السبت 4 رمضان 1442هـ الموافق لـ 17 أبريل 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

تاريخ المذهب المالكي

المذهب المالكي عبارة عما أصله الإمام مالك بن أنس من أصول مجتهدا في اعتمادها، وما درج عليه أصحابه ومتبعوه، ولو خالفوه في الفروع المبنية على تلك الأصول، إذ الإعتبار أن يدور اجتهادهم مقيدا بأصول الإمام مالك

لقد مر المذهب المالكي بخمس مراحل: مرحلة التأسيس، ومرحلة التفريع، ومرحلة التطبيق، ثم مرحلة التنقيح والنقد(1)، ثم مرحلة الجمع والإختصار.

مرحلة التأسيس: هي مرحلة تأصيل قواعد هذا المذهب على يد صاحبه مالك بن أنس، الذي عمل على تمهيد الطريق لمن جاء بعده، وذلك بتأصيل الأصول وتقعيد القواعد، ورسم المنهج العام الذي سلكه أتباعه من بعده، فإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله، هي التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها، وقواعد بنوا عليها.
وهكذا، فإن أصول المذهب استقرائية، تبعا لملاحظة تلامذة الإمام مالك و طريقة اجتهاده، ولا سيما ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام، وما كان ينقل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه. ذلك أن الإمام مالكا لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالكيفية التي يذكرها الأصوليون.

مرحلة التفريع: ويقصد به بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه(2)، وذلك داخل المذهب.وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته، آخذين بمنهجه، ومؤسسين الإفتاء في الحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده.
تبتدئ هذه المرحلة من نهاية القرن الثاني الهجري وتستمر إلى منتصف القرن الثالث، وفيها توسع نفوذ المذهب، وامتد إلى جهات أخرى كالعراق ومصر وإفريقية والأندلس على يد تلاميذ الإمام مالك الذين تكونت بهم وعلى أيديهم المدرسة المالكية، وأصبح لها منظرون في المذهب، يفرعون المسائل الجزئية على ما أصله الإمام في الأحكام العملية، وبدأ التدوين على نطاق واسع.
وتعد المدونة الكبرى برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم النواة الأولى لمرحلة التفريع، ثم جاءت بعدها "الواضحة" لعبد الله بن حبيب في الأندلس، ثم العتبية والموازية ومختصر ابن عبد الحكم وغيرها... وهي التي تسمى بالأمهات، وستشهد هذه المرحلة اتساع المسائل، وكثرة التفريعات وبروز الاختلاف في الأقوال والطرق، وتقدير الوقائع، والربط بينها وبين الدلائل الإجمالية، الشيء الذي نشأت عنه مرحلة ثالثة بالضرورة وهي:

مرحلة التطبيق: وهي مرحلة النظر فيما أنتجه دور التفريع الفقهي الذي سبق، والإجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع المستجدة.
ومما يميز هذه المرحلة كونها اهتمت بدراسة المسائل التي ضمتها مدونات جامعة أنتجتها مرحلة التفريع.فانكب فقهاء هذا العصر على الموازنة بين مختلف تلك المسائل، رابطين الأصول بالفروع، ملحقين الشبيه بالشبيه، ضابطين مواقع الإتفاق والإختلاف بين تلك الأقوال المأثورة عن الفقهاء السابقين. وفي بعض الأحيان قد يجتهدون في المسائل التي ليس فيها حكم عن طريق القياس، وذلك بإدراج ذلك الحكم تحت الكليات المقررة، والقواعد التي ضبطت. وبذلك دخلوا في مرحلة الملاءمة بين ما هو منصوص، وبين ما يتطلبه الواقع الجديد. الأمر الذي أدى إلى بروز اختلافات بين المتأخرين والمتقدمين.
ويصور لنا الفاضل بن عاشور هذه المرحلة بقوله(3): "وظهرت في هذا الدور كتب التهاذيب التي هذبت بها الكتب القديمة، والمختصرات التي لخصت فيها، والشروح التي شرحت بها، ودقق في النظر في المسائل لأجل بيان الاتفاق والاختلاف، تقر صور النوازل والفتاوى التي تشتمل على الواقعات الحادثة، وعلى بيان ما يرى الفقهاء المتأخرون من رجال دور التطبيق من انطباق أو عدم انطباق لقول من الأقوال المأثورة من المصادر القديمة من دور التفريع على تلك الجزئية الخاصة. وهذا ما أكده أيضا ابن خلدون في مقدمته..

- مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح أقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية. وأهم تطور يسجل في هذه المرحلة، ظهور حركة نقدية انصبت على أقوال المتقدمين، بقصد إخضاعها للنقد والتمحيص بطريقة مغايرة لما كان سائدا في السابق، فجاء في هذا بمنهج جديد في ميدان نقد الفقه.ومن أبرز الفقهاء الذين تزعموا هذا التيار اللخمي، الذي كان له تأثير واضح فيمن جاء بعده من أمثال المازري وابن بشير وابن رشد الجد وعياض وغيرهم ممن سلك مسلكه في طريقة نقد الفقه، فنقحوا ما أمكنهم تنقيحه من المسائل، وأولوا بعض الروايات حاكمين على صحة بعضها، وضعف البعض الآخر..

- مرحلة الجمع والاختصار: وهذه المرحلة  جاءت بعد استقرار المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجا وتطبيقا وتنقيحا، وما قام به أعلام المذهب من اجتهادات. وهكذا ظهر مختصر بن شاس المسمى "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة". ومختصر ابن الحاجب المسمى "بجامع الأمهات". وجاء بعده "مختصر الشيخ خليل" ..
وهكذا أصبح المتأخرون دائرين في فلك المتقدمين، عاكفين على ما انتهى إليهم من أقاويل من تقدمهم، لا يتعدون دائرة الشرح والإختصار..

الهوامش
(1)- انظر تفصيل هذه المراحل في كتاب: مباحث في المذهب المالكي بالمغرب، د. عمر الجيدي، ص 47.
(2)- منار السالك إلى مذهب الإمام مالك، ص 66، لأحمد السباعي الرجراجي.
(3)-المحاضرات المغربيات، الفاضل ابن عاشور، ص 37 وما يليها.

جواب الهيئة العلمية للإفتاء حول موضوع المصلحة المرسلة

الكلمة التي ألقاها بين يدي أمير المومنين محمد السادس السيد محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، يوم الجمعة 17 رمضان 1426 الموافق لـ 21 اكتوبر 2005 بمناسبة تقديم الهيئة العلمية للإفتاء جوابها عن استفتاء جلالته في موضوع المصلحة المرسلة، وعلاقتها بقضايا تدبير الشأن العام .

نص السؤال الشريف

"... وفي هذا السياق قررنا أن تكون فاتحة أعمال المجلس العلمي الأعلى تكليفه، طبقا لما يراه من رأي فقهي متنور، بتوعية الناس بأصول المذهب المالكي، ولاسيما في تميزه بالعمل بقاعدة المصالح المرسلة التي اعتمدتها المملكة المغربية على الدوام لمواكبة المتغيرات في مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة، من خلال الاجتهادات المتنورة لأسلافنا الميامين ولعلمائنا المتقدمين، وهو الأصل الذي تقوم عليه سائر الأحكام الشرعية والقانونية المنسجمة والمتكاملة، التي تسنها الدولة بقيادتنا، كملك وأمير للمومنين، في تجاوب مع مستجدات العصر، والتزام بمراعاة المصالح، ودرء المفاسد، وصيانة الحقوق وأداء الواجبات". من الخطاب المولوي الكريم بالقصر الملكي بفاس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى لأشغال المجلس العلمي الأعلى، بتاريخ فاتح جمادى الثانية 1426هـ موافق 08 يوليوز 2005م".

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين؛ مولاي أمير المومنين، سبط النبي الأمين، وحامي حمى الملة والدين: أعز الله أمركم، وخلد في صحائف المجد ذكركم ، وجعل اليمن والسعد رفيق ركابكم، والنصر والظفر معقودا براياتكم،

مولاي أمير المؤمنين

بعد تقديم كل ما يليق بمقام الإمامة العظمى من واجب التبجيل والإجلال ، يتشرف العلماء أعضاء المجلس العلمي الأعلى والهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، بالمثول بين يدي جلالتكم الشريفة، للإعراب لسيدنا المؤيد بالله عما يغمرهم من فيض السعادة والاعتزاز، بما أثاره في نفوسهم، استفتاء جلالتكم حول: أصل المصلحة المرسلة، في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام، وملاءمته مع هدي الشريعة المطهرة.

