islamaumaroc

ابن خلدون ومذهب الملكات

  محمد الامري المصمودي

9 العدد

اعتقد قديما بسلسلة من العقول يتفرع أحدهما عن الآخر، كالعقل المجرد الذي هو عند أفلاطون وغيره من الفلاسفة الإلهيين العلة الأولى(الله). وعن هذا العقل تستمد المادة الإدراك والحركة، وتستمر بفضله في معارج الرقي والكمال كلما استطاعت التخلص من التجسد إلى التجريد، ثم إن المتحرك في طلب الكمال لابد أن يكون عاقلان ومن ثم أن تكون الكواكب عقول ترتفع بما فيها من الشوق الكمين فيها، على العقل الأول أو المجرد الذي هو الله.
والجوهر الخالد في الإنسان عند أرسطو هو العقل، وهو (أي العقل) عند إدراكه المجردات أو الكليات يتحرك نحو العقل الفعال الذي هو مرجع جميع المعقولات، والنفس عند أفلاطون، رأس الأفلاطونية الحديثة(204م)، عندما تتجه إلى العقل تنسجم معه في مقام التجريد والتنزيه، فإذا اتجهت إلى الهيولي(المادة الأولى) كان معنى ذلك ابتعادها عن ذلك التجريد، وهذا التنزيه الذي هو في نفس الوقت ابتعاد عن العقل الفعال المشرف على ما تحت القمر وعلى عالم الإنسان فيه.
ومثل هذا الاعتقاد لا نعدمه عند الفلاسفة الإسلاميين، فالعلم الثاني(الفرابي) وتلميذه(ابن سينا) الشيخ الرئيس، يعتقدان، ومثلهما ابن رشد، أن تمام الجسد هو النفس، وتمام النفس هو العقل، الذي باتصاله بالجسد يترقى من العقل الهيولاني الذي هو عقل الغريزة – ويكاد الإنسان والحيوان يتساويان فيه – إلى العقل بالملكة، وهو عقل المعلومات التي هي حصيلة التجارب الناشئة عن الحس والمعارف المرتبطة بالأشياء المادية، والعقل بالملكة يترقى بدوره إلى العقل بالفعل، لأن الملكة تختلف بحسب كمية البديهيات، وحسب كيفية قوة النفس على انطلاق من تلك البديهيات إلى المقاصد، ثم الانتقال من المبادئ على المقاصد الفكرية المعتمدة على البراهين والأدلة بحيث يكون بوسع الإنسان استحضارها متى شاء، لأنها لن تكون الفعل حاضرة، فإمكانية استحضارها هو ما سموه بالعقل بالفعل، فإذا حضرت الصورة العقلية بالفعل، كان ذلك هو العقل المستفاد الذي يربط العقل بالفعل، بالعقل الفعال، الذي هو عقل النفس القدسية، والذي يأتي في المرتبة الثالثة من مراتب الوجود التي هي:
1) الوجود الإلهي
2) وجود العقول المتدرجة
3) وجود العقل الفعال
وقصدهم من هذا أن يفهمونا كيف يكون التعدد عن الواحد الذي لا يتعدد، ومأتى الصلة بين المحسوسات والمعاني المجردة.
والمطلع على رسالة ابن سينا في النفس، لا ريب أنه وقف على تقسيمه للنفس – شأن أرسطو – إلى.
1) نباتية: (وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد وينمو ويتغذى).
2) حيوانية: وهي (الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما هو يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة)
3) إنسانية: وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفاعيل الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي، ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية.
وهو يذكر لكل من هذه النفوس الثلاثة قوى مختلفة يهمنا منها بالذات ما يتعلق بالنفس الإنسانية والحيوانية  وهي تنقسم إلى قوتين رئيسيتين:
1)محركة. – 2 مدركة.
فالمحركة على قسمين:
1) أما المحركة باعثة
2) 2) وأما مرحك فاعلة
3) فالمحركة الباعثة هي القوة النزعية، ولها شعبتان: احدهما تدعى قوة شهوانية، بينما تدعى الأخرى قوة غضبية.
4) أما المحركة الفاعلة فتنبعث من الأعصاب والعضلات، فتجذب الرباطات والأوتار المتصلة بالأعضاء إلى نحو جهة المبدأ، أو تمددها طولا فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ.

