السبت 4 رمضان 1442هـ الموافق لـ 17 أبريل 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

أنفاس المغاربة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

anfas al maghariba fi asalat ala anabiy sala allaho alayhi wa salam

اعتنق المغاربة الإسلام الحنيف، فاختلط بأنفاسهم حب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وامتزج بدمائهم حتى عرفوا واشتهروا، بين الشعوب الإسلامية، بتعلقهم الفارضي بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وبآل بيته الكرام. وكان من بين علامات هذا التعلق دأبهم – ولا سيما منذ القرن السابع الهجري – على الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، مولين لهذه المناسبة ما يليق بها من بهجة وغبطة وبهي احتفاء واحتفال. وقد جمعوا في الإفصاح عن مشاعرهم الدينية الصادقة حيال الرسول صلى الله عليه وسلم بين العناية بمصنفات السيرة النبوية وشمائل وخصائص ودلائل نبوة النبي الكريم، وبين دراسة وتدريس السيرة والإسهام في التأليف فيها والتعريف بمكارم وكمالات صاحبها، وبين إكرام الأشراف والعلماء وشعراء المديح النبوي والذاكرين والصبيان، وبين الإنشاد والتغني بشمائل وحب المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام.

وقد جاءت عنايتهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتغني بشمائله ومكارمه استجابة وتلبية لنداء إلهي عظيم بالصلاة على ذي الخلق العظيم، لقوله: تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (الأحزاب: 56)، كما جاءت تعبيرا عن صدق محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم بما هي عنوان على صدق الإيمان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، بل حتى يكون المحبوب الأكرم عليه الصلاة والسلام أحب للمؤمن من نفسه، فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب خاطب نبينا الكريم: (والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر).

هكذا، وفي ظل إسلام سني وتدين وسطي معتدل، كفلتهما أشعرية العقيدة ومالكية الفقه وسنية السلوك الجنيدي وإمارة المؤمنين، انتعشت الصلاة على النبي الكريم في حياة المغاربة الدينية والثقافية، وتنوعت أساليب تعبيرهم الفني عن مشاعر تعلقهم وحبهم للجناب النبوي الكريم، حيث فاضت قرائحهم برقيق الأشعار ولطيف الأذكار، وأطلقوا لموهبتهم حرية التغني والتحبير والابتكار، وتنافسوا في إظهار شغفهم بالنبي المختار وآل بيته الأطهار، حتى صارت ذخيرة أهل المغرب زاخرة فاخرة بتآليف الصلاة على النبي ومتون المديح النبوي، سواء من المنثور أو المنظوم، وسواء أكان القريض فصيحا موزونا أو موشحا أم ملحونا. كما تنوعت تلك المتون بتنوع اللغات واللهجات التي تزخر بها ثقافتهم، فأبدعوا متونا مديحية بالعربية والأمازيغية والحسانية، مع تعدد في أساليب التنغيم وطرائق التوقيع وطقوس الأداء، وتوحد في المنطلق والقصد والوجدان.

واستجابة للعناية المولوية السامية بمختلف المظاهر الثقافية والحضارية للهوية الدينية المغربية الأصيلة، ورغبة في التنبيه إلى هذا الموروث الروحي المغربي الباذخ والتعريف به، وطلبا لتوفير سند موثق من أجل تبليغه ونقله إلى الأبناء والأحفاد وقادم الأجيال، سعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بتنسيق مع الشركة الوطنية للتلفزة المغربية، إلى إنجاز شريط وثائقي مصور بعنوان " أنفاس المغاربة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم". وهو شريط يمثل لجل الألوان المديحية التي تزخر بها المملكة المغربية الشريفة، وقد بلغت واحدا وأربعين لونا رتب ترتيبا تاريخيا كرونولوجيا، وخللت بتوثيق لأبرز التقاليد والعادات المغربية التي تحضر من خلالها الصلاة على النبي الكريم في حياة المغاربة من المهد إلى اللحد، وذلك في مختلف أعرافهم وطقوسهم من أفراح وأتراح، وفي مختلف أنشطتهم الفلاحية والتجارية والصناعية.              

ترتيل القرآن الكريم والترجيع والتغني والترنم

أنماط التلاوة القرآنية المغربية التي تحدد معالم أسلوب التجويد المغربي

إن شيوع أنماط التلاوة القرآنية المغربية والتي تحدد معالم أسلوب التجويد المغربي لم يحل دون تسرب أسلوب التلاوة الشرقية إلى بلادنا، فلقد كان لتوافد قراء المشرق على المغرب في مختلف عصوره، وكذا إعجاب الحجاج المغاربة بهذا الأسلوب عند مرورهم بتونس والقاهرة وبيت المقدس وبغداد ومكة المكرمة ما يسر له طريق العبور، وهيأ النفوس لتقبله، خاصة وأنه أدعى إلى تحريكها بما يتوفر عليه من أداء حي، وألحان ثرية، وأصوات رائعة الجمال..

تعريف التجويد 

اصطلح على تسميته بالتجويد، ومعناه لغة التحسين، أما اصطلاحا فهو إخراج كل حرف من مخرجه، وإعطاؤه صفاته وما نشأ عنها من غير تكلف ولا إفراط (1) "وهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ بريئة من الرداءة في النطق...وهو حلية التلاوة وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيب مراتبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على صيغته وكمال هيئته، من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف"(2). وقد استعملت كلمات أخرى مرادفة للتجويد، أكثرها تداولا: الترتيل والترجيع والتغني والترنم.

وقد ناقش فقهاء وعلماء الإسلام هذه الكلمات، فكان منهم من أخذها على سجيتها دون أن يجردها من مضامينها الغنائية الموسيقية وعلى رأس هؤلاء ابن القيم الجوزية الذي يرى "أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به"، وهو في دفاعه عن رأيه يردد مع الذين يقولون: "إن التطريب بقراءة القرآن أوقع في النفوس، وأدعى إلى الإستماع والإصغاء إليه...وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطيب الذي يجعل في الطعام لتكون الطبيعة أدعى له قولا...وأنه لابد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن"(3).
ويجارى هذا المعنى ما ذهب إليه القسطلاني وهو أحد أئمة الشافعية- الذي يعتبر التنغيم وسيلة من وسائل تحسين القراءة وتعويض النقص عند من لم يؤت صوتا حسنا حيث يقول في "إرشاد الساري": "إن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع. ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم. فإن الصوت الحسن يزداد حسنا بذلك..."(4)وفيما استقر مصطلح "التجويد" على ما يفيد العلم الذي يضبط قواعد تلاوة القرآن الكريم، فقد ارتبط مصطلح "الترتيل" في تصور بعض علماء الإسلام بالموسيقى كظاهرة تقوم على تنقل الصوت البشري في مراتب النغم وعبر درجاته وفق أساليب متناسقة خالية من الوزن الذي يحدد الإيقاع.

وقد عرض أبو عبد الله محمد القرطبي في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" لمسألة قراءة القرآن بالألحان، واستعرض وجوه الرأي في تأويل معنى كلمة "التغني" الواردة في الحديث الشريف: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، ليخلص إلى القول بأن هذه الكلمة لا تحمل مفاهيم موسيقية بحتة، ومن ثم فهي لا تعني إطلاقا الترخيص بتلحين القرآن والتطريب به، لأن ذلك من قبيل "لحون أهل الفسق" وترجيع النصارى، ونوح الرهبانية"(5).وعلى غرار القرطبي عارض آخرون أن يكون التجويد على صورة الأصوات واللحون وأنكروا التغني بالقرآن، وعدوه بدعة محدثة، ومن هؤلاء أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومالك بن أنس.

ومهما يكن من اختلاف في الرأي كما أسلفنا، فقد أجمع القوم منذ السنوات الأولى من نزول الوحي على التحري في القراءة، وذلك بتجنب الإفراط في التلحين والتطريب والحيطة من أن يخرج اللحن بالقرآن عن حده. وشيئا فشيئا بدأ الناس يتواضعون على قوانين يحكمون بها ترتيل القرآن الكريم، فتحصل لهم من ذلك علم قائم بذاته يعرف بـ: "علم القراءات"، وهو "علم يعرف به كيفية أداء كلمات القرآن واختلافها، معزوا لقائله"(6). وينظر هذا العلم في "الكلمات القرآنية من حيث أحوالها فيه كالمد والقصر"(7). وهو ينطوي على قواعد جمة من بينها "صيانة كتاب الله تعالى عن التحريف والتغيير، ومعرفة ما يقرأ به كل واحد من الأئمة القراء، وتمييز ما يقرأ به وما لا يقرأ به"(8). وقد توثق الاتصال بين علم التجويد وعلم القراءات حتى أصبحا يشكلان معا "أشرف العلوم النافعة للطلاب، إذ بمعرفة التجويد يتلى القرآن كما أنزل"(9)

ونتيجة تواضع الدارسين المهتمين على وضع قوانين التجويد وضوابطه فقد زخر هذا العلم بمصطلحات خاصة، استمد بعضها من قاموس المصطلحات الموسيقية بعد أن جردها من مفاهيمها الأولى واستبدلها بمفاهيم جديدة، واستحدث أكثرها على غرار ما فعله الخليل في وضعه لمصطلحات علم العروض. وقد أصبحت بعض مصطلحات التجويد من الدقة والشمول بحيث أنها تدل على مجمل معالم أسلوب الترتيل المستحب، ومثال ذلك الحدر والتدوير والتحقيق.

مذاهب الترتيل

عندما انتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية ركدت صنوف الغناء الجاهلي من نصب وحداء وهزج وسناد ونوح ورمل، وأصابها ما أصاب كثيرا من أغراض الشعر العربي نفسه. وقد انشغل الناس عن كل ذلك بالقرآن "ولم يكن الملذوذ عندهم في صدر الإسلام إلا ترجيع القرآن" (10). الذي أحبوا أن يكون هجيراهم مكان الغناء"(11). فأقبلوا عليه يقرأونه ساذجا مجردا عن الأنغام أحيانا، أو يرتلونه ترتيلا مصحوبا بالألحان أحيانا أخرى، فكثر حفاظه وقراؤه ومرتلوه. وهكذا بدأ الغناء العربي الإسلامي بالتجويد الذي كان يعتمد في الدرجة الأولى على حسن الصوت وفخامته دون اكتراث بالموسيقى العربية الإسلامية لم تكن لها في تاريخ الغناء العربي أصالة التجويد ولا عمره، كما نستطيع أن ندرك سر تعلق المستمع العربي حتى في عصرنا الحاضر بصوت المغني ونبراته أكثر من تعلقه بالألحان التي يترنم بها.

ولقد عرف المغاربة منذ العهود الإسلامية الأولى بتمسكهم وولعهم بتلاوة القرآن الكريم، ويتجلى ذلك في عنايتهم بدراسة علم التجويد، فقد اتخذوا في برامجهم المقررة حصصا خاصة به، وصنفوا فيه كتبا عديدة، وبحوثا قيمة، وأراجيز منظومة، واهتموا بفن القراءة والتعريف بقرائه ورواته وأصحاب طرقه، كما اهتموا بتخريج المقرئين. ومن مظاهر هذا الاعتناء أنه حتى عهد قريب كانت تقام بالكتاتيب المغربية حفلة عظمى بمنزل ولي الطفل إذا ما أتم حفظ القرآن كله –وتسمى الختمة الكبيرة- وخلال هذه الحفلة كان المسمعون ينشدون الأمداح النبوية.

وكنتيجة أولى لهذا الولع الشديد بالقرآن الكريم، فقد أصبح جليا بل ولافتا للنظر أن المغرب كان وما يزال أكثر تمسكا بتنشئة أجياله على حفظ القرآن واستظهار سوره من بلدان الشرق العربي. ويمكن ربط هذه الظاهرة بالحملات الأولى التي كان قادة الإسلام الفاتحون ينظمونها بأرض المغرب لنشر الإسلام وبث تعاليمه بين الناس، فقد اتخذوا القرآن الكريم وسيلتهم إلى زرع بذور الإيمان في قلوبهم المؤلفة، وشجعوهم على حفظه والتعلق بأحكامه. وقد توارث المغاربة هذه العادة عبر العصور حتى سار بينهم المثل القائل: القرآن قاموس الفقراء، كما كان من أسباب ذلك التشجيع، العمل على تركيز اللغة العربية وبثها وسط قوم نشأوا على التخاطب والتعامل باللغة الأمازيغية.

وإذا كانت القراءات قد شقت طريقها جميعا إلى المغرب، فإن هذه البلاد اختارت قراءة أحد الأئمة القراء السبعة هو الإمام نافع المتوفى سنة 169هـ. وهي القراءة التي أخذ بها الإمام مالك بن أنس واعتبرها سنة أهل المدينة المنورة. وقد تبنى المغاربة قراءة الإمام نافع برواية تلميذه ورش، واتخذوها دون غيرها مذهبهم في ترتيل القرآن وتشددوا فيها تشددهم في التمسك بتعاليم المذهب المالكي. وانطلاقا من هذا الواقع اتسم المذهب المغربي منذ القديم بالشدة في تلاوة القرآن إسرافا في الحيطة من الوقوع في المحظور، فكانت قراءته لذلك بسيطة تكاد تكون استظهارا عاديا مصحوبا بلحن واحد متكرر.
ومن مظاهر الشدة والإحتياط أنه كان لابد للتلميذ –قبل دخوله إلى القرويين- أن يكون حافظا للقرآن والرسم والتجويد إلى جانب متون في مبادئ بعض العلوم الدينية والعقلية، كما كانت القراءات السبع من آكد العلوم المهتم بتدريسها، حتى لقد أسست لتعليمها منذ أيام الموحدين مدارس خاصة كانت تعنى بالتجويد والرسم والقراءات السبع، كما استحدثت في مساجد المغرب كراسي خاصة بتدريس القراءات.

ولقد آتت هذه المدارس والكراسي وغيرها من مراكز تعليم القراءات والتجويد أكلها طيبا، فظهر على المسرح المغربي والأندلسي أقطاب في الرواية، وألفت كتب عديدة في هذا الفن.وكان من أعظم هؤلاء أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (371هـ/444هـ) الذي نعت بقارئ الأندلس، والذي قال عنه ابن بشكوال "كان أحد الأئمة في علم القرآن بروايته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه"(12).

