islamaumaroc

نشوء التفكير الفلسفي في الإسلام

  دعوة الحق

44 العدد

كان الاختلاف السياسي غداة وفاة الرسول عليه السلام حول مسألة الخلافة هو الشرارة الأولى التي أنقدح لها الفكر الإسلامي في الواقع، وقدر لها بعد ذلك أن توجه التفكير العربي طرائق مختلفة، صيغت على أساسها فيما بعد مذاهب شتى دينية وسياسية، فقد استحال الاختلاف عند المسلمين من صيغته السياسية إلى جدل في العقائد، وأصبحت كل مشكلة اجتماعية كانت أم سياسية تصطبغ بالصيغة الدينية أول ما تصطبغ، وتتصل –بحكم تغلغل بجذورها الدينية أول ما تتصل، وهكذا يصبح مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، أو نفي أبي ذر، أو التحكيم السياسي، ليس فقط مظهرا لانقلابات اجتماعية أو سياسية، وإنما هي أحداث في المستوى الديني أيضا، ولها تبريراتها الدينية، والواقع أنها كذلك ما دام الدين الإسلامي لا يقصر نفوذه على مجال دون آخر، لقد كانت أحداث الخلافة وتطور المجتمع العربي آثر الفتوحات في سباق مع الزمن كما نشأت مفاهيم مختلفة حول الخلافة أثارت جدلا كما أثارت معارك، واتخذت هذه الاختلافات أشكالها السياسية فيما بعد.
كان المسلمون يعيشون هذه الأزمة السياسية الدينية من ناحية، ويفتحون أمما وبلادا جديدة، ويتصلون بحكم هذه الفتوحات بشعوب جديدة تأخذ بعقائد مختلفة من مسيحية ويهودية وغنوصية شرقية، من ناحية أخرى، فقدر لهم أن يواجهوا نوعا من التحدي لعقيدتهم بتلك المعتقدات المفلسفة، والجدل الممنطق وذلك في مستوى أوسع وأخطر مما كان يثار على عهد رسول الله صلوات الله عليه، فالقرءان نفسه أثبت ذلك التحدي القديم في صيغ معروفة كمسألة القضاء والقدر، والجبر والاختيار، وطبيعة السيد المسيح عليه السلام، ومسألة الروح وغير ذلك من المسائل التي تدل دلالة قاطعة أن مناخا من الجدل والتحدي قد عاشه الرسول، فكان تحديد موقف الإسلام منه نواة التفكير الفلسفي في الإسلام.
ولقد انطوى هذا التحدي الذي انبثق خاصة من صفوف من أسلموا من يهود ونصارى وصابئة وبراهمة ومانويين على أسلوب خاص، فكان هؤلاء يعرضون لبعض ما يرونه تناقضا في ظاهر القرءان بين آيات تقول بالجبر وأخرى تعلن حرية الإنسان وآيات تنزه الباري تعالى تنزيها مطلقا عن كل تشبيه وأخرى تقتضي التجسيد والتجسيم، فكان على الفكر الإسلامي أن يواجه هذا التحدي بالرد على خصومه في الواقع، فكان من ذلك جدل عظيم.
ومن خلال هذا التحدي العنيف الذي واجهه المسلمون، وذلك الاختلاف السياسي العميق بينهم حول مسألة الخلافة وما نتج عنه من جدل ديني نشأة المعتزلة ليمثلوا الدور التمهيدي لظهور الفلسفة الإسلامية.
ويعزو الأستاذ زهدي حسن جار الله – وهو من الذين بحثوا في المعتزلة بحثا علميا مستفيضا- بعزو ظهور المعتزلة إلى أربعة عوامل مفصلا ذلك الإجمال الذي ألمعت إليه، وهذه العوامل كما يلي:    
أولها: السعي وراء حل مشاكل الاختلاف بين المسلمين، ذلك الاختلاف السياسي المعروف والذي آثار اهتمام المسلمين خاصة إلى ما اعتبروه «مجرمي الأمة» كقتلة علي وعثمان، والواقع أن مجتمعا كالمجتمع العربي إذ ذاك لا مناص له من التفكير في عواقب تلك الفتن السوداء من الوجهة الدينية، وهكذا ظهرت مشكلة ارتكاب الكبيرة، فكان لأهل السنة فيها رأي، وكان للخوارج رأي ثان، وللمرجئة رأي ثالث، واستفاض الجدل حول هذه المشكلة في كل مكان، فكانت هناك حلقات يشتد فيها الجدل ويطول، وهنا نروي القصة التالية كما يذكرها المؤرخون:
(دخل احدهم على الحسن البصري وهو يدرس في مسجد بالبصرة فقال «يا أمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيديه الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل أن العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا..؟» ففكر الحسن البصري وقبل أن يجيب قال وأصل بن عطاء: «أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين». ثم قام واصل بين عطاء، واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، فقال الحسن البصري: «اعتزل عنا واصل» فسمي أصحابه معتزلة..».
ومما لا شك فيه أن القول بالمنزلة بين المنزلتين كان محاولة اتخاذ حل وسط بين رأي يجعل الكبيرة لا تخرج من الإيمان وآخر يجعلها تخرج بصاحبها من الإيمان، والواقع أن هذا الموقف لم يأت بجديد من الوجهة السياسية بقدر ما آثار من المشاكل العقلية فيما بعد.
ثانيها: التأثير بالديانات والعقائد الأجنبية، ويفسر ذلك كون المعتزلة أنفسهم تأثروا باللاهوت المسيحي خاصة أيام الدولة الأموية التي قربت المسيحيين، وقد كان من أكبر متكلمي اللاهوت المسيحي يحيي الدمشقي الذي كان يشترك مع المسلمين في المناظرات، وألف رسائل عديدة وجدت صداها في آراء المعتزلة فيما بعد، وقد كان تلميذه أبو قرة تيودور يتصل هو الآخر بأهل الكلام من المسلمين، وهذا رأي يرتكز عليه معظم المستشرقين، ونحن وإن كنا لا نلح عليه كثيرا في تعليل وجود شبه بين آراء المعتزلة وبعض آراء يحيي الدمشقي وغيره من المسيحيين، فإننا نعتبر مجرد تأثر علماء الكلام المسلمين الأول بالآراء المسيحية واليهودية مسألة ثابتة من الوجهة التاريخية والنقدية، فمسألة القول بخلق القرآن تنتهي إلى أصل يهودي كما أشار إلى ذلك أبن الأثير الخطيب البغدادي وأبن قتيبة، والواقع أنه ليس مما يتطرق إليه الشك أن المعتزلة في منشئهم تأثروا بطائفتين كانتا قد تأثرتا أو قل كانتا قد استقتا آراءهما من اللاهوت المسيحي وبعض المذاهب اليهودية، وهما القدرية والجهمية، وهما حركتان سبقتا ظهور المعتزلة أما القدرية فنفت الجبر عن الإنسان، وأثبتت للإنسان قدرة على أفعاله، وأما الجهمية نسبة إلى جهم أبن صفوان- فقد قالت بخلق القرآن وإنكار الرؤية، وقدرة العقل على الوصول إلى المعرفة دون اعتماده على الشرع.
ثالثها: الدفاع عن الدين الإسلامي، فقد شعر المعتزلة بخطورة تسرب العقائد الفاسدة، خاصة من أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، وهم يعملون في الخفاء على تقويضه، والقضاء على سلطانه، وهاهي كتب المعتزلة وكبار متكلميها تشهد على أنهم وقفوا حياتهم للرد على المانوية والرافضة والجبرية والدهرية وسائر المجوس، فهذا واصل بن عطاء رأسهم، تحكي عنه زوجته أنه كان يقضي ليلته بين صلاة، وكتابة للرد على دعاة الآحاد والمذاهب الضالة، وهذا أبو الهذيل العلاف يؤلف ما ينيف على ستين كتابا في الرد على المجوس، وقد يعترض معترض في هذا الباب قائلا: كيف يجتمع أن المعتزلة يدافعون عن الإسلام، وهم متأثرون بالعقائد واللاهوت المسيحي مثلا كما تقدم، والجواب أن هذا التأثر بالفلسفة اليونانية التي صيغ اللاهوت المسيحي في قالبها وسيتضح ذلك فيما يلي:
رابعا: التأثر بالفلسفة اليونانية، فأن المعتزلة لما انبروا للرد على خصومهم من ذوي الجدل أدركوا أن الاقتصار على الأدلة النقلية لا يكفي لإقناع غير المؤمنين بها، فأخذوا بالمنطق اليوناني، واضطروا لدراسة الفلسفة اليونانية والتعمق فيها، فتأثروا بها قبل غيرهم، واعتمدوا على العقل في إظهار ما في الشرع من حقائق، فكانوا أول من رادوا الطريق للتوفيق بين معطيات العقل وعقائد الدين.
من خلال ذلك كله يتضح أن المعتزلة عملوا في ناحيتين:
أولاهما: أنهم توسطوا بين تطرف الخوارج وتطرف الشيعة في مسألة الخلافة فخلقوا جبهة الحياد.
