islamaumaroc

مبادئ الإسلام الدستورية من نواحي الحياة.-1-

  دعوة الحق

44 العدد

 ظهور الإسلام وانتشاره السريع:
ظهر الإسلام منذ أربعة عشر قرنا وفي أعالي القرون الوسطى، في جزيرة العرب الوثنية المترامية الإبعاد، وعلى أطراف دولتي العالم حينذاك: فارس والرومان، وقد استقر لهاتين الدولتين السلطان والسيادة من غير منازع لهما من غيرهما.
وإذا بالإسلام ينشر بعد مرحلة تأسيس دامت عشر سنوات في جميع ملايين جزيرة العرب على سعة أطرافها، وتباين نزعاتها، وقوة شكيمة أصحابها، رغم رسوخ الوثنية فيهم، ودفاعهم عنها بكل ما عز لديهم.
وإذا بالإسلام يوحد لأول مرة بين هذه القبائل الصلبة العود، ويجمع شملهم، ويلم شعثهم، ويجعل منهم أمة عربية واحدة، صارخا فيهم: «أن هذه أمتكم أمة واحدة» بعد أن كانوا قبائل أشتاتا.
وإذا بالإسلام ينفخ فيهم روحا من روح الله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله»، ويجعل خيرهم وفضلهم على الناس فيما حملوا من خير للناس لا في عنصرية تضع تقلهم فوق رقاب الناس.
ثم لم يخرج الإسلام من جزيرة العرب حتى قوض دولتي العالم الفارسية والرومانية في فارس ومصر وبلاد الشام، وأصبح على أبواب الهند والصين في مدة لا تتجاوز عشر سنوات، ومن ثم فتحت له الأبواب ليغزو بعقائده العالم في كل مكان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
وهكذا انتشر الإسلام بسرعة لم يعهد التاريخ لها مثيلا في تاريخ الأديان، وتحير العلماء والمؤرخون في تفسير أسباب هذه السرعة التي لم يعرفوا لها نظيرا.
ما هو السر في سرعة انتشاره؟
فهل من أسباب هذه السرعة في انتشار الإسلام سلطان عروبة صاحب هذا الدين؟.. كلا فإن العرب حين ظهور الإسلام لم يكونوا إلا قبائل أشتاتا، ولم يكونوا بالنسبة إلى دولتي العالم حينذاك فارس والرومان شيئا مذكورا.
وهل من أسباب هذه السرعة في انتشار الإسلام معجزاته الخارقة، ومعجزات أصحابه الحاسمة؟ كلا، فقد ألقى إبراهيم في النار، وانقلبت النار عليه بردا السحرة في مصر فإذا هي تلقف ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وأنجى الله موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرق الآخرين، وإذا بيني إسرائيل أنفسهم لم يلبثوا أن عبدوا في غيابه العجل وهم ظالمون. وكذلك جاء عيسى فخلق من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله وأبرا الأكمه والأبرص، وأحبا الموتى بإذن الله، فلم يزد خراف بني إسرائيل الصالة كما سماهم السيد المسيح إلا ضلالا، فحكموا عليه بالصلب، وسلموه لحاكم القدس الروماني لينفذ الحكم، متهمين السيد المسيح بأنه جاء يثير بني إسرائيل على الرومان، ويدعوهم للخروج عليهم.
أما محمد رسول الله (ص) فلم يأت بشيء من هذه المعجزات بالذات، بل لم يكن هذا النوع من المعجزات المغلقة على العقل هو الأساس في دعوته، ومع ذلك لم يلبث عرب الجزيرة أن اجتمعوا عليه في حياته، ثم لم يلبث العالم من حولهم أن اجتمع على أصحابه من بعد وفاته.
فما هو السر في ذلك الذي حير الألباب؟
وما هو ذلك العجب العجاب؟
السر في ذلك أنه دعوة إلى الحياة على أسس جديدة تكفل الحياة في أمن وسلام بعد أن تعب المفكرون في البحث عن هذه الأسس.