وقد حفلت المجالس العلمية بأعلام مغاربة نبغوا في القراءة والتجويد، أو تصدروا للتدريس والتأليف ومن بينهم: -المقرئ أبو الحسن علي بن محمد المرادي البلنسي صاحب رجز في التجويد أسماه "المنصف"، وأبو الحسن علي بن بري صاحب "الدرر اللوامع"، وهي أرجوزة تصدى لشرحها مفتي الديار التونسية الإمام المارغني في كتابه "النجوم الطوالع"، وأحمد بن محمد الزواوي: شيخ القراء بالمغرب. وكان إماما في القراءات لا يجارى. وكان من حسن صوته يصلي بسلطان وقته. وقد توفي عام 749 هـ (13)، وأبو زيد عبد الرحمن المعروف بالوراق. كان من أبرز من شغل كراسي التدريس بالقرويين في أواخر أيام بني مرين. وكان يتناول بالتفسير أمهات كتب الفقه، كما كان حسن الصوت يجيد القراءة بالطبوع ويؤثر في النفوس بطيب نغمه، وغير هؤلاء من مهرة القراء والمجودين وعلماء القراءات.

ولعلنا نستطيع الوقوف على بعض معالم مذهب المغاربة في تلاوة القرآن الكريم من خلال ما أورده ابن خلدون في حديثه عن صناعة الغناء إذ يقول: "ليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه...فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعبر في القرآن بوجه، وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قد مناه، فيردد أصواته ترديدا على نسق يدركها العالم بالغناء وغيره...".(14)

وشبيه بهذا القول ما ذكره التادلي في كتابه أغاني السقا إذ قال: "أما قراءة القرآن بالتلحين، وهو تطريب الصوت بالأنغام...فإن لم يخرجه عن حد القرآن كره على المشهور من مذهب الجمهور لأن المقصود من القراءة التدبر. وتقطيع الصوت بالأنغام ينافي ذلك".(15)

أنماط التلاوة المغربية

تجري تلاوة القرآن الكريم بالمغرب على نمطين اثنين: جماعي وفردي.

1- النمط الجماعي:

أكثر ما يكون في الكتاتيب القرآنية وحلقات التحزيب بالمساجد والزوايا، وكذا في مناسبات خاصة كتلاوة المآتم. ويسير طلبة الكتاتيب في تلاوتهم للقرآن على أسلوب يغلب عليه الطبع ولا يظهر معه أي تكلف في تلحين الآيات، فهم يقرأون على طبقة صوتية متوسطة بما يناسب أصوات الأطفال غالبا، قراءة بطيئة نوعا ما تسير عبر لحن موسيقى لا تكاد درجاته المتجاورة تتجاوز الثلاثة، وهو يطول ويقصر تبعا لطول الآيات الكريمة وقصرها.

أما حلقات التحزيب بالمساجد والزوايا فتعتبر من التقاليد العريقة في المغرب والتي دأب عليها السلف وتوارثتها الأجيال بفضل الأوقاف المخصصة لها، وفيها يتحلق قراء منتظمون بجانب المحراب بعد صلاة المغرب من كل يوم. وإليها يعود الفضل وما يزال في تيسير حفظ القرآن في الأوساط الشعبية ولا سيما أوساط الأميين ممن يلازمون قراء الحزب.
وأما تلاوة المآتم، فهي تجنح إلى السرعة المفرطة حتى ليشق على المرء مساوقة أصحابها ما لم يكن من زمرتهم. وهي بعد ذلك لا تكاد تبين عن أي لحن موسيقي منتظم، بل تسودها العجلة واحتدام الأصوات في غير ما تناسق في الأداء أو تناسب في الطبقة الصوتية.

ولابد من القول: إن المرء ليشعر وهو منهمك في تلاوة القرآن مع الجماعة في المساجد بالفرحة العظمى تدب في حناياه وبين ثنايا ضلوعه، لذلك نرى عامة الناس يقبلون على محافل القراءة الجماعية إقبالا يعتقد الأستاذ الحسن السائح أنه "استجابة لطبيعة التكتل والتجمع" التي جبل المغاربة عليها(16).

2- النمط الفردي

تعرف ظاهرة التلاوة الفردية انتشارا واسعا سواء في الأوساط الحضرية أو القروية. وهي لذلك تركب أساليب وأنماطا متنوعة لعل أكثرها سعة طريقة المرتلين الذين يؤمون بالناس صلاة التراويح في ليلة القدر. وهي طريقة تتسم ببساطة التلحين مع ميل قليل نحو سرعة الأداء. وتأتي بعدها تلاوة المقرئين، وهي أحسن أداء وأجود تلحينا، ويتصدر لها ذوو الأصوات الحسنة عموما.

ونستطيع عند تقصي نماذج القراءات الفردية أن نقف على أساليب متباينة، يتجلى الفرق بينها خاصة في نوعية الألحان الموسيقية، ويرجع ذلك إلى تأثر القراء بأصناف الموسيقى السائدة في أوساطهم، ومن ثم جاز لنا أن ننعت هذه القراءة بالقراءة الفيلالية، وتلك بالقراءة الجبلية وتلك بالقراءة الحضرية.

على أنها بجميع أنواعها لا تحيد في الغالب عن النهج المعتدل ولا تغرق في تصيد الألحان المنغمة المطربة، وإن تكن في الواقع قراءات شجية حسنة المساق متناسقة النغمات. وإلى ذلك يشير ابن خلدون في معرض حديثه عن تناسب الأصوات الموسيقية في أجزاء النغم إذ يقول: "وكثير من القراء بهذه المثابة، يقرأون فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنهم المزامير، فيطربون بحسن مساقهم وتناسب نغماتهم"(17). مثلما يشير إليه صاحب "التشوف وهو بصدد الحديث عن مناقب رجال التصوف: وترنموا بالقرآن، فكان مزمارهم وربابهم"(18)

ونستطيع من خلال ما سبق ذكره أن نقف على أهم الخصائص التي تمتاز بها القراءة التقليدية وأهمها:

1- إن الألحان المستعملة في تجويد القرآن الكريم بالمغرب ألحان بسيطة، ليس فيها محاولة للتعقيد اللحني والزخرفة الموسيقية. وقد ذكر العباس ابن الفقيه محمد بن عبد الرحمن الفيلالي الحجرتي ثم الفاسي في كناشاته بالخزانة العامة (19) أن أفرادا بجامع القرويين "كانوا يحتذون في تلاوتهم الطبوع الأندلسية: طبع الزيدان، وتارة الأصبهان (20) . كما أبان التادلي عن الطبوع التي يجوز ترتيل القرآن عليها، وهي طبع الماية أو نغمة الرصد التي هي من طبع الماية أو نغمة العشاق التي هي فرع الزيدان، أو نغمة عراق العجم التي هي فرع لطبع الذيل. على أن أكثر المجودين يجنحون إلى استخدام طبوع الرصد، والحجاز المشرقي، والعشاق وقد نفى التادلي أن يقرأ القرآن على نغمة عراق العرب التي هي أيضا من طبع الذيل.

2- إن التجويد الفني عمل فردي لا تضطلع به الجماعة، وإنما يضطلع به المقرئ المنفرد.

3- إن جمال الصوت شرط أساسي في المرتلين المجودين، فكأن الأصوات مزامير على حد تعبير ابن خلدون.
ومهما يكن من أمر فإن المقرئين لا يسمحون بغير استعمال الأنغام العربية وعلة ذلك ما جاء على لسان أحد أعلام المغرب وهو يتحدث عن تلاوة القرآن إذ قال: "وإنما تزين قراءته بألحان العرب الذين أنزل بألسنتهم، وذلك أن طبع الموسيقى العجمي لا يتم إلا بمد ما لا يمد، وقصر ما لا يقصر. وعلى خلافه اللحن العربي. ولذلك ورد الإذن به..."(21) .

وفي رأيي أن المراد بالطبع العجمي: أسلوب تركيب الأبعاد الصوتية المتداول في تأليف ألحان الموسيقى الغربية، وكذا أسلوب الغناء الغربي الذي يبيح مد الحروف غير الممدودة وقصر غير المقصورة. ويقوم بين الترتيب الفردي والقراءة الجماعية صنف ثالث هو ما يمكن أن ندعوه بالقراءة الثنائية، وهو ترتيل يضطلع به مقرئان يرتلان القرآن في آن واحد، على نغمات موحدة يقعان على أنغامها في تساوق مثير للإعجاب وكأنما ينطلق صوتاهما من حنجرة واحدة. وتعرف هذه التلاوة بالقراءة الفيلالية. وهي تمتاز ببطء الأداء وارتفاع الطبقة الصوتية، وتكسو ألحانها سمة من الحزن الذي يحرك نفوس السامعين المتدبرين. وتندرج تحتها أصناف عدة تتعدد أسماؤها بتعدد مناطق انتشارها كالقراءة الرتبية نسبة إلى الرتب، والغرفية نسبة إلى الغرف، والجرفية نسبة إلى الجرف، والمدغرية نسبة إلى مدغرة، وكلها واقعة بالراشيدية.

ومن خصائص هذه التلاوة أن تتلى الآيات القرآنية على أساس لحن نغمي واحد تعاد قراته تباعا وبشكل دوري، ومن ثم فكثيرا ما يأتي وقوف القارئين على غير قرار اللحن، وذلك على خلاف ما هو معتاد لدى القراء.
وتجدر الإشارة بعد هذا إلى أن شيوع أنماط التلاوة السابقة والتي تحدد معالم أسلوب التجويد المغربي لم يحل دون تسرب أسلوب التلاوة الشرقية إلى بلادنا، فلقد كان لتوافد قراء المشرق على المغرب في مختلف عصوره، وكذا إعجاب الحجاج المغاربة بهذا الأسلوب عند مرورهم بتونس والقاهرة وبيت المقدس وبغداد ومكة المكرمة ما يسر له طريق العبور، وهيأ النفوس لتقبله، خاصة وأنه أدعى إلى تحريكها بما يتوفر عليه من أداء حي، وألحان ثرية، وأصوات رائعة الجمال. وتلك مزايا وصفات طالما تردد صداها في كتب ورحلات المغاربة أمثال ابن العربي المعافري في "أحكام القرآن" (22) وأبي القاسم التجيبي في رحلته "مستفاد الرحلة والاغتراب" والبلوي في رحلته "تاج المفرق"، ورحلة ابن بطوطة.

وكنموذج لانطباعات هؤلاء أقتبس من رحلة البلوي الفقرة التالية في وصف قراءة ابن برال محمد بن سعد الأنصاري شيخ المقرئين بتونس على عهد الحفصيين.يقول البلوي: "...فما قرع سمعي ولا وقع في أذن قلبي أحسن منه صوتا، ولا أحلى تلاوة، ولا أطيب إيرادا، ولا أعذب مساقا، ولا أعجب إحكاما، ولا أغرب ترتيلا، ولا أجمل جملة وتفصيلا...فبين باك وداع وخاشع وساقط من القيام، وعادم وجوده في ذلك المقام، كلهم يفعل فيه صدقه، ويسكنهم نطقه، ويسكرهم ذوقه" (23). ولقد زاد التمكين للأسلوب الشرقي ببلادنا اليوم عوامل عدة أهمها شيوع الأسطوانات والأشرطة والأقراص المدمجة التي تحتضن المصحف المرتل كاملا أو بعض الآيات الكريمة لأمهر مقرئي الشرق العربي، وكذا ولع المغاربة بتقليد هؤلاء في أدائهم، ومشاركة المغرب في مهرجانات التجويد بمختلف أقطار العالم العربي والإسلامي ودعوة مشهوري قراء العالم الإسلامي لحلقات الدروس الدينية الرمضانية في رحاب القصر الملكي العامر، وأخيرا ما يوليه المهتمون اليوم من عناية بتكوين المقرئين على يد رجال مختصين لا نعدم أن نجد من بينهم مقرئين شرقيين أو من ينحو نحو الشرقيين في الترتيل، وبذلك شاع التجويد في المغرب على مقامي الحجاز والعجم.

ولابد هنا من الإشارة إلى جمعية رابطة المجودين وما شاكلها من المؤسسات التي جعلت من أهدافها العناية بتحفيظ القرآن، وتلقين قواعد التجويد والتعريف بالقراءات على أساس قراءة الإمام نافع وترسيخ رواية تلميذه ورش، مثلما جعلت من مهامها تنظيم المهرجانات القرآنية بسائر المدن المغربية، وإجراء المباريات على المستوى الوطني والعربي والإسلامي، وترصد المواهب قصد توجيهها ورعايتها.

وقد تعزز مجال العناية بترتيل القرآن الكريم من خلال إقدام وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب بتنسيق مع الإذاعة الوطنية على وضع برنامج إذاعي يبث عبر الإذاعة الوطنية مرة كل أسبوع تحت شعار "كيف تقرأ القرآن". ويهتم هذا البرنامج بتلقين مبادئ الترتيل وفق قواعد علم التجويد مع العمل وبقراءة ورش تلميذ الإمام نافع. وقد مضت على إحداث هذا البرنامج فترة طويلة تراكمت خلالها حصيلة هامة من الإنجازات التي تتمثل في وفرة خريجيه من الشباب بفضل المشرفين على حلقاته، وفي مقدمة هؤلاء القارئ البارع المرحوم محمد بن حساين الذي يعود إليه فضل وضع هذا البرنامج والاضطلاع بالإشراف عليه وأدائه لأكثر من ثلاثة عقود.

وتأتي بعد هذا "إذاعة محمد السادس" لتشكل درة وضاءة في عقد العناية الملكية بالقرآن الكريم في مغرب اليوم. فعلى امتداد ساعات طوال تمتد من الثانية عشرة والنصف زوالا حتى منتصف الليل من كل يوم تتملى الجماهير المسلمة بالاستماع إلى برنامج حافل تتمحور مواده حول حلقات علمية رصينة يضطلع فيها علماء مختصون ببسط قواعد التجويد، والتعريف بالقراءات السبع والعشر، وبأشهر علماء هذا الفن ومؤلفاتهم المنثورة والمنظومة، إضافة إلى التسجيلات الصوتية لقراءات أمهر المرتلين المعاصرين في العالم الإسلامي. وهذه منقبة عظمى من مناقب ملك البلاد جلالة محمد السادس رعاه الله وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم.

