يتطلبها المرض، كذلك لم أستطع الأكل في كل ساعتين لأني أظل طول النهار في الجامعة فأصبت بقرحة الاثنى عشري وبقيت أقاسي الآلام والهزال والحرمان من الأغذية القوية كاللحم ما عدا الدجاج والخبز الطري والثمر والحوامض والموالح والتوابل أكثر من عشرين سنة . ولم ينصحني الأطباء الألمانيون بإجراء عمل جراحي ولكن طبيبا أسبانيا في مدريد نصح لي بذلك. وكذلك نصح لي طبيب إيطالي فلم أقبل نصيحتهما. ودخلت المستشفى في ألمانيا مرتين فلم أخرج منه بطائل. ولما أراد الله الشفاء زرت الدكتور بن زاكين في الدار البيضاء لعلاج مرض آخر فلما أراد أن يكتب لي الدواء أخبرته بأن عندي قرحة الأثنى عشري مخافة أن يكتب دواء يزيد في ألمها فكتب لي دواء للقرحة أيضا فاستعملته فشفيت من ذلك الداء العضال.
وبعثت به إلى مريض في ألمانيا الشرقية فشفي بعد ما أقام في المستشفى ببرلين شهرا كاملا بلا طائل وخرج بورقة الحمية المحتوية على قائمة الأطعمة الممنوعة كما خرجت بها أنا قبله والحمد لله الذي لم ينزل داء إلا أنزل له دواء كما في الحديث. وإنما أثبت هذه القصة هنا على طولها رجاء أن ينفع الله بها بعض القراء. ومن شاء معرفة هذا الدواء فأني مستعد أن أنشر أسمه في صفحات هذه المجلة.
4) قوله – كبريتا أو عسلا أسود، دواء نأخذه في زمن الربيع. هكذا جاء في الكتاب. وأنا لا أدري هل يعني المصنف دواء مرض يعينه أم يقصد دواء عاما ينفع جميع الناس.
5) قوله – البليون بكسر الباء في أمريكا ألف مليون. وفي بريطانيا مليون مليون. ولما كان المؤلف أمريكيا يحمل كلامه على الاصطلاح الأمريكي. أقول ويذكرنا هذا المعنى بقول الشاعر:
لئن كان جسمك جسما لطيفا
   ففيك أنطوى العالم الأكبر
6) قوله – وإذا صارت قنوات التوزيع متكاسلة من طول الاستعمال. يريد المصنف أن ذلك التكاسل يكون بعد الخمسين فيشعر الإنسان بالضعف شعورا بينا وبعد ذلك يجئ الهرم، وما بعد الهرم إلا الفناء (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)
7) قوله – ففي حالة العدوى إلخ. أكثر الناس أو كلهم يظنون أن المكروبات لم تكتشف في زمان العرب، وإنما اكتشفت على يد أطباء أوربيين في العصور المتأخرة. وهذا خطأ كبير، سببه تأخر المسلمين والعرب وإهمالهم لتراث إسلافهم. فقد ألف لسان الدين أبن الخطيب السليماني رسالة سماها (مقنعة السائل عن المرض الهائل) وصف فيها الطاعون الذي حدث في أواسط القرن الثامن الهجري بدأ في الصين وأكتسح أسيا وأفريقيا وجزءا كبيرا من أوربا، قال: ومات بسببه سبعة أعشار سكان الأرض. وفي هذه الرسالة وصف أبن الخطيب المعركة التي تقع بين جراثيم المرض المغيرة على الجسم وبين جيش الذرات الساهرة على حراسة الجسم. وهذه الرسالة موجودة في مكتبة أسكوريال بأسبانيا. وقد أخذت صورة فوتوغرافية لهذه الرسالة ونشرت ملخصا منها في الجزء الأول والثاني من مجلة لسان الدين التي أنشأتها في تطوان سنة 1946. ولولا خوف الإطالة لنقلت هنا كلام أبن الخطيب بألفاظه.
8) قوله – والنظام هو ضد المصادقة على خط مستقيم. فهل يدل ذلك على مدبر عليم حكيم؟ المنصف المفكر السالم من التقليد والتبعية فمن ترك عقله جانبا وزعم أن ذلك كله وقع على سبيل المصادفة، فهو أما بليد الطبع أو مكابر.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here