أما القوة المدركة فإما أن تكون من خارج، وهي الحواس الخمس، وإما أن تكون من باطن، فبعضها قوي تدرك صور المحسوسات، وبعضها قوي تدرك معاني هذه المحسوسات، ومن القوي المدركة الباطنة قوة فنطاسيا(1)(الحس المشترك)، وهي التي تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الخمسة متأدية إليها، ثم الخيال، والمصورة، ثم القوة التي تسمى متخيلة بالنسبة للنفس الحيوانية، ومفكرة بالقياس إلى النفس الإنسانية، وهي مرتبة في التجوف الأوسط من الدماغ تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، أما النفس الناطقة الإنسانية فتنقسم قواها إلى :1) عاملة. -2) وعالمة.
وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الاسم، ثم أن للقوى ثلاث معان:1) قوة الاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه إلى الفعل شيء، ولا حصل ما به يخرج، كقوة الطفل على الكتابة.
2) قوة الاستعداد إذا مل يحصل للشيء إلا ما يمكنه به أن يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة، كقوة الصبي الذي ترعرع وعرف القلم والدواة وبسائط الحروف على الكتابة.
3)قوة الاستعداد إذا تم بالآلات وحدث مع الآلة أيضا كمال استعداد، كقوة الكاتب المستكمل الصناعة إذا كان لا يكتب، فالقوة الأولى تسمى مطلقة، والثانية تسمى ممكنة، والثالثة تسمى ملكة(2).
ولعلنا مما تقدم نستطيع أن نلاحظ هنا بتدقيق مدى ما ذهبنا غليه في مقال(الفكر الإنساني كما يراه ابن خلدون) من أن ابن خلدون متأثر بالرئيس ابن سينا وغيره من الفلاسفة الإلهيين، كما نستطيع أن نلاحظ أيضا مدى ولوع الفلاسفة الأقدمين بالتجزئة التي فتح فلوطين فيها الباب للمعلم الثاني(الفارابي) حتى وصلت على عهده وعهد أتباعه عشرة، والحمد لله على الاكتفاء بهذا العدد كما يقول الأستاذ بولس سلامة في كتابه(الصراع في الوجود).
بل الواقع أن الفلسفة اليونانية والعربية لم تكتف بتفريعات العقول والنفوس وقواها، بل عمدت إلى تقسيم وتفريع العقل الإنسان نفسه إلى قوى، بل عمدت إلى تقسيم وتفريع العقل الإنساني نفسه إلى قوى وملكات عديدة، لقد قسموه إلى ثلاث قوى رئيسية:
1) الفكر.
2) الوجدان.
3الارادة والنزوع.
ثم قسموا هذه إلى أقسام أخرى هي ما يعرف لديهم بالملكات العقلية: ملكة للتذكر، ولمكة للخيال، وملكة للملاحظة، واعتقدوا أن كل قسم منها يمثل ملكة أو قوى للتنمية والتقوية بالتمرين.
ونظرية الملكات هذه لم تعدم لها أنصارا عند فلاسفة أوربا، فهذا لايبنتز (1646م – 168م) ومعه هملتون، يعرفها بأنها نوع خاص من الإدراك، بسبب العمل العقلي، أما جون لوك الانجليزي1632 -1704م) فقد توسع في ذلك فافترض لكل عمل عقلي ملكة خاصة وتبعه كثيرون، فقالوا الملكة الخلقية،(وكان ابن سينا يجعل الحقل ملكة) والملكة الميزة، وملكة التصور، وقال « فرويل»(1782م – 1852م) ملكة الكلام، كما قال ابن خلدون قبل ذلك بما يزيد على ثلاثة قرون ملكة الحساب، وملكة اللغة، وملكة النجارة، وملكة التعليم كما سنرى ذلك فيما بعد.
ولعل من المهم أن نذكر أن فكرة التربية الترويضية أو التدريبية التي تأخذ مكانا بارزا في تاريخ التربية، ترتكز في أساسها وتعليلها على المذهب الملكات العقلية، ومجمل هذه الفكرة، إن الفائدة من التربية والتعليم تنحصر في سير التعليم وما ينتج عنه من النضج العقلي، بينما تبقى أهمية ما يدرسن ثانوية في نظر أصحاب هذه الفكرة.