وثانيتهما: أنهم دافعوا عن عقائد الدين الإسلامي دفاعا يستند إلى العقل في وقت كان الدفاع عن العقيدة الإسلامية بمجرد النصوص أمرا لا غناء فيه، لأن الآراء الفلسفية والمعتقدات الدخيلة كانت قد تغلغلت في صميم الاعتقاد الشعبي مما حدا بالمعتزلة أول الأمر أن يجعلوا من أول غاياتهم تطهير فكرة التوحيد من كل تشويه قد علق بها، ثم بناء فكرة جديدة لمسألة العدل الإلهي كفيلة بأن تعيد التوازن النفسي والأخلاقي الذي كاد يقضي عليه انتشار الروح الجبرية والسلبية في المجتمع الإسلامي، ولهذا نراهم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، يقول الخياط في «الانتصار»: (إن المعتزلة هم وحدهم المعنيون بالتوحيد والذب عنه من بين العالمين) ومن الإنصاف لهم حقا أن نعترف بذلك، فقد دافعوا عن أقدس فكرة جاء بها الإسلام، وهي تنزيه الله تعالى عن كل تجسيد أو تشبيه، غير أن هذا الدفاع اقتضاهم أن يذهبوا بعيدا عن الفكرة التي دافعوا عنها ليعطوا مفهومات جديدة للصفات الإلهية، وليصوغوا بناء فلسفيا مستمدا من الفلسفة اليونانية يتناول قضايا عميقة كالوجود والعدم والجوهر والعرض والحركة والسكون، وهذا ما يأخذه عليهم خصومهم، أي أنهم فلسفوا عقيدة الإسلام الإلهية متأثرين «بالمشائين» فتحدوا ظاهر الآيات القرءانية أحيانا، وضيقوا من نطاق المفهوم المطلق للإرادة الإلهية من ناحية، ووسعوا من نطاق المفهوم الشائع للذات الإلهية حتى تتلاشى كل الطفيليات التي علقت بأذهان الناس عن التجسيد والتي وجدت في خضن بعض التفاسير الحرفية لآيات القرءان غذاءها وسيما عند المدرسة الحنبلية، وليان ذلك نقول: إن المعتزلة وجدوا في القرءان آيات تدل على التنزيه كل التنزيه لذات الباري تعالى: (ليس كمثله شيء) وآيات أخرى تدل في ظاهرها على التجسيم، أو بعض مقتضيات التجسيم كالجهات نحو قوله تعالى: (ثم استوي على العرش) أو قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) فوقفوا إزاء هذه الآيات موقفا جديدا يغير ما كان عليه السلف من الأخذ بظاهرها والإيمان بمقتضى ذلك أيمانا أجماليا والإمساك عن شرحها أو مناقشتها بل والتحرج من تأويلها، وكان مبعث ذلك عن المعتزلة أرضاء العقل، والخروج من التناقض الظاهر بين مدلول الآيات، ولم يجدوا من سبيل إلى ذلك غير التأويل فاعتبروا أن آيات التنزين هي الأساس الصحيح لعقيدة التوحيد، وأن غيرها من الآيات أنما ينبغي أن يحمل على ما هو صريخ ومجمع عليه، ومقبول في حظيرة العقل، وهكذا وضعوا تحليلا فلسفيا لفكرة التنزيه كما يتصورها العقل، أو بعبارة أخرى استقصوا بطريقة عقلية جميع مقتضيات التجسيم والتشبيه فنفوها عن الله وكان مما جاء في ذلك قولهم: (إن الله واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا شبح ولا جئة ولا صورة، ولا جوهر ولا عرض ولا عمق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، ولا تحيط به الأقدار، ولا تدركه الحواس).
والواقع أن نفي هذه الصفات على هذا النحو لم يأت اعتباطا، وإنما وضع كذلك للرد على جميع المذاهب والآراء التي كانت شائعة في القرنين الثاني والثالث عن الذات الإلهية، دخيلة من فلسفات وعقائد أجنبية عن الإسلام، فهي ترد في بعض أجزائها على الرافضة التي قالت بأن الله ذو هيئة وصورة، وله من الصفات ما تقتضيه هذه الهيئة من سكون وحركة وتنقل، وهي ترد على المشبهة التي زعمت أن الله يشبه الخلق في الإحساس والتفكير والإرادة محتجين ببعض الآيات) متمسكين بظاهرها بينما القرآن يقول (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وهي ترد على نظرية المثل الأفلاطونية القائلة بأن الله أنشأ الخلق على صورته، وترد أخيرا على النصارى القائلين بالاقانيم الثلاثة.
وسنعرض فيما بعد للنظريات الأساسية الكبرى التي يدور عليها محور الكلام عند المعتزلة، والتي ذهبوا في الاختلاف حولها إلى أبعد الحدود.
          
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here