الهوامش:
(1) - النجوم الصوالح للمارغني: المطبعة التونسية 1354 هـ -1935م، ص: 16.
(2) - ابن الجزري: النشر في القراءات العشر، مطبعة مصطفى محمد بمصر، ص: 210.
(3) - زاد المعاد، ص193.
(4) - زاد المعاد، ص: 193.
(5) - ج1، ط. دار الكتب المصرية 1354 هـ/ 1935م، ص: 10-13.
(6) - النجوم الطوالع، ص: 21.
(7) - نفس المرجع.
(8) - نفس المرجع
(9) - نفس المرجع، ص: 2.
(10) - المقدمة لابن خلدون.
(11) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص: 11.
(12) - عن النجوم الطوالع، ص: 19.
(13) - الجذوة، ج1، ص: 122.
(14) - المقدمة، ص: 425-426.
(15) - فصل في بيان من شدد في السماع، ص: 106-125.
(16) - -مجلة كلية الشريعة، عدد 2، س1، ربيع الثاني 1397هـ/ مارس 1977م.
(17) - ص: 425، من الكتاب.
(18) - نفس المرجع، ص: 40
(19) - -د. 3.634، ص: 581.
(20) - محمد المنوني: مجلة دعوة الحق، العدد2، السنة 21، أبريل 1980
(21) - نفس المرجع، ص: 36.
(22) - الجزء الثاني، مط. السعادة، مصر، ص: 187.
(23) - تاج المفرق، ج1، مطبعة فضالة، ص: 170

موسيقى المديح والسماع

الأصل في السماع ما يدل على عموم الغناء والموسيقى، وقد استقر مفهومه بالمغرب في العصور المتأخرة على ما يعني القصائد والمولديات والمقطعات الشعرية المديحية التي يتناشدها المسمِّعون بأصواتهم على أساس الأنغام و"الطبوع" المتداولة في الموسيقى الأندلسية وذلك دون مصاحبة آلية.

وترجع بدايات ظهور السماع بالمغرب إلى منتصف القرن السابع للهجرة عندما استحدثت أسرة العزفيين التي كان رجالها من أعلام مدينة سبتة ورؤسائها عادة الاحتفال بالمولد النبوي، وألف كبيرهم يومئذ أبو العباس أحمد بن محمد المتوفى عام 639 هـ على عهد الخليفة الموحدي المرتضى كتاب "الدر المنظم في مولد النبي المعظم" الذي أكمله ابنه الرئيس أبو القاسم المتوفى عام 677 هـ.
ويشير أبو العباس في مقدمة الكتاب إلى الأسباب التي حفزته على الدعوة إلى استحداث الإحتفال بالمولد النبوي، فيصف في حسرة وأسى مشاركة مسلمي سبتة والأندلس للمسحيين في احتفالاتهم بعيد النيروز يوم فاتح يناير، والمهرجان أو العنصرة يوم 24 يونيو، وميلاد المسيح عليه السلام يوم 25 دجنبر.
ومع إقرار المؤلف بأن الاحتفال بمولد رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم سيشكل بدعة لم تكن في عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإنه يجعله من البدع المستحسنة(1).
ولقد كان تبني أعلام سبتة للاحتفال بالمولد النبوي نابعا من طبيعة المغاربة الذين شبّوا على اعتناق المالكية والتعلق بالحضرة النبوية، وكذا رفضهم للآراء المذهبية التي ابتدعها ملوك الموحدين الأوائل. وفي ذلك ما ينسجم مع صنيع القاضي عياض في العهد المرابطي ـ وما العهد ببعيد الذي ألف كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى".
وقد تولع المرتضى بهذا الإحتفال، وأصبح "يقوم بليلة المولد خير قيام، ويفيض فيها الخير والإنعام" حتى وقف في حضرته ذات يوم الأديب الأندلسي أحمد بن الصباغ الجذامي منشدا إحدى روائعه بمناسبة المولد النبوي فقال في مطلعها:

تنعم بذكر الهاشـــمـــي محمد *** ففي ذكره العيش المهنأ والأنـــسُ
أيا شاديا يشدو بأمــداح أحمــد *** سماعك طيب ليس يعقبُه نكـْـس
فكررْ رعــاك الله ذكـرَ محمـــد *** فقد لذت الأرواح وارتاحت النفس
وطاب نعيم العيش واتصل المنـى *** وأقبلت الأفـراح وارتفــع اللبــس
له جمـع الله المعانـي بأسـرهـا *** فظاهره نــور وبـاطنه قـــدس
فكل لـــه عـرس بذكــر حبيبــــه *** ونحن بذكر الهاشميِّ لنا عـرس

وما يزال أحد أبيات هذه القصيدة حتى يومنا بمثابة لازمة يتملى بترجيعها المسمعون في حلقاتهم، وهو قوله:(2)

وقوفا على الأقــــدام في حق سيــــد *** تعظمه الأمــلاك والجن والإنــــس

وقد عرف السماع والمديح ازدهارا كبيرا على العهد المريني ثم الوطاسي من بعده، فكان الملوك أنفسهم يرأسون مهرجانات المولد ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، كما أصدر السلطان أبو يعقوب يوسف المريني المتوفى سنة 691 هـ أمرا بوجوب إحياء ليلة المولد النبوي واعتبارها عيدا رسميا كعيدي الفطر والأضحى، "وأصبح ملوك الأندلس يحتفلون في الصنيع والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب" على حد ما قاله ابن خلدون(3). وقد أضاف أبو سعيد المريني الاحتفال باليوم السابع من العيد، وإلى ذلك يشير أبو العباس أحمد بن عبد المنان المتوفى عام 792 هـ في قصيدة يخاطب بها أبا عنان فيقول:(4)

وموسم جــل قدرا باعتنـاك بـه *** راقت لياليه وازدانـــت سوابعه

كما أصبح توقيف العمل يوم المولد النبوي تقليدا متبعا في العهد المريني، وإلى ذلك يشير ملك بن المرحل إذ يقول مستعرضا بعض مراسيم الإحتفال بهذه المناسبة:

فحــــق لنــــا أن نعتنـــي بــولاده *** ونجعل ذلك اليوم خير المواســم
وأن نصــل الأرحام فيــه تقربــا *** ونغدو له من مفطــرين وصائـــم
ونترك فيــه الشغـــل إلا بطاعـة *** ومــا ليس فيـه مـن ملام ولائـم

وسرعان ما انتقل الاحتفال بالمولد النبوي إلى الأوساط الشعبية فكانت الحفلات تقام في الزوايا وحتى في المنازل.
وإلى ذلك يشير ابن الدراج في كتابه الجليل "الإمتاع والانتفاع بمسألة سماع السماع" فيذكر أن أكثر ما يتغنى به أهل فاس بهذه المناسبة تتصل موضوعاته بمدح الرسول وتشويق النفوس إلى زيارة البيت الحرام ومواقعه، وإلى المدينة المنورة ومعالمها، كما يشير إلى ذلك الرحالة أبو علي الحسن الوزان الفاسي في كتابه "وصف إفريقيا" فيذكر أن التلاميذ يقيمون احتفالا بالمولد النبوي، ويأتي المعلم بمنشدين يتغنون بالأمداح النبوية طول الليل.
وهكذا تتجلى الطبيعة الشعبية للاحتفال بالمولد النبوي، ويكتشف معها أنه "جاء متجاوبا مع إرادة مغربية" تعكس حب المغاربة للمقام النبوي العظيم. وليس أدل على ذلك مما ورد في بعض مخطوطات روض القرطاس من "أن العزفيين هم الذين ندبوا يوسف المريني إلى تعميم الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذ يوم الثاني عشر ربيع الأول عيدا مغربيا"(7).
وسوف يبلغ فن المديح والسماع قمة اكتماله في عهد الشرفاء السعديين، وذلك عندما اتخذ المنصور السعدي من عيد المولد النبوي أكبر احتفال رسمي للدولة والأمة، فكان يقيم في قصره بمراكش الحفلات الفخيمة، يزينها بالشموع الموقدة، وإنشاد القصائد والمولديات.
وقد أفاض في هذا الموضوع أكثر من مؤرخ. من هؤلاء أبو الحسن التمجرُوتي المتوفى عام 1003 هـ الذي يقول في رحلته المسماة "النفحة المسكية في السفارة التركية" واصفا احتفال المنصور في مراكش عام 998 هـ "وأنشدوا القصائد ومقطعات في مدح النبي المكرم وفضل مولده العظيم، ونظموا في ذلك الدر المنظوم، وبالغوا في ذلك وأطنبوا... وانبسطوا بألسنة فصاح ونغمات ملاح وطرائق حسنة، وفنون من الأوزان المستحسنة، فأصغت الآذان عند ذلك بحسن الاستماع إلى محاسن السماع".
ومن هؤلاء أيضا أحمد بن القاضي المكناسي الذي ينوه في كتابه "المنتقى المقصور على محاسن الخليفة المنصور" بما كان يصنعه بهذه المناسبة.
أما عبد العزيز الفشتالي مؤرخ الدولة السعدية وشاعر بلاط المنصور فقد أتى بما يذهل الألباب في كتابه "مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا" إذ يقول: "والرسم الذي جرى به العمل... أنه إذا طلعت طلائع ربيع الأول... توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربي على الوصف... فيصيّر الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية من المؤذنين النعارين في السحر بالأذان.. حتى إذا كانت ليلة الميلاد الكريم.. تلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد... وحضرت الآلة الملوكية... فارتفعت أصوات الآلة وقرعت الطبول، وضج الناس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي الكريم... وتقدم أهل الذكر والإنشاد يقدمهم مشايخهم... واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يخصها اصطلاح العزف بالمولديات نسبة إلى المولد النبوي الكريم، قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح، وترق لها الإطلاع، وتبعث في الصدور الخشوع، وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم، ويتفننون في ألحانها على حسب تفننها في النظم. فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بالألحان المولديات الكريمات تقدمت أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششتُري رضي الله عنه وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيت من نفيس الشعر"(8).
ومع حلول العهد العلوي تهيأ لهذا الفن أن يستكمل خصائصه الأدبية والفنية، وأصبح مما تعنى به ملوك الدولة، وعلية القوم وعامتهم على السواء. ولعل مما يدل على شديد ولع الناس بهذا الفن وعظيم وقعه في نفوسهم ما أورده محمد بن العربي الدلائي في مجموع له إذ يقول: "ولما كانت صحبة النبي الكريم فرضا على الإنسان، والصلاة والسلام عليه من أجل ما تلفظ به اللسان، وأمداحه وذكر أوصافه الجميلة وشمائله الشريفة الجليلة من أفضل ما اعتنى به الإنسان، لأن ذلك ذريعة ووسيلة إلى صحبة الرحيم الرحمن، هاجت أفئدة أقوام جذبتهم أيدي السعادة، وأكرمهم الكريم بالحسنى وزيادة، فاقتطفوا من رياض محاسنه بديع الأزهار، وقلدوا بها جيود الموشحات والأشعار، وحلوها بحلل الألحان والنغمات التي تهيج الأفكار (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)(9).
ولقد أصبح من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في العهد العلوي أن يقام على المستوى الرسمي احتفال يرأسه ملك البلاد ويرعاه بنفسه، وتلتئم حول حضرته جموع من خيرة المسمعين الوافدين من مختلف حواضر المملكة. وما زالت هذه السنة دَيْدَنَ ملوك الدولة، دأبوا على إحيائها وتوارثوها خلفا عن سلف تأكيدا لحب المغاربة قاطبة لجدهم صلى الله عليه وسلم وتشبثهم بآل بيتهم الطاهرين.
ولاغرو، فإن أيادي ملوك البلاد البيضاء على فن المديح والسماع والعناية برجاله من المسمعين والمنشدين، ونشر مستعملاته من قصائد مولدية ومدائح نبوية، والتغني بألحانها إشادة بجده المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وبآل بيته الطيبين الطاهرين لهي من السنن الحميدة التي يضرب بها المثل في العالم الإسلامي ويقصر عن وصفها الواصفون.
أما على المستوى الشعبي فلعل خير ما يمثل به هاهنا احتفال الشرفاء الحسونيين في سلا حيث يستغرق الحفل أسبوعا كاملا تحتل منه الأنشطة والتظاهرات الموسيقية حيزا كبيرا تتجلى في وفرة طوائف المنشدين الذين يسيرون في ركاب موكب الشموع، وما يحتضنه ضريح سيدي عبد الله بن حسون من مشاهد فنية متنوعة يكللها احتفال اليوم السابع حيث تجتمع فرق المسمعين وتصدح أصواتهم بإنشاد بردة وهمزية البوصيري وغيرهما من القصائد والمقطعات المديحية.
ولقد واكب مسيرة التطور الذي عرفه فن السماع منذ ظهوره على يد العزفيين في القرن السادس للهجرة تطور شعر المديح النبوي بدوره، وما فتئ أن بلغ درجة تألقه واكتماله، ولا سيما في مصر على يد أعلام أسسوا لمدرسة جديدة في المديح يحق وصفها بالمغربية، وكان من ألمع هؤلاء أحمد بن عمر المرسي تلميذ علي بن عبد الله الشاذلي الذي تتلمذ على المتصوف المغربي الكبير أبي محمد عبد السلام بن مشيش العلمي دفين جبل العلم، ثم كان من أكثرهم شهرة أحد تلاميذ أبي العباس المرسي المذكور، هو أبو عبد الله شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري المتوفى سنة 696 هـ، صاحب قصيدتي "البردة والهمزية" اللتين طبقت شهرتهما الآفاق.
وقد لقيت هاتان القصيدتان عناية فائقة من المغاربة، تجلت من الوجهة الأدبية في الإقدام على شرحها ومعارضتها وتخميسها، مثلما تجلت من الناحية الفنية الموسيقية في اهتمام أرباب السماع بها واتخاذها ركيزة أساسية في إنشاد مستعملاتهم.