إنها - يا مولاي - مبادرة حضارية عميقة الأبعاد والدلالات، أعادت إلى الأذهان سلوكا راقيا، عاشته أمتنا في فترات مجدها السياسي، وتألقها الحضاري، يوم أن كان الخلفاء والملوك يوجهون نظر علماء الأمة إلى قضايا ذات أبعاد اجتماعية هي غاية في الأهمية.

ومن امتدادات هذا السلوك في المغرب، أن ملوكه على مسار التاريخ، كان لهم الحظ الأوفى في التواصل مع العلماء، وفي توجيه خطى المعرفة ودعمها.

أما والدكم العظيم مولانا الحسن الثاني“ قدس الله سره“ فقد ضرب أروع الأمثلة في هذا التواصل بما كان له من المشاركات العلمية والتنبيهات المذهبية.

مولاي أمير المومنين

إن علماء مملكتكم قد التقطوا كل الإشارات المولوية، ووعوا جميع التصريحات الجليلة التي ما فتئت جلالتكم توجهونها إلى مؤسستهم، وهي إشارات تعبر عن أكيد الرغبة السامية في أن تتبوأ مؤسسة العلماء موقعها الذي يتيح لها الإسهام الجاد في صياغة مغرب الأصالة والمعاصرة، المغرب المعتز بهويته الإسلامية، الناهض بكل الواجبات التي تفرضها ضرورة الانخراط في سياق العصر.

مولاي أمير المومنين

إن خطاب جلالتكم الموجه إلى العلماء في افتتاح الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى بفاس، يوم الجمعة فاتح جمادى الثانية 1426هـ موافق 08 يوليوز 2005م، جاء على نهج أرباب البلاغة والبيان، فصيحا وجيزا في لفظـه، مفعما بمعاني جوهرية ذات قيمة عالية متصلة بشخصية الدولة في الإسلام، وبتلازم الديني والسياسي فيها، ولا يخفى أن حماية الدين وظيفة أساسية من وظائف الدولة في الإسلام.

ومهمة العلماء في الدولة، هي أن يمثلوا جهة الخبرة القادرة على الدلالة على مراد الشرع فقط.

فالدولة الإسلامية دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، ومن ثم قال الإمام الباقلاني:" إن المسلمين لا يحكمهم معصوم، ولا عالم بالغيب".

مولاي أمير المومنين

لقد اختارت الدولة المغربية منذ تأسيسها، صيغة السلوك التديني الذي تتبناه من بين جميع الاختيارات التي جعل الله للناس فيها سعة للاختيار.

وسرتم “ أمير المومنين “ في ذلك على نهج أسلافكم، فما فتئتم تؤكدون في كل خطاب ديني أو سياسي موجه إلى الأمة على التمسك بتلك الاختيارات، حفاظا للمغاربة على هويتهم الدينية، وتثبيتا لوحدتهم الوطنية، لما تتسم به هذه الاختيارات من مرونة ووسطية واعتدال، مما يجعل التشريع الفقهي في ظلها مسايرا للتطور، قابلا للاجتهاد في كل القضايا المستجدة على ضوء تلك الأصول، ولا سيما منها أصل المصلحة المرسلة، حيث لا يكون في المسألة نص قطعي من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وهو مسلك أخذت به الدولة المغربية في كل المجالات: من العبادات، والمعاملات، والفتيا، والقضاء.

ومن ثم فإن الجواب الذي يتشرف العلماء بوضعه بين يديكم الكريمتين، قد بنى على الأدلة الصحيحة نظرا فقهيا، مؤداه أن تدخل الإمام في التشريع يمتد إلى مجالات ثلاثة على الأقل، هي:

  • 1 - مجال ما لا نص قطعيا فيه؛
  • 2 - مجال ما كان موضع خلاف فقهي؛
  • 3 - ومجال ما كان فيه تحقيق مصلحة حقيقية.

وقد ضبط الشرع المصلحة وحددها بحدود واضحة، وميز صحيحها من فاسدها قبل أن يأذن باستعمالها.

ولئن كان تحقيق المصلحة أمرا تتشوف إليه الشريعة، فإن الإمام الأعظم بما له من إلزامية القرار، ومن قدرة على توجيه النظر الاجتهادي، يظل هو المؤهل لتقنين ما يحقق المصالح الحقيقية، ويدرأ المفاسد التي قد تتراءى في صورة مصالح.

وللفقه الإسلامي ترتيب موضوعي للاستحقاقات والأولويات حسب أهميتها، فيما يراه الإمام ويجتهد فيه، فيقدم منها ما كان ضروريا، ويتلوه ما كان حاجيا، ثم ما كان تحسينيا.

