islamaumaroc

الهواء الجديد

  دعوة الحق

44 العدد

لم أكن اتصور ما ينتظرني هذا الصباح فما فتحت باب الحجرة التي كنت أسكنها حتى لمحت وراءها بطاقة صغيرة مختومة، تناولتها وفضضتها، فلم أر فيها إلا كلمات قليلة بدون أمضاء.. وما كان أشد دهشتي عند ما قرأتها: «أدرك صديقك عليا، أنه في خطر».
حقا، لقد فاجأني بل صدمني النبأ، فما كنت أتوقع أن يأتيني ما يهولني من جهة علي، صديقي الوحيد في الغربة وفي هذا البلد الكبير الذي لا يعرف له أول ولا آخر، فهو شاب رزين ذو أناة وترو لا يندفع في مغامرة إلا إذا تيقن من حسن نهايتها.
ومع ذلك، فمن يدري؟.. سيما وقد كنت اتوسم فيه من حين لآخر أن له أسرارا يغار عليها ويجتهد في إخفائها حتى على أخلص أصدقائه، وأن له حياة أخرى يعيشها مع نفسه وفي صمت عزلته.. وكنت اتوقع أن تنكشف في يوم من الأيام هذه الاسرار التي منعني قلة فضولي وواجب الصداقة من التنقيب عنها، ولعله هذا اليوم.
ذلك ما كنت اتحدث به في باطني وأنا أتجه صوب الفندق الذي يسكن فيه علي، وشعرت فجأة بأني أمشي بخطوات جادة مسرعة وأن فكري منشغل بل مسلوب بحيث لا أكاد أعي ما حولي في الطريق، وكان من الصعب علي آنذاك أن أعرف هل أنا في تلك الحالة مدفوع بواجب الصداقة أم بغريرة حب الاطلاع والتعلق بغرائب الأحداث.
وصلت إلى الفندق، وبدون أن احيي القيم كالعتاد اندفعت صاعدا في السلم وأنا أتساءل في فزع هل سأجد أمامي ميتا أم جريحا أم مجنونا؟ وما هي إلا أن وقفت أمام الباب ونقرت.
سمعت جوابا من الداخل، وفي الحين انفتح الباب أمامي، ودهشت عندما رأيت عليا سالما طري الوجه نظيفا أنيقا، لا ينبئ مظهره عن شيء، وكأنه شعر بدهشتي عندما ابتدرني: «ما بالك تحملق في وجهي هكذا؟.
فأجبته بكلمات متقطعة لا تنبئ عن معنى ودعاني للجلوس فقعدت، لكنه ظل صامتا واجما ينتظرني أن أبدا الكلام، وطال السكوت حتى صار الجو ثقيلا، وقد كنا عادة عند ما نلتقي ندخل في الحديث الجدي أو المرح دون تصنع أو تردد.. لكننا في هذه الساعة لم نجد سبيلا للاتصال بواسطة الكلام، فكأننا نعيش في عالمين مختلفين متباعدين لا يتصلان.. وشعرت بأن هذا الصمت الثقيل المسترسل أصبح محرجا لنا جميعا فتشاغلت عنه برهة بالنظر إلى الحجرة وإلى الأشياء التي تملأها، ولاحظت أنها في فوضى غير اعتيادية وغير منتظرة من علي الذي أعهده دائما حريصا على نظام حجرته وترصيف أمتعته ترصيفا فنيا رائقا، ولمحت في ركن حقيبتين كبيرتين وأخرى صغيرة غير مقفلة والكل ملآن بالملابس وبما يحتاج إليه في السفر، فالتفت إليه بغتة وسألته: لكأنك تريد السفر؟ فأجابني في شيء من القلق: نعم.
- كيف؟ أنت الرجل الذي لا يحب الانتقال ويرى في الأسفار ضياعا للوقت ومتعة هي دون ما يستحق الرجل الذي يفكر؟
- كما ترى.