والجواب على ذلك: لا سر يحير الألباب، ولا عجب فيه عجاب، فقد قال الله سبحانه وتعالى: « يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» لقد كان الإسلام دعوة عامة إلى الحياة على أسس جديدة تكفل هذه الحياة في آمن وسلام، بعد أن تعب العالم فيها في ظل الحضارات القديمة، كما تعب فيها اليوم أيضا في ظل الحضارات الجديدة، فطغى القوي على الضعيف، وتنكر الإنسان لأخيه الإنسان، وأصبحت حياة كل من الأفراد والجماعات عرضة في كل يوم إلى طغيان أحدهما على الآخر، وإلى هزات: تارة كانت تقضي على حياة الفرد، وتارة كانت تقضي على نظام الجماعة، وأصبحت حياة الفرد بصورة خاصة عرضة: تارة إلى طغيان القيادة الفردية واستغلالها، وتارة إلى فوضى الجماعة في نظامها، وفي كلا الحالين أصبحت حياة الفرد والمجتمع في جحيم مقيم.
ولذلك أخذت العقول المفكرة منذ القديم قبل الإسلام تتسابق في البحث في كل أمة وفي كل زمان – عن المبادئ التي يجب أن تسود، وعن الأنظمة التي يجب أن تبتكر لإقامة حياة سعيدة وأمينة، وبعيدة كل البعد عن جحيم الطغيان، وفوضى النظام، وغير مفرقة في الحق في الحياة بين إنسان وإنسان.
وقد اتبع المفكرون سبلا مختلفة للوصول إلى سعادة الإنسان، فتفرقت بهم السبل، ولم يهتدوا إلى سبيل سوية جامعة، بل عالجوا على الدوام ناحية فقط من نواحي الحياة غير شمول لسائر النواحي، وكثيرا ما ضل الباحثون عن الطريق حتى في تلك الناحية غير الشاملة، فلم تشف المعالجة في المجتمع من أسقام، إلى أن صاح فيهم الإسلام: «وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون».
فما هي تلك السبل التي ضلت فيها الإنسانية ففرقت بين أبنائها؟
وما هو ذلك الصراط المستقيم الذي دعا إليه الإسلام ليجمع شمل الجميع؟؟
هذا هو ما نريد أن نتحدث فيه هذه المرة، سائلين الله، العون والسداد.
مجمل المبادئ القديمة والحديثة لمعالجة مساوئ الحياة؟
منذ القديم ظهرت فكرة العودة إلى مبادئ الطبيعة لدى الصين واليونان والرومان لمعالجة مساوئ الحضارة حينذاك، وما قد انبعثت عنها من طغيان القادة أحيانا، أو فوضى الجماعة في الحياة أحيانا أخرى، وكانت الدعوة إلى العودة لمبادئ الطبيعة والحياة الطبيعية إنما هي لصيانة حياة الفرد والجماعة في آن واحد.
ومنذ القديم بشر الفلاسفة والمفكرون بفكرة الديمقراطية والدعوة إليها في كل من اليونان والرومان لمعالجة طغيان الطبقات أو طغيان الحاكمين.
وفي عصورنا الحديثة ظهرت أيضا مبادئ وأنظمة جديدة، وكلها ردة على وضع سيء، وقد حاول أصحاب كل مبدأ ونظام أن يعالجوا، بما ابتكروه من مبادئ وبما دعوا إليه من نظام، ما هم فيه من وضع غير إنساني، طلبا لوضع سليم مثالي.
وهكذا طغت مبادئ الحرية والعدالة والمساواة منذ الثورة الفرنسية الكبرى في أواخر القرن الثامن عشر، وكان من آثارها أن قضت نهائيا على نظام الإقطاع في أوروبة، وأخذت الأنظمة الجديدة تتكون حول تلك المبادئ تحت شعارات مختلفة كان أبرزها الديمقراطية والاشتراكية.
وتنوعت ما بين هذه المبادئ معاني الاشتراكية خاصة، حتى أصبح لدينا معان في الاشتراكية بقدر ما هناك من طلاب للاشتراكية.
- فهناك الاشتراكية الشيوعية.
- وهناك الاشتراكية الألمانية الوطنية في ظل النازية، وكانت كما تعلمون حربا مسعورة على الاشتراكية الشيوعية.
- وهناك الاشتراكية الديمقراطية لدى العمال في انكلترا.
- وهناك الاشتراكية التيتوية.
ولا ندري ماذا يجد ويحدث في الغد.
وكل ذلك في سبيل معالجة سلطان الفرد على حياة الجماعة، أو في سبيل معالجة طغيان الجماعات على حياة الأفراد، وفي سبيل أقامة حياة أفضل، وجيل أسعد، وكل حزب بما لديهم فرحون، وفي حرب مع الآخرين لا يسالمون ولا يهادنون.