وجوهر المسألة عندهم أن العمل الفكري – إذا عني باختيار – يولد ملكة أو قوة عقلية تفوق بأهميتها القوة والنشاط اللذين يصرفهما المرء في توليدها، وهذه الملكة الجدية صالحة للاستعمال في مواضيع وأبحاث جديدة قد لا يكون لها علاقة بالموضوع الذي أوجدها.
ومن ثم برروا وجود اللغات القديمة في مناهج الدراسة، وذهبوا إلى أنها تفيد الطالب بأن تولد فيه ملكة تساعده على القيام ببقية الأمور العقلية، فكما أن التوسع في المنطق والجدل والرياضيات، يولد في العقل قوة المحاكمة الصحيحة التي تساعده في بقية الأعمال العقلية، كذلك درس اللغات والآداب القديمة ينمي قوتي الحافظة والذاكرة وإن لم يكن للآداب فائدة حيوية محسوسة(3)

وليست في الحقيقة إلا سلاحا تذرع به الرجعيون ليتمكنوا من مجابهة أصحاب التربية الواقعية التي حصرت الأهمية في الشيء المقصود تدريسه وأهملت الأسلوب والطريقة، كما أن الكنيسة استخدمتها كسلاح لتوطيد نفوذها، وهي التي تنظر إلى التربية كترويض خلقي، كما وجدت النظرية الترويضية الإقبال منم لدن المتشبثين بمنطق أرسطو وعلم النفس القديم، وهو يقضي بوجوب تدريب قوي العقل وإجهادها بدروس صعبة كاللاتينية.
ويقول أحد المناصرين لنظرية التدريب العقلي (فوييه) ردا على (هاكسي) الذي يقول بجعل العلوم الطبيعية أساس للتعلم:
(فإذا درسنا أصول العلوم الطبيعية فإننا نتوصل إلى معرفة صنع السكك الحديدة والقطار البخاري، ولكن الذي اخترع هذا القطار لم يتوصل إلى اختراعه بدرس العلوم، ولكن بمقدرته العقلية وقوته الفكرية، وهذه القوى لا تتولد بتعليم طرق العلم الحديث، وإنما تنشأ بتنمية قوى العقل وملكاته وتدريبها، وهذه يجب أن تكون الغاية من التعليم(4).
وقد أجاب الأستاذ هاكسلي في كتابه(التربية والعلم) بشيء من التهكم، ينبىء عن مدى عدائه لنظرية التدريب العقلي التي دافع عنها(فوييه) والتي يعد العالم الانجليزي(جون لوك) واضعا لها في شكلها التاريخي القديم، فغاية التربية عند هذا الفيلسوف«إعداد رجال مفكرين عاقلين يتمكنون من استعمال محاكمتهم الصحيحة في كافة المواضيع»، ومن ثم كانت الرياضيات التي تعرف بأهميتها في تدريب العقل، وسيلة لإعداد المفكرين العاقلين وليست بحال عنده وسيلة لأعداد رياضيين بارعين.
وبقيت روح التربية الترويضية مسيطرة على المدارس التهذيبية بألمانيا وانكلترا خلال القرن الأخيرة الثلاثة، حتى تسنى للنزعة الطبيعية أن تبدو على يد مؤسسها الفيلسوف الفرنسي(جان روسو).
وكان في ظهور الفيلسوف الألماني جون فردريك هربات(1776 – 1841) ثورة على علم النفس القديم القاتل بتقسيم العقل على قوى وملكات منفصلة، يقول هذا الفيلسوف في أحد كتبه عن التربية والتعليم( وجدت أن علم النفس المتداول في عصرنا مملوء بالأباطيل والخيالات، وتحقق لدي أننا بحاجة ماسة لمبادئ حديثة في علم النفس، نبني عليها طرقنا وأساليبنا في التربية والتعليم) فكان أن بني هذه المبادئ علة نقطة جوهرية تناقض مذهب الملكات الذي ساد قرونا طويلة، واعتقد به كثير من الفلاسفة من يونان وعرب وأوربيين، لقد اعتقد هربارت بأن العقل البشري وحدة لا تتجزأ، كما أنه نظر على النفس موحدة، ونفى وجود الملكات بالفطرة، وذهب إلى أن نفس الطفل تولد خلوا من أي شيء، ولا تحتوي إلا على قوة واحدة هي قوة الاختلاط بالمحيط بواسطة الجملة العصبية، وبفضل الاختلاط ينمو عقله ويتكامل بواسطة الإدراك الحسي أو الاطلاع، وبامتزاج اطلاعاته تنمو قوتا الحكم والمحاكمة.