في ظل هذا النهج، يمكن بمزيد من الاجتهاد والتنقيب الجاد في البحث الفقهي، أن يتبوأ المغرب موقع الريادة والسبق إلى تقنين ما يكفل حقوق الإنسان عموما، وحقوق المرأة، والطفل، وحقوق ذوي الحاجات بوجه خاص.

أعز الله مولانا أمير المومنين، وأدامه حصنا حصينا، وملاذا أمينا للوطن والدين، وحفظه في سره وعلانيته، وظعنه وإقامته، وفي تقلبه ومثواه، وأقر عينه وأعين شعبه بولي عهده الجليل سمو الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد سمو الأمير المولى الرشيد، وبسائر آل بيته الطيبين، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والسـلام على أميـر المومنـين ورحمة الله تعالى وبركاته.

نظرات في تاريخ المذهب المالكي

هذه المقالة تحاول أن تسلط الضوء على إسهامات المغاربة في مجال علم الأصول، وأنهم كغيرهم من العلماء كانوا يتعاملون مع كتب الأصول دراسة وتدريسا وبحثا وإنتاجا، وفيه ما يدفع تلك التهمة التي ألصقت بهم.. ورغم كثرة إنتاجاتهم في هذا الميدان إلا أنهم لم يصلوا في هذا الفن إلى ما وصل إليه إخوانهم المشارقة ، كما أن إنتاجاتهم في الغالب كانت تنصب على مؤلفات المشارقة؛ يتناولونها بالشرح والتعليق دون أن يتعمقوا في ذلك تعمق المشارق...

عندما يؤرخ الأصوليون لعلم أصول الفقه يجمعون-أو يكادون-على أن الإمام الشافعي (204هـ) هو أول من اهتدى لوضع هذا الفن، فهو الذي أصل أصوله، وبين مناهجه، وأرسى قواعده،وذلك بناء على طلب وجه إليه من الفقيه المحدث الشهير عبد الرحمن بن مهدي (198هـ) تلميذ الإمام مالك وشيخ المحدثين بالعراق يلتمس منه أن يضع كتابا يذكر فيه معاني القرءان وشروط قبول الأخبار وحجية الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرءان والسنة، فوضع لذلك كتابه الشهير "الرسالة" ومن ثم قال الفخر الرازي (606هـ): " إ ن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة "أرسطوطاليس" إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض". غير أن هناك من لا يرى هذا الرأي، ويذهــب إلى أن الإمـــــام أبا حنيفة (150هـ) كان أسبق إلى التأليف في هذا الفن، وأن الشافعي ما هو إلا تابع له ومقتفٍ أثره، فأبو حنيفة هو الذي بين طرق الاستنباط في كتابه "الرأي" وتلاه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولعلَّ الصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الشافعي أول من دون في هذا الفن، وهذا لا يعني أن من سبقه من الأئمة لم يكن لهم اهتمام بهذا الجانب، أو كانوا على جهل بهذا العلم، ويدلُُّك على ذلك أن الرازي الذي قدمنا كلامه،عاد فذكر أن الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون بدون قانون كلِّي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، فهو اعتراف منه بأن من سبق الشافعي كان يعرف مسائل أصول الفقه يستدلون بها، ويسيرون على هديها، ويستنبطون الأحكام على ضوئها، والقاضي أبو بكر ابن العربي(543هـ) يثبت في كتابه" القبس" أن مالكا بين في كتابه"الموطأ" أصول الفقه وفروعه، وذكر أنه بناه على تمهيد الأصول للفروع، ونبه فيه على معظم أصول الفقه التي ترجع إليها مسائله وفروعه، والحق أن كل إمام من هؤلاء ساهم بقسطه وأدلى بدلوه، وكان على جانب من المعرفة بهذا الفن غير يسير..