ظهر الإسلام وحياة الفرد العالمة في أشد المعارك اصطراعا بين المبادئ:
وحينما ظهر الإسلام منذ أربعة عشر قرنا في مطالع القرون الوسطى كانت حياة الفرد في أشد المعارك اصطراعا ما بين القديم والجديد من المبادئ، وما بين القديم والحديث من النظم، في سبيل الوصول إلى حياة أفضل وأهنا وأهدأ.
فماذا كان موقف الإسلام من هذه المبادئ والنظم المتصارعة في سبيل الحياة؟
وما هو موقف الإسلام من هذه المبادئ والنظم الجديدة اليوم؟
بل ربما كان الأصح أن نتساءل: ما هو موقف الإسلام من الحياة نفسها؟ وكيف عمل على صيانتها؟ وكيف حل مشكلاتها التي اشرنا إليها؟ وما هي قواعده الأساسية الدستورية في نواحي الحياة كلها؟ أن الإجابة على ذلك هي التي تفضح السر، وتزيل الغموض.
ضرورة استعراض هذه المبادئ المتصارعة:
ولا بد لنا قبل ذلك من أن نستعرض بسرعة تلك المبادئ المتصارعة لتعرف مكانها من حاجات الحياة كلها، ولنعرف الصفة البارزة فيها لمعالجة مساوئ النظام السائد، ولنعرف فيما إذا كان كل من هذه المبادئ على انفراد قد استجاب إلى جميع حاجيات الحياة وندائها، أم أنه تغلب عليه الاهتمام بحاجة واحة منها دون الاكتراث بغيرها، ثم ماذا كان موقف الإسلام منها جميعا؟.
مبادئ الحياة الطبيعية والقانون الأخلاقي لدى الصينيين لمعالجة مساوئ الحياة:
ولعل العقائد الدوية في الصين حول الرجوع إلى الطبيعة والاحتكام إليها كانت أول من أراد أن يعالج مساوئ الحياة عن طريقته الطبيعية.
والدوية نسبة إلى لفظة (الدو) ومعناها (الطريقة) ويراد منها (طريقة الطبيعة) أو (الطريقة الدوية للحياة الحكيمة).
وترجع هذه الطريقة إلى كتاب (الدو-ده-جنج) أي (كتاب الطريقة والفضيلة) لواضعه فيما يقال الفيلسوف (لو-دزه) (604-517 ق.م).