لكننا نلاحظ أن علم النفس الحديث بالرغم من انه أصبح لا يعتقد بمذهب الملكات، لا يزال يستعملها، ولا يعني استعماله لها مجاراة الرأي القديم بل إنما يقصد التسامح والتسهيل.
ولعلنا نكون قد استطعنا رسم صورة تقريبية لمذهب الملكات وما نشأ عنه من اثر في توجيه التربية في بعض عصورها، وأقوال مختلف العلماء فيه، ويبقى علينا أن نأخذ صورة أخرى عن رأي العلامة ابن خلدون في الملكات، ومدى تأثره بمن سبقه من الفلاسفة، ومدى ما في رأيه من تجيد وابتداع، ,اثر كل ذلك في آرائه التربوية.
والمطلع على المقدمة لا شك أنه لاحظ أن ابن خلدون يذكر الملكة في كثير من المواطن، فهو تارة يعمد إلى تعريفها، وأحيانا يذكر مميزاتها، وأخرى يتعرض للأسس النفسية التي تنشأ عنها ملكة في علم ما، ولكي يسهل علينا أخذ هذه الصورة، نحاول ضم ما يتعلق بالملكة في مكان واحد، بالرغم من أنها وردت متفرعة في أبواب وفصول شتى من المقدمة.
فالملكة عنده صفة ذات أسس راسخة، معاناة تنشأ عن عمل الفعل وتكراره مرات متعددة غير متباعدة الفترات حتى تصير الصورة الفعل  راسخة، وتلقى هذا الفعل يقتضي أحد سبيلين اثنين:
1)الملاحظة المباشرة. -2) أو التلقين.
وهو يؤكد أن الملكة الناشئة عن الملاحظة المباشرة(المعاينة) كما يسميها تكون أقوم من الملكة الناشئة عن التلقين، وهو يرى ضرورة هذه الملاحظة المباشرة بالأخص في تعلم الصناعات التي لابد لها من العلم(5).
ثم أن وجود الملكة تتوقف على مهارة المعلم واستعداد المتعلم ملكته، فإذا كان المعلم أو استعداد المتعلم قاصرا فسوف تكون الملكة حتما قاصرة.

ويخشى ابن خلدون إلا نفرق بين الملكة والفهم، فيؤكد لنا أن الملكة شيء والفهم شيء آخر، لأن الفهم والعي للمسائل شيء في متناول الجميع، بما في ذلك العالم والجاهل، والمبتدئ والضليع، بينما لا تتيسر الملكة لغير العالم المتضلع(6)، ثم أن الملكات جسمانية، سواء كانت  في البدن أو الدماغ، وهذا يعين أنها محسوسة، ولكونها كذلك تستدعي التعليم، ولن يكون هذا التعليم متينا قويا إلا إذا كان مأخوذا عن مشاهير المتخصصين في علم أو صناعة ما، لأن المكلة إذا كانت جيدة تزيد من ذكاء صاحبها، والملكة الجيدة لا تقضي التعقيد والاختصار، لأنها عن كانت كذلك كانت ملكة قاصرة كما يحدث في دراسة المختصرات، ومن ثم ألح في ضرورة التبسيط والتطويل والبعد عن المختصرات في التعليم(7) والملكة صفة نامية بشرط أن تتغذى، وتتشكل بحسب جودة الغذاء ورداءته، وما اختلاف النفوس بالرغم من كونها في جزريتها واحدة بالنوع، إلا ما ينشأ عن نوع المدركات التي تطبعها وتصوغها، فتبدو من خارج، في إطارها الفريد بعد أطوار من التدريج، ثم أن الإطار النهائي للملكة ينشأ عن المادة الخام لها، فهناك ملكة الشعر مادتها حفظ الأشعار ولمكة الكتابة مادتها حفظ الأسجاع والترسيل، والملكة العلمية مادتها العلوم والادراكات والأبحاث والأنظار العلمية، غنه باختصار يقصد ملكة للشعر، وملكة للنثر الفني، وملكة للعمل، ولمكة للفقه، ولمكة للتصوف وقس على ذلك، وهذه كلها تنشأ كل واحدة منها عما أضيفت إليه، وجودتها أو رداءتها تأتيان من جودة أو رداءة المادة نفسها.