وشعر بأنني سألقى عليه أسئلة سألقي عليه أسئلة اخرى، فابتدرني وعلى ملامحه امارات العزم والجد: انصت، يا محمد، أنني ما كنت انتظر زيارتك هذا الصباح، وما كنت أرغب فيها، كان في عزمي أن أسافر دون أن أخبر أحدا.. ولكن، حيث أنك أتيت، فها أنت تعرف الحقيقة، وإنما لا تلق علي أي سؤال آخر.. ومن الاحسن أن نترك هذا الأمر وندخل في موضوع غيره.
وغاظني منه هذا الكلام، فأجبته: لعلك تعتقد أني ما جئت إلا لكي أتجسس عليك؟ ولا نفكر مطلقا أن الصداقة هي التي دفعتني لكل هذا الفضول، ولكن..
وهنا توقفت، لما رأيته صامتا ساكنا ينظر إلي بعينين تعبران عن ألم عميق، وعلمت أن كلماتي لا تطابق المقام فهدأت من روعي وقلت: سامحني إذا كنت مخطئا يا علي.. ولعلني إذا اقترحت عليك أن أرافقك في هذا السفر فلن ترفض ذلك.
فنظر إلى يتعجب وقال: مستحيل
- ولمه؟
- قلت لك أنه مستحيل.. لأنني سأذهب بعيدا ولأني أريد أن أبقى وحدي
- أنت تسمي هذا سفر! وإنما هو فرار.
وشعرت بأني ضربته في الصميم لما تلفظت بكلمة الفرار، فقد علا وجهه الاصفرار وتقطبت سحنته وقال لي يتحد: أنت الآخر تعتقد أنه فرار؟.. قل لي، هل تعي ما تقول؟ هل تعتقد حقا وفي قرارة نفسك أني أريد الفرار؟ قل لي، ..لا لا، ليس هذا فرارا وإنما هو تحرر.. أما أنت فتريد أن تقنعني بالألفاظ كما لو كنت صببا، أنصت، يا محمد سمه فرارا أو انهزاما أو ما شئت، فسأسافر، ولو وحدي.
- على مهلك، يا علي، وأرى أن الحديث معك شاق في هذا الصباح.. والأحسن أن لا نسترسل في مثل هذا الكلام.. وأخيرك أني لم أتناول فطور الصباح بعد، ولهذا فاسمح لي أن احضر عندك فنجان قهوة.
- تفضل.
ودخلت إلى المخزن الصغير الذي بجانب حجرته والذي ستغله كمطبخ وكمكان للنظافة، أوقدت النار في فرن الكحول واشتغلت بتحضير القهوة وتقطيرها، وكنت في تلك الاثناء اسمع عليا يخطو ذهابا وأيابا في الحجرة لايقف ولا يشتغل بشيء معين، انتهيت من طبخ القهوة وعدت بفنجانين مملوئين بقهوة سخينة إلى وسط الحجرة حيث نصبت الطاولة، كان علي سادرا في أفكاره وهواجه، ولهذا، فقد ظل يمشي مشيته الآلية ساهم الوجه مقطب الحاجيين.
وكلما حققت في ملامحه، تبين لي أنه أنه اتخذ قراره بصورة نهائية، مصمما على تنفيذه، إلا أن هنالك عاملا آخر يتعارض مع عزمه لازال يثير في نفسه الحيرة والبلبال يجعله يفكر ويفكر ويذهب ويجيء دون أن يتوصل إلى نتيجة.. ولما أعياني بحركته التي لاتنقطع قلت له محاولا صرفه عن كثرة التفكير: أما تأخذ فنجانك؟.
تناول الفنجان، واحتساه بسرعة، وبدا لي أن أعصابه تضطرب تحت فعل القهوة حيث استأنف سيره بصورة أكثر عجلة.. وأخذ رأسي بعض الدوار، فقلت له: يا علي، إذا كنت عازما على السفر فعليك أن تهيئ حقائبك وامتعتك.
- لا زال عندي متسع من الوقت.. فلن آخذ القطار إلا في الليل.