وتشكل هذه المستعملات في مغرب اليوم جماع ديوان الإنشادات الغنائية التي يمكن من أجل مقاربتها تقسيمها إلى قسمين هما:
1- المديح: ويراد به مقطعات شعرية مديحية  موزونة منتخبة  يرجعها أهل الذكر بالرقيق من كلام المتصوفة.
2- السماع: ويراد به القصائد المديحية المطولة كبردة البوصيري وهمزيته، وكألفية ابن رشد البغدادي، والمنفرجة لابن النحوي.
ولعناية المغاربة بفن المديح والسماع فقد عمدوا إلى تأليف مجاميع هي عبارة عن دواوين جمعوا فيها القصائد المولديات وغيرها من المقطعات الشعرية الموزونة والملحونة والموشحة مما يتغنى به المسمعون، وراعوا في ترتيب أشعارها وتبويبها طبوع الموسيقى الأندلسية المستعملة في أوساط أرباب السماع.
ومن هذه المجاميع:
- ديوان الأمداح النبوية وذكر الطبوع وبيان تعلقها بالطبائع الأربعة لأبي العباس أحمد بن محمد بن العربي أحضري الذي كان حيا أواخر المائة الثانية عشرة هـ. وقد جمع فيه ما اهتدى إليه من القصائد والمقطعات المولدية، وأكثرها من الشعر الموزون، وجعل كل واحدة منها مع ما يناسبها من الطبوع التي حصرها في ثلاثة عشر طبعا(10)
- فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار للحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي المتوفى سنة 1285 هـ. وفيه جمع ما ينشده المسمعون في مجالس الأمداح النبوية، ورتبها في واحد وعشرين طبعا تخرج ثلاثة منها عما تضمنته شجرة الطبوع عند محمد بن الحسين الحايك(11).
- استنزال الرحمات بإنشاد بردة المديح بالنغمات، لأبي عبد الله محمد العابد بن أحمد ابن سودة الفاسي المتوفى سنة 1359 هـ /1940 م. ويتضمن المجموع قصيدة البردة والقصائد والموشحات والأزجال والهمزية، وكلها مرتبة في ثلاثة عشر طبعا.
ونضيف إلى هذه المجاميع ثلاثا لا تعرف أسماء واضعيها وإن يكن غالب الظن أنهم من رجال القرن الثالث عشر هـ وهذه المجاميع هي:(12).
- البستان البهيج الرائق في أمداح أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- مجموع الأنوار ومنابع الأسرار في مدح النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- بستان الأنوار ونفحة الأزهار في مدح النبي المختار.
وتدل غزارة المجاميع التي وضعها المغاربة في هذا المجال على عظيم عنايتهم بفن المديح والسماع، وذلك على الرغم من شدة جدل فقهاء المغرب حول السماع وتشدد بعضهم فيه بسبب ذهاب الإمام مالك إلى القول بكراهيته.
وتنطوي هذه المجاميع على أهمية فنية صرفة تتمثل في التعريف بالطبوع التي كان استعمالها متداولا في عهود واضعيها إضافة إلى أهميتها من الوجهة الأدبية البحتة التي تتمثل في احتوائها على عدد وافر من القصائد والموشحات والأزجال والبراول، وهو أمر يحولها إلى مصدر من مصادر التعرف على بعض ما أبدعه غير قليل من شعراء المغرب في غرض المديح النبوي.
وإلى جانب ذلك تُنوِّه بعض المجاميع بما للسماع من أثر بليغ في النفوس، وفي ذلك يورد الدلائي في مقدمة مجموعة هذه المقولة: "اعلم أن للأرواح ارتباطا بالسماع والنغمات من حيث هي، وذلك ـ والله أعلم ـ أن الروح لما أريد دخولها في الجسد عولجت بالطرب والنغم، فبقيت تحن إليها دائما. وقد قيل: إن الأرواح لما خاطبها الحق سبحانه وتعالى في عالم الدر بقوله سبحانه: (ألست بربكم؟ قالوا بلى!) فبقى ذلك الخطاب ساريا فيها، فكلما سمعت صوتا حسنا أو شيئا مستحسنا إلا وتعلقت به ومالت إليه وتذكرت به لذيذ الخطاب، فيحصل لها الوجد والطرب، والله تعالى أعلم".
تعتبر مجاميع الأشعار المديحية والقصائد المولديات بمثابة برامج فنية يسير المادحون والمستمعون على هديها في حلقاتهم. ومن أجل ذلك فقد اتخذوا لهم مراكز معينة مبثوثة في كثير.من مدن المغرب، يتناشدون فيها الأشعار وفق الترتيب الوارد في المجاميع، ويتدرجون في تحليتها بالنغم والطبوع بحسب التسلسل الذي ارتضاهُ واضعوها.
وهكذا نشأت هنا وهناك مراكز فنِّ السماع، وأصبح لكل مركز أتباعه ومريدوه. وقد أشار التادلي في معرض وصفه لذكر بعض مراكز السماع التي كان المنشدون يتجمعون فيها، ومنها بفاس: زاوية الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي في صباح عيد المولد النبوي، وزاوية سيدي ابن عباد داخل باب الفتوح في كل جمعة بعد العصر، ومشهد سيدي علي بوغالب قرب باب الفتوح في صباح كل أربعاء. ومنها بتطوان: الزاوية الريسونية في عصر كل جمعة. وبالرباط: بيت شيخ الجماعة القاضي سيدي صالح الحكماوي، وزاوية مولاي العربي الدرقاوي.
وقد كان أرباب هذه الزاوية يتنافسون في خدمة فن السماع، فيحملون أتباعها على حفظ المستعملات الشعرية واستيعاب نغماتها عن طريق التلقين، بل لقد استطاع بعضهم القيام بإنجازات فنية أسهمت في ترقية الفن الموسيقي بالمغرب. ومن أعظم هذه الإنجازات اقتراح كبير الزاوية الفاسية أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي المتوفى سنة 1164 هـ تخصيص طبع رمل الماية بأشعار المديح النبوي. وقد تبنت زوايا فاس هذا الاقتراح، وحتى إذا حلت سنة 1305 هـ، عمدت لجنة من رجال الفن كان قد أنشاها محمد بن العربي الجامعي وزير السلطان المجاهد الحسن الأول لمراجعة كناش الحايك الذي هو ديوان مستعملات الموسيقى الأندلسية إلى استبدال أشعار نوبة رمل الماية الغزلية والوصفية بأخرى في موضوع المديح النبوي، متبنية بذلك صنيع رجال الزاوية الفاسية في منتصف القرن الثاني عشرالهجري.
وقد تلت هذه المبادرة أخرى لا تقل عنها جرأة بمدينة تطوان على يد أحد نوابغها في الموسيقى هو "السيد" عبد السلام بن علي ريسون الحسني المتوفى عام 1290 هـ الذي أدخل أشعار المولد المديحية في سائر نوبات "الآلة الأندلسية" مستعيضا بها عن أشعار الغزل والخمريات.
من هنا ندرك فضل الزاوية في تخريج مهرة الحفاظ المنشدين، كما ندرك عظم دورها في تطوير فن المديح والسماع والحفاظ على تقاليد أدائه. فلا عجب أن تكون موطن ابتكار "ميزان الدرج" بأشعاره الفصيحة والموشحة والملحونة، وهو ابتكار يكشف عن طاقات خارقة في تأليف الألحان وإبداع أنساق إيقاعية جديدة أضفت على فن المديح والسماع مزيدا من التدفق.
ولقد أفضى ترتيب أشعار المديح والسماع في مجاميع خاصة إلى انبثاق أنساق في الأداء يتحكم في طبيعتها الترتيب التي صنفت فيه الطبوع الموسيقية حتى غدا كل نسق يشكل نهجا مستقلا بنفسه، ومن ثم ظهر النسق الفاسي الذي يعكس طريقة الزاوية الفاسية التقليدية التي تستمد أصولها من كتاب "استنزال الرحمات" لمحمد العابد ابن سودة، كما ظهر النسق الرباطي الذي يعكس طريقة الزاوية الدلائية بهذه المدينة ويستمد قواعده من مجموعي محمد بن العربي أحضري ومحمد بن العربي الدلائي.
ويقوم النسقان على تقسيم قصيدة البردة إلى حصص بعدد الطبوع، فتنشد الحصة الأولى على طبع معين، وينشد بعدها على نفس الطبوع ما يتبعها من "البيتين" والموشحات والأزجال وحصة الهمزية، وهكذا في الحصة الثانية وما بعدها إلى حين استيفاء سائر طبوع حصص البردة وتوابعها.
وفيما تتوالى في الإستعمال الفاسي ثلاث عشرة حصة موزعة بين ثلاث عشر طبعا، تتعاقب في الاستعمال الرباطي عند الدلائي خاصة إحدى وعشرون حصة موزعة بين واحد وعشرين طبعا.
وفيما ترتكز مستعملات النهج الفاسي التقليدي على الطبوع الأساسية لنوبات الموسيقى الأندلسية الإحدى عشرة، ولا تتجاوزها إلا إلى طبعتين هما الصيكة والغريبة المحررة، فإن النهج الدلائي يعتمد سائر الطبوع التي تقام عليها نوبات الموسيقى الأندلسية الأساسية منها والملحقة بها، ولا يستثني غير ستة طبوع هي الزيدان، والحسين، وانقلاب الرمل، والغريبة المحررة، والزوركند، ومجنب الذيل؛ ولكنه في مقابل ذلك المجال للتعامل مع ثلاثة طبوع هي مما لا تحتويه شجرة الطبوع المغربية التقليدية، وهي الصيكة، وانقلاب الصيكة والجركة.
وقد اعترى النهجين المذكورين بعض التغيير، لتستقر عادة المسمعين اليوم على تبني نهج جديد في تركيب الحصص يعتمد على التجول عبر طبوع الموسيقى الأندلسية ـ وعددها أربع وعشرون حسب محمد بن الحسين الحايك ـ بل إنه يتجاوزها إلى استخدام طبوع أخرى كالجاركة، والعجم.
وإلى جانب ما تحفل به مناسبة المولد النبوي من إنشاد للأشعار المديحية على الألحان الموسيقية كما رأينا، فلقد عنوا بقراءة الموالد، وهي قصص منثورة ألفت في مناسبة المولد النبوي، وتتناول ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام وما أحاط بهذا الحدث العظيم من كرامات ونبوءات وخوارق وعلامات تمهد لنبوءته.
وقد تعددت نصوص المولد فعد ما ألفه المغاربة دون غيرهم فبلغ عند محمد الباقر الكتاني خمسين مولدا ساق أسماءها جميعا في كتابه "روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات"(13). وتتم قراءة الموالد وفق طريقة منغمة، وهي ما يعرف في المشرق العربي باسم "المنقبة النبوية". والعادة أن يكون إنشاد قصة المولد وفق أسلوب يمتزج فيه الإنشاد الفردي بالإنشاد الجماعي.
أما الإنشاد الفردي فيستغرق أغلب أجزاء المولد، ويضطلع به في العادة مقرئ جهير الصوت، قوي النبرات حسن مخارج الحروف، قادر على الارتفاع بصوته إلى النغمات الصادحة، وذلك على لحن موسيقى رتيب، يكرر مع كل فقرة، فيمتد نفسه بامتداد العبارة، ويقصر بقصرها، ولكنه لا يخرج عن الطبع الموسيقي الذي انطلق منه المنشد في البداية. على أن مهرة المنشدين دأبوا على تغيير الطبع الموسيقي كلما انتقلوا إلى فقرة جديدة.
أما الإنشاد الجماعي فيأتي في مواقع معينة من قصة المولد. وهي التالية:
1- ديباجة المولد، ونصها بعد الإفتتاح بالبسملة كالآتي: "عطر اللهم مجالسنا بأعطر صلاة وأطيب تسليم على أكمل مولود وأجل مودود. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله، واجعلنا يا مولانا من أعظم مخصوصين لديه متعلقين بأذياله".ويعتبر هذا الدعاء بمثابة لازمة تعاد تلاوتها من طرف المجموعة في مواقع متعددة من نص المولد. والعادة أن يجنح المنشدون في أدائه نحو البطء قليلا.
2- التصلية، وصيغتها كالآتي: صلى الله على محمد، وعلى آله وسلم، وهي تتوارد في مواقع عدة من سرد المولد، غير أنها في المواقع الثلاثة الأولى تعاد مرتين يفصل بينهما إنشاد جماعي لمقطوعة مديحية من قبيل التي استقبل بها الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم يوم مقدمه إلى المدينة. وأولها:

طـــلــــع البــدر عليــــنــــــا *** مـــــن ثنيـــات الــوداع

3- بيت شعر مفرد مأخوذ من قصيدة مولدية لابن الصباغ الجذامي هو:

وقوفا على الأقدام في حـق سيـد *** تعظمه الأملاك والجن والإنس

وقد تواضع المسمعون على ترجيع هذا البيت عدة مرات إيذانا بالفقرة الختامية للمولد.
وفي هذه الخاتمة ينتقل المسمعون إلى إنشاد جواري يتجاوب فيه القارئ المنفرد مع المجموعة، فيضطلع الأول بقراءة تسليمات تتجدد صيغتها، وتضطلع المجموعة بترجيع تصلية لا تتغير صيغتها "صلى الله عليك وعلى آلك وسلم". ويجرى ذلك الحوار في تساوق وتجانس ثم يعلن المنشد عن ختم قصة المولد بالتسليم التالي: السلام عليك بكل سلام أوجده الله.
ولم يكن رجال المديح يجدون أي حرج في الوجد والغناء عند احتفالهم بالمولد النبوي، فلقد جاء في تحفة الأكابر "أن سيدي عبد القادر الفاسي كان لا يمنع في الفرح بالمولد النبوي والجناب العاطر المصطفوي من الرقص والشطح" غير أن ذلك لم يكن يعدم من يناهضه، ويرى فيه بدعة تخالف الدين، ولعل أشد المناهضين ابن الحاج صاحب "المدخل" فقد ذكر أن عمل المولد بدعة، وإن سلم من الآفات الشرعية، فكيف به معها، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا الناس إلى اتخاذ شهر ربيع الأول مناسبة للتأسي والحزن.
ويأتي فتح الله البناني في كتابه "فتح الله في مولد خير خلق الله" فيعرف بالغناء المباح في المولد. وكأنما يريد أن يكبح جماع المفرطين في مظاهر الإحتفال مما هو محظور شرعا فيقول:(14)

وارفض سماع كــل غــر منشــد *** بوصف حسناء ووصف أمـردِ

واهرب تفزْ من صوت هذا الوغـــد

وكما ذكرنا من قبل فإن فن المديح يعتمد على الطبوع الأندلسية المغربية اعتمادا كليا، غير أن طبع "رمل الماية" يبقى أفضل هذه الطبوع وأكثرها استعمالا. وقد ذهب المرحوم محمد الفاسي في تبرير ذلك بكون نوبة رمل الماية أقدر على استجلاء معاني التعظيم والجلال التي تليق بشخص الرسول الأعظم، وأن "نغماتها أنسب نغمات الموسيقى للتعبير عما يكنه المسلم المخلص من تقدير وإجلال لمقام الرسول عليه السلام"(15). على أن هناك من المنشدين من يجنحون إلى استعمال بعض النغمات المشرقية ذات أرباع النغمات ينتقلون إليها انتقالا ذكيا من إحدى النغمات الأندلسية فيشدون عليها بعض المواويل، ثم يعودون في رفق إلى النغمة الأندلسية.