وينتزع ابن خلدون المثال من نفسه، حيث يذكر أنه حدث صديقه ابن الخطيب بأنه(أي ابن خلدون) يجد صعوبة في نظم الشعر، رغم أنه يحفظ كثيرا من جيد الكلام، ثم يعزو ذلك إلى أن حفظه هذا كان مسبوقا بحفظ القوانين العلمية، فكان هذا خدشا لما حفظ من جيد الكلام، ويجيبه ابن الخطيب:( لله أنتن وهل يقول هذا إلا مثلك).
 ثم أن النفس بعد اتخاذها إطار ولن ملكة ما، تكون قد تشكلت وتلونت، ولا يمكن – إلا في القليل النادر – أن تتخذ إطار ولون لمكة أخرى، وهو يستبطن جذور المسالة فيفترض أن هناك من يعترضن فيتحرز بأن ذلك لا يقع غلا إذا كانت المكلة الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها، أي لم تتخذ إطارها ولونها النهائيين.
فالخياط الذي يجد- إذا أجاد – الخياطة ورسخت في نفسه، فلن يستطيع أن يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء أو غيرها، هذا « لأن الملكات صفات للنفس وألوان، فلا تزدحم دفعة، ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها، فإذا تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة، ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة، فكان قبولها للملكة الأخرى اضعف، وهذا بين يشهد له الوجود»(8)وليس هذا في الصنائع  فحسب بل حتى في العلوم، وهو يسمى، أو على الأصح، يصف ملكة أهل العلم بالفكرية، فالملكة إذن إما فكرية لأهل العلم، وغما عقلية لأهل الصنائع، يدل هذا قوله كما رأينا قبل(سواء كانت في البدن أو الدماغ) وسنرى فيما بعد مدى صحة الرأي.
ويلح ابن خلدون كثيرا في أهمية التكرار لتكوين الملكة، فيذكر ذلك في أماكن مختلفة، وفي أحدها(في أن اللغة ملكة صناعية) يوضح سبب ذلك، لأن الفعل الذي قع أو الأمر تعود منه للذات، فإذا تكرر الفعل بعد ذلك كان حالا، بمعنى أنها صفة غير راسخة، فإذا تلا هذه الحال تكرار آخر نشأ عن ذلك تمام تكوين الملكة أي الصفة الراسخة. ويبدو أننا أخذنا صورة تكاد تكون مستكملة الخطوط لمكلة في رأي ابن خلدون.
وعلينا بعد هذا أن نتساءل ما هي النقط التي يتفق ابن خلدون فيها مع ما يذهب ليه القائلون بمذهب الملكات ؟ وفيهم يخالفهم من ذلك ؟ وإلى أي حد كان تأثر آرائه التربوية بنظريته في الملكات ؟ وما موقف علم النفس الحديث من مذهب الملكات على العموم ؟.
ولابد قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، من الإشارة إلى ملاحظة هامة، وهي أن القدماء كانوا يجعلون الملكات صفات للنفس، ومن ثم كنا نرى ابن خلدون يجاريهم في ذلك ويقسمها إلى ملكات عقلية وملكات فكرية.
بينما نرى المفكرين الأوربيين أمثال (هملتون)(ولابينتز)(ولوك) يقصرون الملكات على العقل، ويقولون بأنها نوع من الإدراك ينشأ عن العمل العقلي.
إذن فابن خلدون هنا يلتقي مع أولئك وهؤلاء(سواء كانت في البدن أو الدماغ) يتفق مع أولئك فيقول بالملكات النفسية وفي نطاقها الملكات العقلية، ويتفق مع هؤلاء، فيقول: ملكة الحساب، وملكة اللغة، وملكة الشعر، كما يقول فرويل ملكة الكلام وغيرها.