فإن يكن للإمام الشافعي الفضل، ففي تنظيم قواعد هذا العلم وتوضيح منهجه، بعد أن استفاد من ملاحظات وإشارات من سبقه من الأئمة، فهو لم يضف إلاَّ أنّه قنّن هذا العلم، ورسم له المنهج النهائي يحتكم إليه، بعد أن مهد له من سبقه، وأيا ما كان الأمر، فإن هذا العلم بعد رسالة الشافعي أصبح علما مستقلا، مرتب الأبواب، محرر المسائل، مدقق الأبحاث، ممهد القواعد، مهذب الفصول، ومن ثم ألفت فيه المؤلفات بعده، وصنفت المصنفات وتنوعت إلى طريقتين: طريقة المتكلمين، وطريقة الفقهاء، قبل أن تظهر الطريقة الثالثة التي جمعت بينهما، والموضوع لا يسمح لنا بالحديث عن هذه الطرق، والمصنفات في كل طريق، ولكننا نريد أن نعرف المجهودات التي بذلها علماء المغرب في هذا السبيل وما كان لهم من إسهامات وابتكارات أو إضافات، وسنفاجأ في البدء بقضية رسخت في أذهان الناس، دهرا طويلا، مفادها: أن المغاربة كانوا قاصرين في علم الأصول، عازفين عنه، منفرين منه، لا يحتفلون بكتبه، ولا يتناظرون في مسائله وقواعده، بل سمعنا من يزعم أن المغاربة لم يكن فيهم أحد يفهم الأصول(هكذا بهذا الجزم..)!!

ولعل أول من أثار هذه التهمة هو الفقيه الفيلسوف أبو الوليد بن رشد الحفيد(595هـ) فقد ورد في كتيبه "فصل المقال" أن علم الأصول يروج في جميع البلدان ما عدا المغرب(1)، وتبنى رأيه هذا المقري (1041هـ) في"النفح"، فعندما تحدث عن فنون العلم التي اهتم بها المغاربة وبرعوا فيها، والتي فاقوا غيرهم في بعضها قال: "وعلم الأصول عندهم متوسط الحال"(2)، وذات يوم حضرت مناقشة رسالة في دار الحديث الحسنية زعم أحد مناقشيها أن أهل المغرب لم يكن فيهم أحد يفهم الأصول وتحدى المناقش(بفتح القاف) الحاضرين أن يثبتوا عكس ذلك(وكلامه مسجل على شريط المناقشة وأذيع)، فهل كان المغاربة حقًّا مقصِّرين في علم أصول الفقه وجاهلين به؟..

بهذا السؤال رحت انطلق في البحث، وأقلب صفحات بعض الكتب المهتمة بالموضوع، أو التي لها علاقة به، فاتضح لي أن هذه التهمة فيها من الغلو والتجني الشيء الكثير، ولاح لي أن أهل المغرب لم يكونوا كما صورهم ابن رشد ومن سار على رأيه، كما ثبت لدي بالدليل أن علماء المغرب كانوا كغيرهم من الفقهاء يهتمون بهذا اللون من العلم اهتماما فائقا، وهداني البحث إلى العثور على طائفة كريمة من المؤلفين في هذا الفن، وإذا أنا أمام ثروة ضخمة من المؤلفات، فيها ما هو موضوع أساسا، ومنها ما هو شروح وحواش وتعليقات ومنظومات..

فأيقنت أن هذه الحصيلة المدونة لا شك تدل على اهتمام القوم بعلم الأصول. فإن قيل أن كثرة المؤلفات لا تنهض حجة على قوة فهمهم لهذا العلم وتعمقهم فيه، وإتيانهم فيه بالجديد المبتكر، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بالشروح والحواشي، وهي معظم ما ألف المغاربة، قلنا هذا الاعتراض لا يصلح دليلا، وذلك لسببين:

الأول: أن المؤلفات في هذا الفن ليست كلها من قبيل الشروح والتعليقات، بل فيها من المؤلفات الموضوعة أساسا الكثير كما سيتضح من خلال استعراضنا لها..

الثاني: أن من تصدى لشرح أي فن من الفنون، أو التعليق عليه يفترض فيه أن يكون عالما بالفن المشروح، أو المعلق عليه، وهذه حقيقة ملاحظة في كل العلوم، فالشارح هو الذي يهتم بتوضيح ما غمض من المعاني والأفكار في الأصل المشروح، والإضافة إليه، ونقد ما قد يكون وقع فيه صاحب الأصل من وهم أو خطأ...على أن علم الأصول مرتبط أشد الارتباط بالفقه، والفقيه عند المغاربة هو من يتعمق في الأصول، والمغاربة لم يشتهروا في الميدان العلمي بشيء بمقدار ما اشتهروا بالفقه، والأصول هي من مقومات الفقيه، إذ مهمته استنباط الأحكام والتخريج والتشهير والتضعيف، ولا يتأتى له ذلك إذا لم يكن متمرسا بعلم الأصول..