الهوامش
(1)-عبد الله كنون: النبوغ المغربي، ج 1، ط 2، ص: 123.
(2)-ديوان ابن الصباغ الجذامي، مخ. خ. ع.
(3)-التعريف بابن خلدون، تصح. محمد بن تاويت الطنجي، ص: 8.
(4)- فتح الله البناني: كتاب فتح الله في مولد خير خلق الله، ص: 161.
(5)-ابن الأحمر: نثير الجمان، ص: 324 ـ 326.
(6)-.كتاب الإمتاع والإنتفاع، تحق ـ د. محمد بنشقرون. بتصرف.
(7)- محمد المنوني. مج دعوة الحق، ع 8 ص: 11
(8)-مناهل الصفا، تحق كريم. ص: 236 ـ 238.
(9)-مخطوطة في ملك الأستاذ محمد المنوني.

(10) مخطوط في ملك الأستاذ محمد المنوني.
(11) مخ. خ ع. رقم 3285 د.
(12) محمد المنوني. مج البحث العلمي، ع 14 و15، س 6. يناير “ دجنبر 1969، ص: 167.
(13مط: الأمنية، بالرباط، 1295/1875.
(14)- فتح الله البناني، المرجع السابق، ص: 151.
(15مج تطوان: ع 7، 1962 م، ص: 25.

الموسيقى الروحية في المغرب

تحتل الموسيقى الروحية من التراث الموسيقي المغربي موقعا عظيما بسبب ما تحمله من سمات وخصوصيات تتميز بها من بين سائر أنماط المستعملات الموسيقية والغنائية السائدة بين الناس، مما نطلق عليه الموسيقى التقليدية وفنون الموسيقى الشعبية. ويأتي في مقدمة هذه السمات أن ممارستها تتم في أجواء دينية تسودها الروحانية وتجللها مشاعر القداسة، وتسمو بالوجدان إلى أعلى المقامات والمراتب.

ومما يميز الموسيقى الروحية أنها لا تقتصر على المراسيم الدينية أو الحفلات والمناسبات التي تقام أصلا من أجل تلك المراسيم، بل هي تتجاوز نطاقها الزماني، وفضاءها المكاني لترتاد أجواء أرحب وأوسع. وليس أدل على ذلك من الدعوة إلى الصلاة بالأذان الذي ينطلق من أعلى صوامع المساجد خمس مرات في اليوم، فيملأ أرجاء المدن والقرى. وحتى تلاوة القرآن الكريم، فإنها ليست حكرا على المصلين في المساجد، ولكنها مما يستمع إليه عامة الناس صباح مساء عبر أمواج الإذاعة والتلفزة، وهي أيضا مما تتصدر به الحفلات العامة والأسروية. وهكذا يبدو جمهور الموسيقى الروحية عريضا إلى حد كبير، وذلك وجه من وجوه تميزها عن قداسات الكنائس والبيع.

ومن مميزات الموسيقى الروحية بالمغرب أيضا قيامها على الأداء الفردي وخلوها من العزف على الآلات الموسيقية، ولاسيما بالنسبة للأذان وترتيل القرآن. أما فيما عداهما فإن الغالب أن يكون الأداء الصوتي جماعيا يتخلله الإنشاد الفردي بين الفينة والأخرى، كما يتخلله العزف على الآلات في حالات نادرة.

وبالرغم من تداخل فنون الموسيقى عامة وانسجامها بشكل شامل في وحدة العناصر الفنية المكونة لها، فإن "الموسيقى الروحية" تبقى محملة باختلافات واضحة وجوهرية تتبلور من خلال الأجواء التي تمارس فيها ومن خلال أساليب أدائها وما يلف كل ذلك من ملابسات.

وسيكون في الإمكان ـ مع شيء من التساهل والتجاوز ـ تعريف الموسيقى الروحية بالقول: إنها جماع الأساليب والتقاليد الغنائية التي ترتبط بالمراسيم الدينية كالصلاة، والإعلان عنها بالأذان، وإقامتها، والتي ترتبط أيضا ـ بالمناسبات الدينية كعيدي الفطر والأضحى، والتي تقام إحياء لذكرى حدث كان له وقع عظيم في حياة الأمة الإسلامية، من قبيل الإحتفال باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول الذي يخلد ذكرى مولد الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، واليوم الأول من شهر محرم ذكرى هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، وما ماثل ذلك من المستعملات التي ينطوي أداؤها على خلفية دينية باعتبارها السمة الثابتة للإنشادات الدينية.

ومن هنا تتحكم في ممارسة مستعملات الموسيقى الروحية جملة من المواصفات تشكل الإطار الملائم لها، وتتحدد بمقتضاها الشروط النفسية والفنية الكفيلة بخلق المناخ السليم لأداتها. وأمام تنوع المستعملات التي تندرج ضمن هذا التعريف نقترح تصنيفها في هذه المحاور :
1- موسيقى المديح والسماع 
2- موسيقى أذكار طرق المتصوفة
*- إشعاع الزاوية المغربية
*- الغناء الصوفي
3- الخصائص الفنية للأغنية الصوفية 
4- أسلوب الأغنية الصوفية 
5- ترتيل القرآن الكريم
*- أنماط التلاوة المغربية
6- الأذان للصلاة

عبد العزيز بن عبد الجليل

موسيقى أذكار طرق المتصوفة

تعني الطريقة مذهبا صوفيا معينا، له أتباع من خواص الناس وعامتهم، ولكل طريقة مؤسس وأتباع، كما أن لكل منها مركزا يلتقى فيه أتباعها. وهو في الغالب ما يعرف بالزاوية.

والواقع أن المغرب كان منذ القرن الثاني للهجرة، وعلى امتداد تاريخه في ظل الإسلام، واقعا تحت تأثير كل من الشرق الإسلامي وبلاد الأندلس، يظهر هذا في أخذه بكثير من الأنظمة والتقاليد الواردة منهما، فلم يكن من البدع في شيء أن يأخذ أيضا بنظم الحركة الصوفية، وأن يتبنى طقوسها وتقاليدها، وأن يقيم بمناطق مختلفة من ربوعه زوايا ورباطات.
وقد كانت الزوايا في مرحلة نشوئها الأولى التي تمتد حتى حلول القرن السادس للهجرة تعرف بدور الكرامة أو دور الضيوف، كما كانت ذات دور ديني وجهادي في آن واحد، إذ تستخدم لإقامة الشعائر الدينية وحماية ثغور البلاد.
على أن التأثر المومأ إليه بلغ شأوه البعيد في العصر الموحدي الذي وجد في الصوفية ما يقيم دعائم التوحيد الذي كان شعار الدولة آنذاك. حتى إذا قامت الدولة المرينية زادت من تنشيط الحركة الصوفية، ووجدت في أبي الحسن الشاذلي تلميذ القطب المولى عبد السلام بن مشيش خير عنصر يذكي هذه الحركة، فأحاطته بالعناية وأمدته بالعون. وهكذا لم تدركه الوفاة عام 658 هـ/ 1258 م حتى كانت طريقته قد بلغت شأوا بعيدا من الشهرة وسعة الانتشار، إلى جانب طريقة أبي صالح الدكالي المتوفى بأسفي سنة 631 هـ، وطريقة أبي زكريا الحاجي الذي ظهر بسلا آخر القرن الثامن. وقد كانت هذه الطرق في مجملها تمثل الصوفية السنية وتشكل أحد التيارات الفكرية في المغرب العربي(1).
ولم يكن تشجيع السعديين للحركة الصوفية بأقل ممن سبقهم، فلقد نقلوا رفات مؤسس الطريقة الجزولية التي تفرعت من الشاذلية إلى مراكش حيث أقاموا له ضريحا أصبح محجا للمتصوفين، وكان هذا العمل بمثابة اعتراف منهم بما لرجال الصوفية من أيادي بيضاء على البلاد تجلت في مساعدة الدولة على مقاومة المجاعة التي أصابت المغرب في الربع الأول من القرن السادس عشر، ومساهمتهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وما كان لهم من نفوذ روحي في الأوساط الشعبية مكن للدولة الحاكمة ودعم أركانها وآزرها في مقاومة الإحتلال الأجنبي آنذاك.

إشعاع الزاوية المغربية
ثم امتدت الصوفية المغربية إلى ما وراء الحدود المغربية، فتأسست بمختلف أقاليم الشمال الإفريقي ـ بل وحتى في مصر-زوايا تقتبس من معين الطرق المغربية كالعيساوية والتيجانية والطيبية بتونس، كما أحدث المغاربة أورادا خاصة لطرق خارجة عن المغرب مثل القادرية (2).
وهكذا أصبحت الصوفية المغربية تضطلع بدور التربية الروحية في أرجاء العالم الإسلامي، وظلت حتى القرن الثامن للهجرة نقية طاهرة تقتصر على العبادة وتلاوة القرآن والذكر والأوراد المقتبسة من الآيات القرآنية، كحزب الشاذلي.
وقد سارت الأذكار المغربية في بلدان العالم الإسلامي مسار الأمثال في اللهجات، ناهيك بدلائل الخيرات التي أنشأها محمد بن سليمان الجزولي المراكشي المتوفى عام 870 هـ، فإن هذه الصلاة لا تكاد تخلو منها خزانات البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، حتى قال عنها الحاجي خليفة (3). يواظب بقراءته في المشارق والمغارب، لاسيما في بلاد الروم" وحتى قال عنها محمد مرتضى الزبيدي (4) "أنه ولعت به الخاصة والعامة وخدموه بشروح وحواش".
وقد برزت إلى الوجود في العهد العلوي وقبيل حلوله زوايا أصبحت مراكز للتصوف وتلاوة الأحزاب وقراءة الأوراد والذكر. وكان أنشط هذه الزوايا:
1- زاوية حي المخفية بفاس وزاوية حي العيون بتطوان، وقد أسسهما معا الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي المتوفي سنة 1013 هـ، ورتب لمريدهما أورادا يقرأونها صباحا وعشية وبعد الغروب: ففي الصباح يقرأون حزب الفلاح الذي جمعه محمد بن سليمان الجزولي، والمسبعات العشر والمعشرات التسع، ووظيفة الشيخ زروق، والحزب الكبير لأبي الحسن الشاذلي. فإذا كان العشي قرأوا المسبعات العشر ووظيفة الشيخ زروق، وإذا غربت الشمس قرأوا حزب الفلاح للشيخ الجزولي، ورددوا سبعين مرة عبارة "حسبنا الله ونعم الوكيل" وختموا بالصلاة المشيشية للشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش.
2- زاوية حي القلقليين بفاس التي أسسها عبد الرحمن بن محمد الفاسي المدعو بالعارف المتوفى سنة 1045 هـ وخلفه عليها حفيد أخيه عبد القادر بن علي الفاسي (1007 هـ ـ 1091 م) وقد كان المريدون على عهد هذا الأخير يجتمعون للذكر مرتين في اليوم: أولاهما بعد صلاة الصبح فيقرأون حزب الغداة ـ وضمنه حزب الفلاح والمسبعات والحزب الكبير ـ ثم يرددون الشهادتين، فاسم الجلالة ويختمون بتلاوة الفاتحة. وثانيتهما بعد صلاة المغرب، فيقرأون حزب الفلاح وحزب الشيخ عبد القادر الجيلالي والصلاة المشيشية.
3- زاوية تامكروت بدرعة جنوب المغرب التي أسسها عمر بن أحمد الأنصاري عام 983 هـ وقد تعاقب على رئاستها أشياخ كان أعظمهم محمد بن ناصر الدرعي (تــ 1085)،الذي نزل بالزاوية سنة 1040 هـ. وقد نصح هذا الأخير مريديه بقراءة الأذكار المأثورة، ثم الاستغفار والتصلية والهيللة دون تقيد بوقت معين.
4- الزاوية الدلائية التي أسسها في أواخر القرن العاشر أبو بكر بن محمد الدلائي. ولما آل أمرها إلى محمد بن أبي بكر (967 ـ 1046 هـ) جعل أذكاره هي الاستغفار، والتصلية والهيللة وبعض الأدعية، ثم لما عاد من الحج حمل معه بعض أوراد شيخ مصر محمد البكري كـ (صلاة الفاتح لما أغلق) التي مازال التيجانيون حتى اليوم مواظبين على تلاوتها في زاويتهم.