ونستطيع أن ندرك أن ابن خلدون يرى أن الملكات تكتسب، (ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعداد لحصولها) إذن فهو هنا يغفل النزوع الفطري، ولعل هذا يرجع إلى ما عرف عن الغزالي الذي يقول بأن الطفل صفحة بيضاء، ولا نعدم مثل هذا الرأي عند(لوك) وحتى (فردريك هربارت) وهو رأي ينافى أساسين اثنين لهما اعتبارهما في علم النفس الحديث، هما الغرائز، والوراثة. ومن العلوم أن لهما أثرا في توجيه الطفل وتحديد نوع العمل الذي يبرز فيهن وهذا هو السر في أننا نرى كثيرا من الأطفال يبدو عليهم نقص واضح في المسائل الفكرية والمعلومات النظرية، فإذا القينا بهم في مضمار الأعمال اليدوية رأينا عجبا، رأيناهم يبدون كثيرا من الحذف والمهارة، في حين أن زملاءهم من المبرزين في الأعمال الفكرية لا يبدو منهم واثقان، ولا يحسنون فعل كثير من الأعمال البسيطة، وتفسير ذلك أن الغرائز أساس الميول التي هي في أساسها ثلاثة:
1) إدراكية. -2) وجدانية. -3) عملية.
فيتغلب ناحية الإدراك يكون الميل إدراكا، كشغف الإنسان بجمع الحقائق، واصل هذا الميل غريزة حب الاطلاع.
ويتغلب ناحية الوجدان يكون الميل وجدانيا كشغف الفنان بفنه، ويمكن إرجاعه إلى غريزة حب الجمال.
ويتغلب ناحية النزوع أو الإرادة يكون الميل عمليا، كالإقبال على الصناعات العلمية، أو الأعمال الآلية المعمارية، أو الحربية، أو الأعمال الرياضية(9)، ويرجع هذا إلى مجموعة من الغرائز.
ومن ثم ذهب بعض المفكرين من المحدثين إلى أن الملكات هبات موروثة لا تكتسب ولا تعلمن فالذي وهب ملكة الحفظ يكون حافظان والذي وهب ملكة الذكر يكون ذكورا، والذي وهب ملكة التخيل يكون شاعرا أو قصاصا أو أدبيا.
وقد رأينا أن ابن خلدون يرى أن قوة ملكة لا تقوى الأخرى، أما بعضهم فيرى أن تقوية ملكة في ناحية يقويها في باقي النواحي ويقوي غيرها معها، وقد رأينا ذلك عند أنصار نظرية الترويض العقلي.
ولعل من الطريف أن نذكر أن العلامة (تورندايك) على رأي ابن خلدون، ف قام بتجارب خرج منها بنتيجة أن الملكة الواحدة قد تقوى في فرع من ناحية ثم لا تقوى في أشباه هذا الفرع، مع العلم بأن هذا الأخير – شأن علماء النفس المحدثين – إنما يطلق الملكة للتساهل والإيضاح لا مجاراة للرأي القديم، إذ الثابت أن كل الأعمال الفكرية ما هي إلا مظاهر مختلفة للعقل يتأثر بعضها ببعض، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أنه لا يصعب على شخص أن يجيد صناعتين أو علمين في آرنتين متعاقبتين أو في وقت واحد، بينما نرى ابن خلدون يصر على أن هذه الإجادة لا يعقل أن توجد على مقياس واحد، وبدون تفاوت في إجادة احد العلمين أو الصناعتين أكثر من العلم الآخر أو الصناعة الأخرى، وحتى إذا أمكن ذلك فعلى قلة( فقل أن يجيد بعدها ملكة في أخرى).
والواقع أن التجربة تدل على أن ابن خلدون لا يجافي الصواب هنا، فالكثير الغالب أن يبرع الشخص في ناحية، فالبحتري والمتنبي وأبو نواس برعوا في الشعر وحده، وابن زيدون شاعر أعظم منه كاتبا، و(شوبر) الموسيقي العبقري كان لا يحسن غير الموسيقى، وأعظم رياضي في عهد نابليون(لابلاس) أخفق إخفاقا ذريعا في العمل الذي وليه.
وماذا نقول في الفكر العظيم(نيوتن) الذي اخطأ خطأ يدعو إلى الضحك حينما فتح ثغرتين، كبيرة وصغيرة، في بيته لقطتين عزيزتين عليه، بعد أن فكر في طريقة لهما الباب، وأخيرا أدرك خطأه واكتفى بالثغرة الكبرى لأنها تصلح لهما على التوالي ؟.