ومعلوم قطعا أن الفقهاء المغاربة كان لهم اجتهادات خالفوا في بعضها المذهب، واستنباطات فرعية كثيرة خرجوها قياسا على الأصول المعتمدة تحقيقا للمصالح ودفعا للمفاسد، وهذه الاستنباطات، وتلك التخريجات إن هي إلا شهادة تقوم حجة على رسوخ قدمهم في الأحكام، فكيف أمكنهم ذلك وهم قاصرون في علم الأصول أو جاهلون به؟.

على أنه لا ينبغي أن يفوتنا التنبيه على شيء هام وهو أن التجديد في هذا العلم جاء من المغرب على يد الفقيه الأصولي النظار أبي إسحاق الشاطبي(790هـ) في كتابه"الموافقات" إذ كان الأصوليون قبله إنما يهتمون فقط بالحكم وما يتصل به من مباحث الألفاظ...ويغفلون جانبا هاما هو مقاصد الشرع فبقي غفلا لم يتصد له احد قبله، مع أنه يشكل الجزء الأهم من هذا الفن فنهض بعبئه الشاطبي. لسنا نزعم أن المقاصد لم يعرفها من سبقه كما سمعت ذلك من بعض القوم، فإننا نجد إشارات عابرة فيما كتبه الغزالي (505هـ) في المستصفى، والعز ابن عبد السلام(660هـ) في كتابه"القواعد" وابن القيم في كتابه" أعلام الموقعين"، وقبلهم أشار إليها الجويني(478هـ) على قلة-لكن الشاطبي توسع في بحث المقاصد بطريقة لم يسبق إليها، ولا زوحم عليها، فهو الذي أصلها ورسم لها المنهج النهائي..

ومن ثم فتح لمن أتى بعده من الفقهاء بابا ظل مغلقا منذ بدأ التفكير في هذا العلم حتى عصره، فكان بفعله هذا أشبه بما فعله الإمام الشافعي، حتى إنه ليجوز لنا القول بأن هذا العلم إذا كان قد بدأ بالشافعي فقد ختم بالشاطبي..

إن اهتمام المغاربة بعلم الأصول بدأ في عصر مبكر، إذ نجد من ألف فيه في القرن الثالث الهجري، فينسب للفقيه يحيى بن عمر(289هـ) كتاب فيه، وفي القرن الرابع الهجري نجد عالمين ساهما بدورهما في هذا الميدان، ويتعلق الأمر بالفقيه زكرياء بن يحيى الكلاعي القرطبي المتوفى حوالي(300هـ)والفقيه عبد الملك بن أحمد بن محمد المعروف بابن المش (336هـ)، ويزداد التأليف في هذا الفن في القرن الخامس، إذ نجد من مؤلفيه أصوليين بارزين أمثال: الفقيه خلف بن أحمد ابن بطال(454هـ) والفقيه الأصولي المحدث أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (474هـ)وأبي العباس أحمد بن سليمان بن خلف الباجي (493هـ) وأبي العباس أحمد بن نصر الداودي (402هـ)وأبي الفضل بن عمرو بن محمد بن البزاز (452هـ) والعالم الضليع أبي محمد ابن حزم الظاهري(456هـ) وأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى المعافري الطلمنكي (429هـ)، ثم يزداد التأليف انتشارا في القرن السادس، إذ نعد من مؤلفيه أبا عبد الله محمد بن الوليد الطرطوشي (520هـ) وأبا محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (521هـ) وأبا محمد عبد الله بن طلحة ابن محمد اليابري (أوائل القرن6هـ) وأبا إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المتوفى(أوائل القرن 6هـ)، وأبا عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري (536هـ) والحافظ أبا بكر ابن العربي المعافري (543هـ)، وأبا محمد عبد الله بن عيسى الشبلي (551هـ)، وأبا الحسن علي ابن محمد بن إبراهيم بن البقري الغرناطي (553هـ)،وأبا الوليد محمد بن رشد الحفيد(595هـ)، وأبا عبد الله محمد بن عبد الكريم الفندلاوي الفاسي (596هـ)، وأبا الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الغرناطي (557هـ)،وأبا الحسن علي بن أبي القاسم التلمساني (557هـ)، وعبد الجليل بن أبي بكر الرافعي ابن الصابوني (595هـ)، وأبا علي حسن بن علي بن محمد المسيلي (580هـ)، وأبا الحسن بن عتيق الأنصاري الخزرجي القرطبي (593هـ)، وأبا المحاسن يوسف بن إبراهيم بن عياد السدراتي الورجلاني (570هـ)، وفي القرن السابع الهجري ألفت كتب قيمة في هذا العلم، وهكذا نجد من مؤلفي هذا القرن أبا الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن عطية الأبياري (616هـ)،وأبا الحسن علي بن احمد بن الحسن الحرالي (637هـ) وسهل بن محمد بن مالك الأزدي (639هـ) وأبا العباس أحمد بن محمد الأزدي الإشبيلي (647هـ أو651هـ) وأبا العباس أحمد بن عبد الله بن عميرة أبو المطوف (658هـ) وأبا العباس احمد بن محمد بن احمد الغرناطي (669هـ)، وأبا عبد الله محمد بن إبراهيم المهدي الأصولي (611هـ)، وأبا زكرياء يحيى بن عبد الرحمن الأشعري القرطبي (640هـ)، وأبا الحسن علي بن محمد بن محمد الحصار الخزرجي (610هـ)،وأبا الحسن علي بن محمد بن عبد الملك المعروف بابن القطان(628هـ)، وأبا العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي(656هـ).