الغناء الصوفي
ولقد أصبح الإنشاد والتطريب من أوثق ما يربط الناس بالطرق، وكأنما أدرك مشايخها ما للموسيقى من سحر في النفوس وتأثير على الطبائع، فحولوا مجامعهم إلى مواطن روحية تردد فيها الألحان الشجية والأغاني المرقصة، وتوقع فيها أحيانا آلات الموسيقى على اختلاف أنواعها. ولعل ذلك ما قصده اليوسي وهو يتحدث عن المريد الذي يتعاطى السماع إذ قال: "وقد يكون متمكنا يريد تدريج غيره"(5). كما جعل بعض الفقهاء من وجوه إباحته "التنازل للمريدين حتى تتفرغ قلوبهم لقبول الحق في قالب الباطل إذ ليس لهم القوة لقبول الحق في وجهه إلا بواسطة من الطبع". ولهذا الوجه نحا الشيخ أبو الحسن الششتري رحمة الله عليه بأزجاله. ولاشك أن استجلاب النفوس بمساعدة طبعها أهدى لتقريب نفعها.(6). ولقد عبر عن هذه المعاني صاحب "المواهب اللدنية" إذ قال في كلامه على السماع آخر المقصد التاسع: "فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثم وضع العارف الكبير سيدي علي الوفوى"(7) حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة تنشيطا لقلوب المريدين، وترويحا لأسرار السالكين. فإن النفس كما قدمناه، لها حظ من الألحان، فإذا قبلت هذه الواردات السنية من الموارد النبوية المحمدية، بهذه النغمات الفائقة، والأوزان الرائقة، تشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد المحمدي فأثمر شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف عوارف المعارف"(8).
وشيئا فشيئا ظهرت البوادر الأولى لنشوء أسلوب جديد من الغناء هو ما يمكن أن نسميه "الغناء الصوفي" وقوامه تلاوة الأذكار والأوراد في الزوايا والأضرحة "على مراعاة الطبوع والألحان والأوزان" (9)
لقد تضافرت عوامل شتى مكنت للموسيقى والغناء من ولوج رحاب التصوف في المغرب كان من بينها:
1- التأثير الخارجي، وأعني بذلك تسرب النظريات والطقوس التي تبثها مدارس التصوف في الأندلس والمشرق الإسلامي، ومن بينها مجاهدة النفس على سماع الألحان. فلقد أخذ متصوفو المغرب عن هذه المدارس ممارسة الرقص والغناء كما أخذوا عنها استعمال الآلات الموسيقية كالطبول والمزامير.
يقول مؤرخ تطوان محمد داود: "أما الذكر في الأسواق والرقص والسماع فلا يعرف فيما قبل مولاي العربي الدرقاوي المتوفى عام 1239 هـ الذي من أشياخه السادة الفاسيون. وهذه الطريقة وقع فيها تقليد المشارقة، كما أن أصحاب الشيخ سيدي محمد بن عيسى أخذوا الشطح عن الرفاعية المصرية، ومنها أخذت البيارق والأعلام والطبول والمزامير". (10) 
2- موقف رجال التصوف أنفسهم من السماع، فلقد تسامحوا في ممارسته واعتبره كثير منهم مما يتوسل به إلى خالقه، ويحلي به أذكاره وأوراده، ويلوذ بحماه من أدران المجتمع، ويرفع به عوامل القلق في هذه الحياة حيث طغت الماديات، ويحلق على أجنحته في أجواء الطهر والنقاء. يقول المنجور: التصوف هو تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله.
وفي هذا المجال يشار إلى علمين من أعلام المتصوفة هما الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي والشيخ عبد القادر الفاسي، فلقد كانت الزاوية الدلائية على عهد محمد بن أبي بكر تحيى ليلة المولد النبوي بإنشاد القصائد والمقطعات والموشحات في مدح الرسول الكريم وخاصة قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري، كما أثر عن الشيخ نفسه أنه مال إلى الإكثار من السماع في آخر حياته، فنما خبر ذلك إلى شيخه أحمد بن القاضي، فكتب إليه يقول:

عهدتك مــــا تصبـــو وفـيـــك شبيبــــة *** فمالك بعد الشيب أصبحت صابيــــا

فأجابه الدلائي بقوله:

نعم، لاح برقُ الحسن فاختطف الحشا *** فلبيـتــه مــن بعـــد ما كنــت آبيــــا

أما الشيخ عبد القادر الفاسي فقد بلغ من ولعه بالسماع أنه كان يسمح لمريدي زاويته بفاس بالتغني بالأمداح النبوية وأشعار الصوفية بحضرته، "وكان يحب الششتري بالملحون، وكلام سيدي عبد الرحمن المجذوب وغيره، ولا ينكر شيئا من ذلك "غير أنه كان" لا يحب آلة مع ذلك سدا للذريعة وكان يرخص الرقص... والشطح" (11)
3- ما كان يشوب موقف الفقهاء ورجال الدين أحيانا من تساهل إزاء المتصوفين عند تواجدهم بالرقص والطرب. فقد جاء في شرح الوغليسية أن ما وقع لبعض المساكين من السماع بهذه الآلات محمول على أنهم أصحاب حال (12). وصاحب الحال له حكم المجنون في جميع الحالات، ويسلم له ولا يقتدى به.
وفي هذا المعنى يقول ابن البناء عن الغناء:

وإنمــــا أبــــــيـــح للزهـــــــاد *** وندبه إلـــى الشيـــوخ بــــاد
وهو على العـــــــــوام كالحرام *** عند الشيوخ الحلة الأعـــلام

ومثل هذا الموقف يستشف من كلام مؤرخ مكناس ابن زيدان عند ترجمته للشيخ أبي البركات علي بن محمد المدعو "حمدوش" دفين جبل زرهون. فقد ذكر أنه "كان من أهل الجذب ساقط التكليف قوى الحال، يحب السماع والأمداح ويرتاح للطرب ويصبو لسماع آلاته" (13)، كما ذكر "أنه لا يصح لمميز الاقتداء به بحال، فقد أطبقت كلمة من نظمه معه الزمان أنه كان مجذوبا معلوما بالغيبة والوله، ومن هذا سبيله سقط عنه التكليف ولا يصح الإقتداء به في حال"(14)ولكأنما أبيح السماح للمتصوفة دون غيرهم، حتى روي عن أبي العباس أحمد بن علي الهشتوكي أنه قال لأحد الثقات: يا بني إياك أن تنكر على الفقراء إذا اشتغلوا بالسماع وإياك أن تحضر معهم"(15).
4- الشعبية التي كانت تطبع زوايا ورباطات المتصوفين. فلقد كانت هذه المراكز بمثابة أندية تلتقي فيها الطبقات الشعبية على تباين مستوياتها الثقافية والإقتصادية والإجتماعية، لتردد على صعيد واحد الأوراد والأذكار أو لتستمع إلى المواعظ والترتيلات.
5- وتأتي بعد هذه العلل علة أخرى برزت بعد سقوط الأندلس خاصة وفي فترات تلاشي مظاهر الحكم بالمغرب، وقد ندرت مجالس الطرب التي كان الأمراء والخلفاء يعقدون حلقاتها في قصورهم، نتيجة ما آل إليه الحاكمون من ضعف وانحلال وتشريد، أو اشتغال هؤلاء بمواجهة ضروب الإعتداء على الحدود واتخاذ العدة للم الشمل المتفرق. وكادت محافل الموسيقى أن تنقطع لولا بقية من صوفية كانوا يجتمعون بزواياهم على الذكر والغناء فكانوا حلقة الوصل بين الحاضر والماضي، كما كانوا بحق حماة التراث الموسيقي الأصيل، ومن هنا ندرك الدور الإيجابي الذي لعبته الزوايا الصوفية بالمغرب في الحفاظ على أصول الغناء العربي من الإندثار.

الهوامش:
(1) - محمد المنوني: مجلة الثقافة المغربية، ع 5.
(2) - الحسن السائح: دعوة الحق، ع 2، 3، السنة 19 مارس 1978.
(3) - كشف الظنون، ج 1، ص: 495.
(4) - إتحاف السادة المتقين، ج 4، ص: 50.
(5) - رسائل اليوسي: جمع فاطمة خليل القبلي، ج 2، ص: 430.
(6) - أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن الفاسي: الكراسة الأخيرة من مجموعة 4367 م المحبسة على خزانة الجامع الكبير بمكناس حول حكم السماع عند الفقهاء والصوفية.
(7) - توفي عام 807 هـ /1404 م.
(8) - عن الإعلام للمراكشي السملالي، ج4، ص: 94. انظر ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع لمحمد المهدي الفاسي، ص: 29.
(9) - السملالي المراكشي: الإعلام، ج4، ص 94.
(10) - تاريخ تطوان، ج1، ص: 308.
(11) -عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي: تحفة الأكابر، الباب الثاني عشر.
(12) - ذكر اليوسي في إحدى رسائله أن "الحال عند الصوفية إذا نزلت فإنها قد تحرك الصياح والطرب، وحركة الجسد بالدوران أو الرقص أو التصفيق". انظر رسائل أبي علي اليوسي، ج 2، ص: 430.
(13) - الإتحاف، ج 5، من ص: 459.
(14) - الإتحاف، ج5، ص: 461.
(15) - رسائل اليوسي، ج 2، ص: 547.

الخصائص الفنية للأغنية الصوفية

للأغنية الصوفية خصائص ومميزات متعددة سواء من حيث نوعية الموضوعات التي تتطرق إليها، أو من حيث اعتمادها على ألحان موسيقية مميزة، هي في الغالب مزيج من الطبوع والمقامات المستعملة في أنماط الموسيقى المغربية..

تتميز الأغنية الصوفية بخصائص فنية أهمها:
1- أنها تعتمد من حيث الموضوعات على قصائد منظومة في الذكر لأقطاب الصوفية كابن الفارض والششتري والحراق، وعلى ما نظمه أشياخ الطرق ورجالها من أوراد وأحزاب وأدعية. ومثال ذلك دلائل الخيرات للشيخ الجزولي المتوفي عام 870 هـ، والصلاة المشيشية لمولاي عبد السلام بن مشيش، وحزب الإبريز للشيخ سيدي محمد بن عيسى، وورد الكتانيين وأذكار الطريقة الوزانية والتيجانية وغيرها. وقد ألفت بعض هذه الأوراد بلغة هي مزيح من الفصحى والعامية وألفت أخرى بإحدى اللهجات الأمازيغية إمعانا في استنهاض القوم بلسانهم، مثل كتاب "بحر الدموع" للشيخ محمد بن علي الهوزالي، ومنظومة الأصناكي وغيرهما (1)، وهكذا يجمع كلام الصوفية بين المنظوم والمنثور، في حين لا تنشد طوائف المستمعين إلا الأشعار المنظومة.
2- تقدم الأغنية الصوفية على ألحان موسيقية هي في الغالب مزيج من الطبوع والمقامات المستعملة في أنماط الموسيقى المغربية. وأغلب هذه الطبوع تلك المستعملة في الموسيقى الأندلسية. وقد أفرد الدلائي خاتمة كتابه لذكر ما هو مستعمل من الطبوع الأندلسية في محافل الذكر عند المتصوفة، وفي هذا الفصل ذكر طرائق من بعض الطبوع الأندلسية هكذا:
1- طريقة من الحجازي المشرقي في إحدى وعشرين صنعة.
2- طريقة من الاصبهان في عشر صنعات.
3- طريقة من رمل الماية في خمس صنعات.
4- طريقة غريبة الحسين والصيكة مختلفتين في تسع عشرة صنعة.
5- طريقة من الحجازي الكبير والحصار في اثنتي عشرة صنعة، الأربعة الأخيرة منها تميل إلى طبع عراق العجم، وتتلوها أربع صنعات تميل إلى رمل الذيل، ثم أربعة أخرى تخرج فيها إلى طبع الرصد.
6- طريقة من المشرقي الصغير في سبع صنعات تليها سبع أخريات في طبع الاستهلال.
وهكذا يبلغ عدد طبوع الموسيقى الأندلسية المستخدمة عند أصحاب الذكر ـ حسب الدلائي ـ اثني عشر طبعا (2).
3- وأغلب ما يكون الذكر جماعيا، وهو ما يرمز إلى التلاحم الروحي الذي يجمع ين أتباع الطريقة.
4- أما الرقص، فلقد وجدوا فيه خير سبيل إلى استراق القلوب واستلاب الوجدان، وكأنما يريدون من خلال تعاطيهم للشطح تكسير القيود التي تربطهم بالأرض والناس والحياة المادية ليحلوا في الأجواء الروحانية الصافية. وتتمسك الطرق بالرقص تمسكا عظيما لأنها تعتبره أداة فعالة في تحقيق المقاصد الصوفية. ومن ثم فقد غدا يمثل ركنا من أركان الفن الصوفي، إلى جانب الذكر والغناء والموسيقى.
يروي الحسن اليوسي في المحاضرات (3): "أن جماعة قدموا على سيدي محمد الشرقي التادلاوي، فخرج إليهم، وتحرك سماع، فلم يشعروا به إلا وهو وسطهم يتواجد، وليس عليه القميص، فقال بعض الجالسين سرا: هذا رجل خفيف. فإذا هو على الفور تكلم على خواطرهم فقال:

اللـــــــه اللـــــه يا للـــــه *** اللــه اللـــه يـــا لطيـــــف
والحـب يهــز الرجــــال *** لا واللـــه مانـــي اخفيــف

ويعقب اليوسي على ذلك فيقول: ومن هذا قول القطب العارف الشيخ أبي مدين رضي الله عنه:

فقل للذي ينهي عن الوجـــد أهلــه *** إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا

وأهم ما يميز رقص الطرقيين أنه يسير وفق قواعد وتقاليد متوارثة بين رجال الطرق، وأنه "يختلف حركة وقوة وحدة باختلاف الطوائف: فإذا كان مثلا رقص درقاوة والقاسميين هادئا ليس فيه غير الهز العمودي للجسم، فإن رقص احمادشة وعيساوة يعتمد على تحريك قوى الجسم والأطراف، مع الضرب العنيف بالأقدام على الأرض"(4). ويبلغ الرقص حدته عند بعض الطوائف وخاصة لدى انصرافها إلى التوسل والجذب على مقاطع كلمة "المدد" التي ترددها على نغمة مكررة، كما هو الشأن عند العيساويين وأهل توات. وهو في هذه الحالة يتحد ويصطخب ويبلغ من العنف درجة قصوى لا يوازيها إلا قوة الأداء الصوتي الذي يكاد يتحول إلى حشرجة مختنقة.
وقد تستحوذ على المريد المنهمك في الذكر والرقص حالات من الوجد يفقد معها وعيه بالناس وشعوره بما حوله. وإلى ذلك يشير ابن خلدون إذ يقول: "إن الجسد إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشوؤه". ويذهب ابن خلدون بعد ذلك إلى تعليل هذه الظاهرة فيقول: "وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح"(5). وهو تعليل كما نرى تطبعه سمة تجمع بين النزعة الصوفية والنظرة العلمية، في حين يذهب غيره مذهب التأثير بالخوارق فيزعم أن مثل هذه الحالات إنما هي من كرامات الصوفيين(6). وقد أنشد صاحب التشوف البيت التالي:

ولله في الأرواح عند استماعها *** إلى اللحن سر في الورى غير مظهر

وهكذا أصبح التوسل بالأوراد والأذكار يشكل ـ إلى جانب المواظبة على الصلاة ـ دعامة أساسية في تكوين المريد وتربيته تربية روحية.
5- وإلى جانب الرقص، تساهم الآلات النقرية بدورها في بلورة الخصائص الإيقاعية لأغاني الطرقيين. ويبدو ذلك جليا من وفرة هذه الآلات التي تصاحب الإنشاد وحركات الرقص، كالطبلة لدى القاسميين، والدف والطاسة عند التهاميين، والطارة عند العيساويين، والهواز لدى الهداوين، والتعريجة وأكوال عند احمادشة، والبندير لدى الجيلاليين.
ولقد كان من نتائج تداول آلات النقر أن أصبحت بعض إيقاعات الأغاني الصوفية بالغة التعقيد والصعوبة، وخاصة لدى احمادشة وهداوة، كما بلغت الأوزان من الاكتمال ما جعلها تقوم بذاتها وتستقل بكيانها. ومن أبرز هذه الأوزان أوزان احمادشة، وهي الخمارى والمزلوك والمجرد، وأوزان جيلالة، وهي الرباني والجيلالي والمجرد والجيلالية(7).
6- وعلى النقيض من لجوء هذه الطوائف ونظائرها إلى صياغة ألحانها في أوزان موسيقية محددة الإيقاع، يلجأ مريدو الطريقة الجزولية وما شاكلها من الطوائف التي تترفع عن استعمال الآلات إلى الاعتماد على الألفاظ واعتبارها أساسا لتوقيع الألحان، فتمد أو تقصر الكلمات، وتسكن المتحرك، وتحرك الساكن، بحسب ما يلائم ذلك من الألحان، وهكذا تتحكم الكلمات هي وحدها في النفس اللحني، ويكاد ينعدم الميزان بمعناه الموسيقي. وقد أشار إلى هذه الظاهرة السملالي المراكشي صاحب الإعلام في صدد ترجمته للشيخ الجزولي(8).
وقد انعكست نتائج هذه الظاهرة على الإنتاج الغنائي لهؤلاء المادحين، فجاءت أناشيدهم حرة الأداء، وكانت أدعى إلى التأمل والتدبر فيما احتوته من معاني، في حين انعكس الالتزام بالميازين لدى الطوائف الأخرى على أغانيها، فجاءت صاخبة الإيقاع، وكانت بدورها أدعى إلى التواجد والشرود الفكري، كما كانت حركاتها أقرب إلى الجذب منها إلى الرقص الموقع.
وباستثناء بعض الطرق الصوفية التي لا تستخدم الآلات مطلقا، وإنما تعتمد كلية على الإنشاد الصوتي وفق الأنغام الموسيقية على طريقة المسمعين، كالكتانيين والتيجانيين والشرفاء الصقليين، فإنا نجد باقي الطرق ـ وهي التي تشكل النسبة الغالبة ـ تعتمد في إنشادها على المصاحبة الآلية. ونستطيع أن نصنف هذه الطرق في فئات ثلاث.
· الفئة الأولى : تعتمد بالدرجة الأولى على الآلات الوترية. وتشكل من الطرق التي ينتسب رجالها وروادها في الغالب إلى الأوساط البورجوازية والمحافظة. وتكاد هذه الفئة تلتقي في استخدامها للوتريات مع أجواق "الآلة الأندلسية للشبه القائم بينهما". وأبرز طوائف هذه الفئة: الصديقية والحراقية والريسونية والشقورية والدرقاوية، وإلى هذه الفئة الأخيرة أشار التادلي (9)بقوله: ... السادات الصوفية أصحاب مولاي العربي الدرقاوي، ومعهم مولاي عبد الرحمن الفجيجي الذي يضرب العود. ومن خلال تتبع حلقة ذكر تحييها الزاوية الشقورية بالشاون يلاحظ استعمال الكمنجة والعود والرباب مع الإعتماد على الطر والدربوكة لضبط الإيقاع. والواقع أن مدن الشمال تكاد تنفرد بظاهرة استخدام الآلات الوترية في مصاحبة الإنشاد داخل الزوايا وهي ظاهرة تؤكد النزعة التحررية وسمة التسامح اللتين تطبعان النشاط الموسيقي بالمدن الشمالية.
· الفئة الثانية : تعتمد في مصاحبة إنشادها على آلات النفخ والنقر، مثل التهاميين والغازيين والعيساويين واحمادشة وجيلالة، وينتمي أغلب هذه الطرق إلى أوساط الحرفيين وعامة الشعب، على أن آلات النقر تحتل الدرجة الأولى في الاستعمال بالنسبة للأسرة الهوائية التي تحتضن النفير الغيطة والليرة والعوادة (وهو مزمار من قصب سميك).
· الفئة الثالثة: تكاد لا تستعمل سوى آلات النقر كطائفة هداوة، وإلى ذلك أشار إبراهيم التادلي إذ قال: إن الهداويين يستعملون الإيقاع الثلاثي، فإن دقهم في أكوال ثلاث مرات يشطحون ويضربون عليه (10). وتندرج تحت هذه الفئة الزاوية الحسونية بسلا، غير أنها تستخدم من بين آلات النقر ما هو ألصق بألوان الموسيقى الشعبية كالطاسة والطبلة والطبل الكبير والطارة التي يراد بها البندير.
ويلاحظ أن الفئتين الأخيرتين لا تستعملان آلات الوتر في غالب الأحيان، فإن هما استخدمتاها كان ذلك على سبيل نقرها بالأصابع لا غير، كما هو الشأن في استعمال احمادشة للكمبري وكناوة للهجهوج.
ولقد وقفت بعض الطوائف الصوفية من الآلات الموسيقية موقفا سلبيا، فاستنكفت عن استخدامها في أذكارها، في حين رحبت بها طرق أخرى ولم تر في استعمالها ما ينقص من قيمة أذكراها. وقد ذهب أصحاب الفئة الثانية في تبرير هذا الاستعمال مذهب التأويل الصوفي، ومن ذلك ما رواه الشيخ الحسن اليوسي في محاضراته على لسان محمد بن أبي بكر الدلائي إذ رأى ابن حسون في سلا وقد كان يستقبل بزاويته كل صباح أصحاب الآلات الموسيقية: " وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستفيد من تلك الأصوات أسرارا ومعاني... وإما أن ذلك يوافق حالة جمالية تحضر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع الطرب وما يشاهد من حالات أهل الوجد..."(11) 
ويزيد في فهم هذا التأويل قول الشيخ إسماعيل الأنقوري في كتابه "رسالة في دوران الصوفية ورقصهم": إن أصحاب الباطن ينظرون إلى حقيقة كل شيء، فيسمعون من كل شيء تسبيح الله وتنزيهه كما قال تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). فالدف والمزامير والقضيب والطبل وأمثالها داخل في الشيئية، فهم يسبحون الله ويقدسونه، فكيف ينكر أهل الظاهر على أرباب الطريق الذين يسمعون تسبيح الأشياء؟(12).
وإذن فاستعمال "الملاهي" ليس من الهزل في شيء، ولكنه الجد كله عند المتصوفة، كما قال أبو الفارض:
ولاتك باللاهي عن اللهو جملة *** فلهو الملاهي جد نفس مجدةِ (13)
وعلى النقيض من موقف التأييد، فقد وقف بعض فقهاء المغرب من ظاهرة العزف الآلي لدى أصحاب الطرق موقف المعارضة والتنديد. ولعل أشد هؤلاء الفقهاء على رجال التصوف العلامة محمد بن المدني كنون المتوفى عام 1302 هـ في كتابه "الزجر والإقماع في النهي عن آلات اللهو والسماع". فقد أفتى بتحريم العزف على آلات الموسيقى، محتجا بأقوال فقهاء الإسلام كقول صاحب عوارف المعارف: "خلاف في حرمة الأوتار والمزامير وسائر الآلات" ولم يفرق فيما استعمل للعزف المجرد أو المصحوب بالغناء (14). وشبيه بموقف كنون إنكار الزياني المتوفى عام 1249 م في "الترجمانة الكبرى" عمل بعض الفقراء الصوفية الذين كانوا يجتمعون بضريح المولى إدريس فيستعلمون بعض الآلات في أذكارهم كالعود والبندير والطر والبوق والمزامير (15).
وقبلهما أنكر الونشريسي في "المعيار المعرب" على أصحاب الطرق استعمالهم للآلات عند الإجتماع في ليلة المولد النبوي (16).
ومثل العلامة كنون اتخذ بعض شعراء مطلع القرن الثالث عشر للهجرة بالمغرب موقف المعارضة من ظاهره العزف الآلي لدى أصحاب الطرق. ومن هؤلاء الشاعر محمد المهدي الحجوي الذي يقول من قصيدة "وقفة على الأطلال":

ولذا زاويـــة يدعــو لـــهـــا *** ولهذا نغمـــات وطبـــــــــول(17)

ومنهم الشاعر محمد الجزولي من قصيدته "الرباط وختمة شيخ الإسلام"

وإن الذكر ليس بقــرع طبـل *** ومزمار علا ذقنــا لعينـــــــا
وإن الديــن من هــذا بـــراء *** وإن الله يخزي المدعينـــــــا (18) 

ومنهم أيضا محمد الناصري من قصيدته "جيل التصوف":

أفي القرآن قال اللــــه فيكـــم *** تغنوا راقصين على الطبول؟ (19)

الهوامش:
(1) - محمد المختار السوسي: الترياق المداوى في أخبار الشيخ سيدي الحاج السوسي الدرقاوي، ص: 206.
(2) - محمد المنوني/ مج البحث العلمي، ع 14 و 15، س6، س 1969، ص: 168.
(3) - مطبعة دار المغرب، سنة 1396 /1976، ص: 117.
(4) - الدكتور الجراري: القصيدة، ص: 20.
(5) - المقدمة، الفصل الحادي عشر في عام التصوف، ص: 469.
(6) - انظر كتاب السعادة الأبدية لابن الموقت، ج 1، ص: 53، ونشر المثاني لمحمد بن الطيب القادري، ج 2، ص: 72-75.
(7) - صالح الشرقي: أضواء على الموسيقى المغربية، ص: 40.
(8) - الإعلام ج 4، ص: 93.
(9) - أغاني السيقا، ص: 100.
(10) - أغاني السيقا، من الفصل الثالث.
(11) - محمد بن الطيب القادري: نشر المثاني، ج1، ص: 84 ـ 88. المحاضرات تحقيق محمد حجي، ص: 78.
(12) - حاجي خليفة: كشف الظنون، ص: 864 ـ 865.
(13) - الديوان، التائية الكبرى المسماة بنظم السلوك.
(14) - مطبوع حجري، الجامع الكبير بمكناس رقم 774 ـ الملزمة الثامنة.
(15) - مطبعة فضالة المحمدية، ص: 462.
(16) - المعيار، ج11، ص: 211.
(17) - محمد بن العباس القباج: الأدب العربي في المغرب الأقصى، ج1 و2، ص: 17.
(18) - نفس المرجع، ص: 93.
(19) - نفس المرجع، ص: 123.

أسلوب الأغنية الصوفية

للإنشاد الصوفي أعراف وتقاليد تضرب في أعماق التاريخ انطلاقا من بدء ظهور حركة التصوف في البلاد الإسلامية. ويبدو أن هذه الأعراف والتقاليد نبعت في أوساط المتصوفين تباعا وخلال الممارسة المستمرة لنشاطهم، ثم تبلورت أساليب الرقص والغناء بعد أن تهيأ لها أن تتعامل مع بعضها.

 ولقد ساعد على تعامل تلك الأساليب وتيسير التبادل بينها ما عرف به رجال الطرق من تنقل وتجوال في الآفاق حتى كاد أن يكون لكل طريقة فروع لها في غير البلاد التي نشأت بها. ولعلنا نذكر ما جاء في أول هذا الباب من تأثر متصوفة المغرب بالصوفية الشرقية، وهو تأثر فرضته الروابط والإتصالات التي قامت بين الطرق، ورغبة كانت تحدوها جميعا للتعامل والتكامل وتبادل المعارف والخبرات. ومن وجوه هذا التعامل على المستوى المحلي تلك العلاقة المتينة التي كانت تربط خلال القرن الحادي عشر بين الزوايا الثلاث: الدلائية ـ وشيوخها يومئذ محمد بن أبي بكر الدلائي ـ والناصرية بدرعة ـ وشيخها آنئذ محمد بن ناصر، والفاسية بفاس ـ وشيخها يومذاك سيدي عبد القادر الفاسي-. فإن هذه الزوايا "لم تكن بمعزل عن بعضها بالرغم من تباين مواقعها، ولكنها كانت تتصل عن طريق التزاور والتراسل، والأخذ والعطاء، فكان بينها من أجل ذلك تفاعل أثمر تقاربا في وسائل العمل وتماثلا في النتائج" (1).