ويقول (لو –دزه) مؤسس مذهب الدوية، بل أله الدويين الذين عبدوه فيما بعد:
- (إن الطبيعة قد جعلت حياة الناس في الأيام الخالية بسيطة آمنة، فكان العالم كله هنيئا سعيدا.
- (ثم حصل الناس المعرفة فعقدوا الحياة بالمخترعات، وخسروا كل طهارتهم الذهنية والخلقية، وانتقلوا من الحقول إلى المدن، وشرعوا يؤلفون الكتب فنشأ من ذلك ما أصاب الناس من شقاء، وجرت من أجل ذلك دموع الفلاسفة.
- ( فالعاقل إذن من يبتعد عن هذا التعقيد الحضري، وهذا التيه المفسد: تيه القوانين والحضارة، ويختفي بين أحضان الطبيعة.
- (وسر الحكمة كلها هو الطاعة العمياء لقوانين الطبيعة، ونبذ جميع أساليب الخداع و أفانين العقل، وقبول أوامر الطبيعة الصادرة من الغرائز، والجري على سنن الطبيعة الصامتة وتقليدها في تواضع).
ويرى الدويون:
- أن التفكير أمر عارض سطحي لا خير فيه إلا للجدل والمحاجة، يضر الحياة أكثر مما ينفعها.
- وأن العلم ليس فضيلة، بل إن السفلة قد زاد عددهم من يوم انتشر العلم.
- وأن شر أنواع الحكومات التي يمكن تصورها هي حكومة الفلاسفة.
- وأن صاحب الفكر خطر على الدولة، لأنه لا يفكر إلا في الأنظمة والقوانين.
- وإن كثرة النواهي والمحرمات في المملكة تزيد من فقر الآهلين.
- وأنه كلما كثرت الشرائع والقوانين كثر عدد اللصوص وقطاع الطرق.
ولا نرى في هذه العقائد الدوية المنادية بالعودة إلى الطبيعة وحياتها، والمنفرة من القوانين وأحكامها، إلا ردة على ظلم القوانين التي كان يصدرها الطغاة النافذون، وكان من جملتها ما أصدرته ولايتا (جنج) و(تشين) في عامي 535-512 ق.م. من قوانين ملأت قلوب الفلاحين رعبا، بما تميزت به من أقرار نظام الطبقات كما كان الأمر في شريعة مانو الهندية، وبمحاباة الطبقات العليا، فقد أعفتها من كثير من الواجبات المفروضة على غيرها من الطبقات العامة الأخرى.
ولقد احتج عامة الشعب على هذه التفرقة، وتمنوا أن يقوم بينهم وطني مخلص يحررهم من ظلم القوانين.
وهكذا عمدت العقائد الدوية في الصين إلى الدعوة للعمل بأحكام الطبيعة وذلك لتعالج بها مساوئ النظام السائد، والمحاباة بين الطبقات، وطغيان الحاكمين، وتحرير العامة من ظلم القوانين.
وأقامت من عقائدها حول مفاهيم الطبيعة ولاحتكاك إليها حربا في آن واحد على العقل وعلى العلم، حتى اصطبغت حكمتها بصبغة جامدة متزمتة، ووقف في طريق الدوافع الطبيعية نفسها، تلك الدوافع الطبيعية القوية المحركة للجنس البشري.
وأعان ما في حكمتها من كمال بارد على تجميد الأمة الصينية، وجعلها أمة محافظة لا يضارع عداءها للرقي إلا حبها للسلام، مثلها في ذلك مثل الفلسفة الكونفوشية الصينية التي أقامت حربا أيضا على القوانين لما كان فيها من ظلم، ودعت إلى مقاومتها، ولكن تحت ستار الدعوة إلى القانون الأخلاقي عوضا عن دعوة الدويين إلى أحكام القانون الطبيعي.
ويقول بعض حكماء الدويين في التعبير عن حكمتهم التي أصبغت بتلك الصبغة الجامدة المتزمتة: لن أفعل شيئا فيتبدل الناس من تلقاء أنفسهم، وسأولع بأن أبقى ساكنا فينصلح الناس من تلقاء أنفسهم.. وسيرون أن طعامهم الخشن وملابسهم وأساليبهم المألوفة مصادر للذة والمتعة.

نظام الطبقات لدى الهنود في ظل شريعة مانو:
ولم يكن النظام السائد في الهند إلى جانب الصين بأحسن حالا تحت شريعة (مانوا) التي كانت متحكمة في الهند في نفس الوقت.
و(مانو) هذا يطلق عند الهنود على كل من الملوك المؤلهين السبعة الذين حكموا العالم، كما يطلق (فرعون) عند المصريين على ملوك مصر القدماء، وإلى أول هؤلاء الملوك المؤلهين أو حيث شريعة (مانو) من لدن الإله (براهما) نفسه.
ولقد أشادت هذه الشريعة مرة بعد أخرى بنظام الطبقات، وأشادت بطبقة البراهمة في فضائلها وحقوقها ونفوذها، وما نزال نرى وثائق منذ القرن الثاني بعد الميلاد بمنح عظيمة – خصوصا إقطاعيات الأرض- توهب لطبقة البراهمة، وكان شأنها شأن أملاك البراهمة: كلها (معفاة) من الضرائب، لأن تشريع (مانو) يحذر الملك من فرض ضريبة على برهمي، ولو نضبت كل موارد المال الأخرى. وينص تشريع (مانو) على أن يكون من حق البرهمي سيادته على سائر الكائنات، بل يذهب مانو في ذلك ويقرر أن (كل ما كان في الوجود ملك للبراهمة).
وكلمة أخيرة عن شريعة مانو: أنها أبرزت نظام الطبقات والتمايز فيها بالحقوق، ولا نزال نلمس أثرها حتى اليوم في القسوة على المنبوذين وهي من الطبقة الدنيا، ولقد حاول الزعيم غاندي في عصرنا إنقاذ هذه الطبقة مما وضعت فيه، فكانت محاولته هذه من جملة العوامل التي أدت إلى اغتياله من قبل بعض الفرق الهندية المتشددة في عقائدها.
         
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here