ثم حدق في بصره وسألني كأنه يستغرب من شيء: قل لي يا محمد، من قال لك أن تأتي اليوم عندي مبكرا؟
- ليس لهذا الأمر سبب خاص، وإنما استيقظت في الصباح الباكر وخرجت استنشق الهواء فقادتني رجلاي عندك.
- أنصت، يا محمد، كن معي صريحا، أنني لما فتحت لك الباب، لم يكن وجهك عاديا.. لقد كان في علمك شيء.. وبعد، فهل في الأمر ما يستوجب الكتمان؟. نعم، إني أريد أن افر..
- أنصت. لا صالح لنا في هذا اللف والدوران.. نعم أني جئتك لامر معين.. جئت انقذك، لقد قيل لي أنك في خطر.
فضحك ضحكة عصيبة وقال لي بلهجة النصيحة: لا تقل في حياتك سرا لامرآة، لقد خلق النساء لمحو الاسرار من الوجود، انهن يردن عالما شفافا ليس فيه زاوية مظلمة.. قل لي، هل تعتقد المرأة قادرة على الحب؟ إياك أن تغلط أو تغالط نفسك.. إن المرأة لا تحب في الرجال إلا خيالاتها وأوهامها، انظر «جوليا» هاته التي قالت لك أني في خطر والتي أوشكت أن أتزوجها، لقد كنت حقا أحبها وأعطف عليها، وكنت عندما خبرت الامر، وجدتها تحب شخصا آخر يتقمص في جسمي، إنها تحب في ما تسميه «مثلها الاعلى» إنها تحب شخصا لا وجود له إلا في خيالها وتسعى بحركاتها وسكناتها وبكلماتها وإيحاءتها في أن أصبح أنا ذلك الشخص.. زراتني أمس، ووجدتني في حالة ظاهرة من القنوط والسآمة.. وكنت انتظر منها أن تتفهم حالي وأن تنظر إلي ولو مرة نظرة الواقع وتقول لنفسها: هذا انسان من لحم ودم يفرح ويحزن، ويتألم ويلتذ، ويكون تارة ضعيفا وتارة قويا، فيجب علي أن احبه كما هو.. هل تعتقد أن ذلك خطر على بالها ولو لحظة؟ ابدأ، إنها تقبل ما أقول كأنني حكم لا يغلط ولا ينطق عن الهوى؟.. فهي تعتقد أني شخص متفوق ولا تحسبني إلا هكذا.. قل لي، إليست هذه حالة تعيسة؟.. أو ليس من سوء الحظ أن يكون الحب مبنيا على عدم تفاهم كهذا؟
- حقيقة.. لكن ماذا حصل من بعد؟
- ماذا حصل؟ حصل أني أخذت أجود عليها بهذه النصائح المتعددة عن كل ما تسألني عنه... وصرت أتكلم، ولا أجد أمامي أية مقاومة، وكم كنت أود أن ينبع بيننا شخص ثالث يفند ما أقول ويناقشني.. ولكنني، في النهاية، شعرت بأنني حانق على «جوليا» كاره لها، وبدأ لي أني اتكلم في الفراغ، فصحت في وجهها بغتة: قولي شيئا.. ما بالك صامتة؟ ولم تنصتين إلى هكذا وتثقين بما أقول؟.. أنصتي، يا جوليا، انتهى الامر بيننا.. إني لا أستطيع أن أراك ثانية.. فلنفترق من الآن.. أنني لا أحبك ولا أستطيع ذلك.. دعيني اتنفس الهواء وانصرفي عني.
كان وجهها يتنقل بين الاحمرار والاصفرار، ثم اندفعت تشهق وتبكي، بينما أنا لا انفك أصيح في وجهها أن تذهب.. وبدت بالفعل تجمع دموعها، وقامت وهي تتعثر في أذيالها، وتستعجل، ثم عادت العبرات تسيل من جديد، ولكن في صمت، وهمت أن تخرج، ثم التفتت إلي فرأتني مطرقا.. فوقفت برهة، ولم تنس أن تخرج من حقيبتها أدوات التجميل وتقوم بواجبها نحو الوجه..
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here