ومن وجوه ذلك التعامل على المستوى الخارجي أن محمد بن أبي بكر الدلائي اتصل بمناسبة حجه بالشيخ محمد البكري شيخ الطريقة بمصر، فأخذ عنه طريقته، وروى عنه (صلاة الفاتح لما أغلق) ثم جعل يلقنها لمريديه في الزاوية الدلائية بدلا من الصيغة التي تركها أبوه. وما تزال هذه "الصلاة" مستعملة لدى التيجانيين في وردهم حتى يومنا هذا(2) .
ومن وجوه هذا التعامل على الصعيد الخارجي أيضا ما عرفته ألحان الأزجال والموشحات التي وضعها الموسيقي والصوفي الكبير علي بن عبد الله الششتري الذي ظهر في العهد المريني من شيوع واسع في أقطار الشمال الإفريقي، فلقد تلقاها رجال الصوفية، وراحوا ينشدونها في حلقات الذكر. وما تزال بصماتها اللحنية ـ ولا ريب ـ بارزة حتى اليوم في نوبات المألوف الأربعة عشر التي تنشد بتونس على الطبوع الأندلسية، كما لا تزال بارزة في ألحان همزية الإمام البوصيري.
وهكذا ظهرت للأغنية الصوفية قوالب وأشكال متباينة بتباين الطرق ومناهج غنائها وأنواع رقصها، كما لعبت المدنية دورها في بلورة أسلوب الأداء للأغنية الصوفية، غير أن غناء البدو ظل بالرغم من كل المؤثرات متمسكا بالبساطة، وإلى الفرق بين غناء الطرقيين في الحاضرة والبادية أشار المختار السوسي عند ترجمته للشيخ الحاج علي السوسي الدرقاوي عندما قال: إن الفرق هو أن الحضريين يمدون الغُنَّةَ، ويؤنِّنون في غنائهم، بخلاف أصحاب الشيخ فإنهم لم يتربوا عنده بمثل ذلك، بل السماع المطلق. ولهم نغمات غير ما يعهد عند الحضريين، عليها حلية البداوة وبساطتها ورونقها(3) .
ومن آداب الذكر "أن يستمع بعضهم (أي الذاكرون) من بعض في الذكر، فإن كان الشيخ فبغنته ينطلقون كلهم، وإن لم يكن فبغنة أحسنهم صوتا"(4). ومنه أيضا أنه "إن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقهم رفع الصوت بطريقة واحدة موزونة" (5) . وحينما يكون الغناء جماعيا فإن المجموعة الصوتية تحرص شديد الحرص على أن تكون أصواتها منسجمة ومتناسقة "حتى يكون صوتهم كأنه من لهاة واحدة يخرج، فإن ذلك له أثر في القلوب"(6) . على أن الذاكرين يؤثرون الغناء الجماعي ويفضلونه على غناء الفرد الواحد، فإن "ذلك أكثر تأثيرا وأشد قوة في رفع الحجب عن القلب من ذكر واحد وحده(7) . وقد بين الشيخ محمد المهدي الفاسي في كتابه "ممتع الأسماع" أسلوب الفقراء وطريقتهم في أداء حزب "العزيز ذو الجلال" بما يفيد أنهم كانوا يقطعون الألفاظ وفق ما يناسب الطبوع الأندلسية، فيمدون المقصور، ويقصرون الممدود، ويحركون الحرف الساكن ويسكنون الحرف المتحرك"(8) .

الهوامش:
(1)- محمد حجي: الزاوية الدلائية، طبعة 1964 الرباط، ص: 56.
(2)- نفس المرجع، ص: 53.
(3)- الترياق المداوي في أخبار الشيخ سيدي الحاج علي السوسي الدرقاوي، ط. المهدية 1381 هـ /1961 م، ص: 206.
(4)- أبو عبد الله الزواوي: عنوان أهل السر المصون. عن الأعلام للمراكشي، ج4، ص: 93.
(5)- مفتاح الفلاح عن الأعلام، ج 4، ص: 94. انظر ممتع الأسماع للفاسي، ص: 29 ـ 30.
(6)- نفس المرجع، ص: 94. ممتع الأسماع، ص: 30.
(7)- نفس المرجع، ص: 94.
(8)- ممتع الأسماع، ص: 29.

الأذان للصلاة

التعريفتعني كلمة الأذان في اللغة الإعلام كما في قوله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس". أما في الاصطلاح فهو النداء إلى الصلاة، وكذا الإقامة، وقد سمي بذلك لأنه إعلام بدخول وقت الصلاة.
نص الأذان : وعلى الرغم من ارتباط الأذان بالصلاة التي هي عماد الدين وأحد أركانه الخمس، فإنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يحدد نصه أو طريقة أدائه، وإنما كان المسلمون “وهم قلة في بدء الدعوة- يدعون إلى الصلاة بالنداء المسموع من قريب. ولعل أول نص للآذان هو ما جاء في طبقات ابن سعد من أن المسلمين كانوا إذا حان وقت الصلاة نادي فيهم بلال بقوله: الصلاة جامعة. وعلة ذلك فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذ قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فناد بالصلاة" (1) 
وهكذا رفض المسلمون استعمال الناقوس والبوق، ولم يكن هذا الرفض نابعا عن استنكاف من تقليد النصارى واليهود فحسب، ولكنه أيضا كان نابعا من اطمئنانهم إلى استعمال الصوت البشري كوسيلة لتبليغ الأذان إلى الناس، وهو اختيار يؤكد اعتماد الديانة الإسلامية على الوسائل الفطرية في بث تعاليمها ونشر عقائدها، كما يؤكد مدى ارتياح العرب إلى الصوت البشري كأداة موسيقية ولمكانته من بين آلات العزف والنقر باعتباره ألصق بالإنسان وأقدر على نقل المشاعر الدينية الصادقة. ولعل ذلك ما أثار دهشة يهود المدينة الذين ذكر المفسرون أنهم قالوا عندما سمعوا الأذان: لقد أبدعت يا محمد شيئا لم يكن فيما مضى.
وقد تسربت إلى الصوامع تقاليد دخيلة شرقية وأندلسية وأخرى أملتها ظروف سياسية طارئة. فمن هذه الأخيرة ما أحدثه المهدي بن تومرت من الأمر بالنداء للصلاة باللسان البربري بعد النداء لها باللسان العربي، ولاسيما في بعض مناطق المغرب. وقد ذهب صاحب الحلل الموشية في تبرير صنيع ابن تومرت بأنه يدخل في نطاق تعبئته للجماهير الشعبية ضد المرابطين إذ كان "ينقل به إليهم المواعظ والأمثال، ويضرب لهم المقاصد، فجذب نفوسهم واستجلب قلوبهم، وسهل عليهم التعليم بنفسه وبأعيان أصحابه (2). وقد تولى المأمون الموحدي إلغاء هذه العادة بعد أن خفت وطأة المهدوية بالمغرب.
كما أحدث المهدي النداء في الفجر بعبارة "أصبح ولله الحمد". وقد عرف العهد الوطاسي عادة إنشاد الأشعار وتلاوة الأذكار فوق الصوامع قبل أذان الفجر وفي ليالي رمضان، وهي زيادات غنائية أنكرها القاضي أحمد الونشريسي في المعيار فقال: "ومنها إنشاد الشعر أو غيره في الصوامع، فإنه من البدع التابعة لبدع، لأن الأصل الأذان وحده، ثم اتبع الأذكار لقصد الإيقاظ، ثم اتبع الغناء والسماع. وهذا كله من الإحداث والبدع". ولم يقف الأمر عند حد إنشاد الأهازيج والأذكار على الصوامع بالمغرب، بل تسرب إليها منذ العهد المريني تقليد جديد، وهو النفخ في النفير والبوق.
ويبدو أن أهل الأندلس كانوا أسبق إلى استعمال البوق والنفير في هذه الأغراض، على حين كان المغاربة “حسب الوزاني في نوازله الكبرى- يعلنون عن أوقات الصلوات الخمس برفع العلم نهارا والفنار ليلا فوق الصوامع(3)، فلما استقبلوا مهاجري الأندلس أخذوا عنهم استعمالها بالمساجد. وإلى هذا أشار الونشريسي بقوله: "وهذا البوق صار علما في بلاد الأندلس في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت الإفطار، ثم جعل علما أيضا بالمغرب الأوسط والأقصى على وقت السحور ابتداء وانتهاء"(4).
وقد انتهى الجدل في شأن البوقات إلى حل وسط يوفق بين المنع والإجازة، وهو إحداث أبراج خاصة في جوار المساجد يعتليها النفارون والبواقون ليعلنوا عن ظهور هلال رمضان وهلال العيد وينبهوا الصائمين في هجيع الليل(5).
تلحين الأذان : أجمع أئمة الإسلام على الاحتراس من الإخلال بنطق الكلمات ومخارج الحروف في الأذان، ولكنهم اختلفوا في جواز تلحينه وترجيعه. على أن إسناد الأذان إلى ذوي الأصوات الحسنة كان مطمح المسلمين منذ عهد مبكر. فقد جاء في كتاب "الإقناع" عند ذكر آداب الأذان أنه "يسن أن يكون المؤذن صيتا أي رفيع الصوت لأنه أبلغ في الإعلام"، حسن الصوت لأنه أرق لسامعه، مرتلا لألفاظ الأذان"(6) 
وما فتئ البحث عن ذوي الأصوات الرفيعة الحسنة ديدن الناس، في كل عصر. يقول المراكشي في المعجب: إنه إذا استقام الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين، أصواتهم في نهاية الحسن، قد انتخبوا لذلك من البلدان(7)
طرائق الأذان: عرفت طرائق الأذان تدرجا من الأداء البسيط نحو الإلقاء الغنائي الذي يغلب عليه الترنم والتطريب، حتى أصبحت للأذان في مختلف أنحاء البلاد طرائق متنوعة يشكل كل منها قالبا غنائيا له طابعه وخاصياته. وما من شك في أن هذه الطرائق كانت “على اختلاف نماذجها- تستمد مميزاتها من طبيعة الأصناف الموسيقية السائدة في البلاد. وفي مقدمتها الموسيقى الأندلسية.
أسلوب الأذان بالمغرب : وعلى الرغم من تعدد طرائق الأذان فقد ظل بصفة عامة موسوما بالبساطة وخاصة في الأوساط القروية حيث نلاحظ ميل المؤذنين إلى الأسلوب الإلقائي في الأذان Récitatif وهو أسلوب يكاد ينعدم فيه كل أثر للتلحين والتنغيم. ويرجع سبب هذه السمة إلى تشبع المغاربة بالمذهب المالكي المتشدد. وفيما يلي أهم الخصائص الفنية التي تميز الأذان المغربي التقليدي:
- فهو يعتمد في الغالب على لحن بسيط التركيب، تنعدم فيه الزخارف والانعراجات إلا ما كان نادرا، وهو يسير في خط مستقيم وعلى نسق أفقي يقل فيه الانتقال من درجة إلى أخرى ولو كانت مجاورة.
ويلاحظ أن نغمة البداية التي تتكئ على الهمزة من اسم الجلالة تنطلق من نغمة منخفضة، ومنها يقفز الصوت إلى درجة أعلى يغلب أن لا يتجاوز بعدها الموسيقى مسافة الرابعة. وتتوالى فقرات الأذان عبر لحن موسيقي بسيط لا تتجاوز نغماته نطاق بعد ثلاثي يصعب أحيانا تحديد مقامه.
وقد جرت العادة في إقامة الجمع أن يعلن الأذان ثلاثة مؤذنين بالتتالي، ولطالما أتاح ذلك للمستمع فرص الاطلاع على أنماط متباينة للأذان المغربي، فتتعاقب على سمعه ألحان تنتمي إلى مناطق مختلفة من البلاد، كما كان ذلك مدعاة إلى تنافس المؤذنين في تحسين أذانهم. وعلى حين ينفرد المغرب من بين دول العالم الإسلامي “أو يكاد- بظاهرة التناوب في أذان صلاة الجمعة يضطلع بالأذان في سائر البلاد الإسلامية مؤذن واحد يؤديه منفردا، ولا يشذ عن ذلك إلا "الأذان السلطاني" الذي عرفته بعض بلاد الشرق العربي، وهو أذان يؤديه جماعة من المؤذنين في وقت واحد(8).
ولقد كان من عادة المؤذنين، وخاصة في الحواضر حيث تتعدد الصوامع أن يتصدر من بينهم مؤذن معين يسند إليه النداء في المسجد الرئيسي للمدينة كمسجد القرويين بفاس، والكتبية بمراكش، والمسجد الأعظم بمكناس. ويكون له فضل السبق بالأذان الأول، ثم يتلوه مؤذنو الصوامع الباقية. ولقد سجل هذه الظاهرة علي الجزنائي الذي عاش في القرن الثامن على عهد أبي عنان المريني، فذكر أن سائر المؤذنين بصوامع مدينة فاس كانوا يقلدون مؤذن صومعة القرويين على العادة المنتقلة من قديم الزمان(9)، ثم عاد ليؤكد ذلك مرة أخرى عند حديثه عن مؤذن صومعة مسجد الأندلس، فقال: إن المؤذنين في هذه الصومعة يقتدون في أذانهم بأذان جامع القرويين على العادة المتداولة إلى الآن(10).
وإذا جاز لنا أن نتصرف قليلا في تأويل كلام الجزنائي هذا فلعلنا نستنتج أن المؤذنين كانوا يقتدون بمؤذن القرويين في الأسلوب الغنائي للأذان أيضا ويؤدونه على النحو الذي انتشر بالمغرب من قديم الزمان وحتى عهد المؤرخ.
وفيما كان المغرب “حتى أوائل القرن العشرين- ما يزال متشبثا بالطريقة الساذجة في الأذان تحت تأثير تمسكه بمذهب المالكية، وفيما كان يحافظ على أصالة طريقة أدائه، مستفيدا من طبيعة الموسيقى المغربية بجميع أصنافها، تعرض الأذان في أقطار المغرب العربي الأخرى لموجات من تأثير الموسيقى التركية التي دخلتها مع الحكم العثماني، فأشاعت فيه طرائق غنائية يغلب عليها التلحين والترنم، وتسرب إلى ألحانه ربع النغمة وثلاثة أرباعها، وبذلك أصبح يشكل مزيجا من الأسلوبين المغربي والمشرقي.
على أن المغرب ما فتئ بدوره أن وقع تحت التأثير الشرقي منذ العشرينات من القرن السابق لنفس الأسباب التي أدت إلى شيوع أسلوب التجويد المشرقي، فأصبحنا نسمع “وخاصة في الأوساط المتحضرة- أصواتا ترتفع بالأذان الغنائي المتموج الألحان على مقدمات عربية شرقية كمقام الحجاز، وهي أصوات لها حظ من الخبرة الفنية والثروة اللحنية والعذرية الأخاذة.

عبد العزيز بن عبد الجليل

 

الهوامش
(1)
 - الزبيدي: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، ج1، ص: 74.
(2) - الحلل الموشية: نشر علوش/ 1936، ص: 90
(3) - عن النوازل الجديدة الكبرى للمهدي الوزاني، المجلد 12، الملزمة 15، ص: 116
(4) - نفس المرجع، ص: 116.
(5) - نفس المرجع، ص: 119.
(6) -محمد جمال الدين القاسمي، كتاب إصلاح المساجد من البدع والعوائد، ص: 130.
(7) - المعجب، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ص: 343.
(8) - شفيق غربال: الموسوعة العربية الميسرة، ص: 106.
(9) - جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، المطبعة الملكية 1387 هـ/ 1967م، ص: 50.
(10) - نفس المصدر، ص: 94.

facebook twitter youtube