لقد رأينا في بحث ( التربية عند ابن خلدون) أنه يتبنى نظرية ابن العربي القائلة بـ(ألا يخلط على المتعلم علمان معا) ورأينا كيف أنه تصدى للدفاع عنها ووصفها بأنها من المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم، وقد اشرنا إلى أن منشأ النظرية يعود إلى مذهب الملكات، ويتأتى لنا هنا أن نوضح هذه الدعوى، فبما أن الملكات صفات وألوان للنفس لا تتزاحم، لزم أن يقتصر على علم واحد، حتى لا يخدش ملكته الناشئة شيء يطعن في جودتها، كما اخبرنا أن ملكته الشعرية خدشها محفوظه من القوانين العلمية، ولا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنه يدعو إلى ألا يعمل الشخص في حياته غير علم واحد يقتصر عليه دون سواه، فإن ذلك مما لم يقصده علامتنا، لأنه ليس من الغفلة بحيث ينسى أن العلوم يتوقف بعضها على بعض، يدلنا على ذلك تقسيمه للعلوم إلى: 1) آلية.2) ومقصودة بالذات كما رأينا، فدارس الآداب أو الحديث أو الفقه أو غيرها، لا تأتى له ذلك إلا إذا درس اللغة التي بها يستعد لتلقي عمله الذي يريد التخصص فيه، وهو إذا درسهما معا في آن واحد، فإن فكره سوف يكون مقسما بين علمين، وسوف لا يستطيع أن يبرز في أحدهما، ولذلك ينصح بعدم التوسع في العلوم الآلية(إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير) فهو على هذا يرى أن يدرس العلوم الآلية ما يكفي لتلقي أحد العلوم المقصودة بالذات، التي تستحق الدراسة الطويلة والتبحر فيها للحصول على ملكتها، فكأنه يقصد بتكوين الملكة في علم ما التخصص فيه، بعد أن يكون قد استعد له بالأخذ من العلوم التي يتوقف عليها ميدان تخصصه الذي يجب ألا يخلط معه غيره في آن واحد.
ثم أن المراحل الثلاث للتعليم التي يسميها تكرارات نستطيع أن نجد لها أساس في نظرية الملكة عنده، فالمرحلة الأولى تكون صفة، والمرحلة الثانية تكون حالا، والمرحلة الثالثة هي التي تكون في النهاية الملكة التي هي صفة راسخة.
أما وقد عرفنا بعض آراء القدامى والمحدثين في الملكات فمن المهم أن نذكر السبب في أن علماء النفس المحدثين أصبحوا لا يطمئنون إلى مذهب الملكات، ذلك لأنهم أدركوا بعد  طول التجربة أن الحياة العقلية حياة متصلة الأجزاء، متينة الارتباط، فلا تمر بخاطرك فكرة – مهما كان نوعها – إلا لسبب ظاهر أو خفي أو داع يدعوها، ومجموع الأعمال العقلية أن تعبر مع ذلك وحدة لها نواح متعددة، وأجزاء متصلة تمام الاتصال، مترابطة تمام الترابط، وهذا بالطبع غير ما اعتقد قديما من أن للعقل ملكات يفصل بعضها عن بعض.

 

(1) كلمة يونانية يقصد بها التخيل عند أرسطو ويقول أنها مشتقة من (وفاوس) أي النور، ولا يسميها ابن سينا بالتخيل آو المتخيلة بل بالحس المشترك، راجع رسالة ابن سينا في النفس تحقيق الدكتور احمد فؤاد الأهواني ص 28.
(2) نفس المصدر من 57 إلى 66 مع اختصار وتصرف.
(3) تاريخ التربية تأليف عبد الله مشنوق ص : 151.
(4) نفس المصدر ص: 153.
(5) عن الفصل السادس عشر(في أن الصنائع لابد فيها من العلم) من الباب الرابع من المقدمة، مع تصرف لا يتنافى المعنى المقصود.
(6) الفصل الثاني(في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع) من الباب السادس.
(7) الفصل التاسع والعشرون(في أن الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم) لا أشير على الصفحة لأن المقدمة مطبوعة في طبعات متعددة ومختلفة، واذكر القارئ الكريم بأني اعتمد على طبعة دار الكتاب اللبناني.
(8) الفصل (22) فيمن حصلت له ملكة في صناعة نقل أي يجيد بعدها ملكة في أخرى.
(9) راجع كتاب(في علم النفس) لحامد عبد القادر وعطية الابراشي ومحمد مظهر سعيد ج 1 ص 103.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here