وعلى كثرة المؤلفات في هذا القرن والذي سبقه، فإن القرن الثامن الهجري كان أجلّ عصور التأليف وأكبرَها في علم أصول الفقه، إذ فيه ألفت الكتب القيمة التي يرجع إليها ويعتمد عليها، ونعدُّ من مؤلفي هذا القرن: أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (707هـ)، وأبا العباس أحمد بن إبراهيم ابن الزبير الغرناطي (780هـ.)وقاسم بن عبد لله بن محمد ابن الشاط (723هـ)، وأبا العباس احمد بن محمد بن عثمان المعروف: بابن البناء (721هـ)، وأبا عبد الله محمد بن محمد بن عبد النور التونسي (كان حيا 726هـ)، وأبا العباس أحمد بن الحسين ابن علي الكلاعي (723هـ) وأبا عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد القفصي (736هـ)، وأبا العباس أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي (771هـ)،وأبا محمد عبد الله بن علي الكناني الغرناطي (741هـ) وأبا عبد الله محمد بن احمد بن جزى (741هـ)، وأبا عبد الله محمد بن محمد الصفاقسي (744هـ)، وأبا العباس أحمد بن إدريس البجائي (توفي 760هـ) وأبا عبد الله محمد بن احمد بن علي الشريف التلمساني (771هـ)، وأبا زكرياء يحيى بن موسى الرهوني(775هـ)، وأبا عبد الله محمد بن عبد الله ابن سعيد لسان الدين ابن الخطيب (776هـ)، وأبا العباس أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي (780هـ) وأبا إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (790هـ) وأبا عبد الله محمد بن هارون الكناني التونسي (750هـ).

وفي القرن التاسع ظهرت كتب أخرى جديدة في هذا الفن بظهور مؤلفين جدد أمثال: المؤرخ الشهير عبد الرحمن بن خلدون (808هـ)، وأبي العباس أحمد بن حسن القسنطيني المعروف بابن قنفذ (810هـ) وسعيد بن محمد العقباني (811هـ) وأبي بكر محمد بن محمد بن عاصم (829هـ)، وأبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن زاغو (845هـ) وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن اليزليطني عرف بحلولو (كان حيا 875هـ) وأبي عبد الله محمد بن أحمد التركي التونسي (894هـ)، وأبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي (803هـ)، وأبي العباس احمد بن زكري (899هـ)، وأبي الحسن علي بن ثابت التلمساني (829هـ)، وأبي عبد الله محمد بن محمد بن إسماعيل الراعي الغرناطي (853هـ)..

حتى إذا انتقلنا إلى القرن العاشر رأينا المؤلفات يصيبها شيء من الفتور، إذ لم نسجل من مؤلفي هذا القرن إلا ثلاث مؤلفين، أو قل لم نستطع العثور إلا على هؤلاء وهم: أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي صاحب المعيار (914هـ)، وأبو العباس بن عمر التمبوكتي (942هـ)، وأبو الحسن علي بن قاسم بن محمد التجيبي المعروف بالزقاق (912هـ)، وعلى الرغم من قلة التأليف في هذا القرن، إلا أن القرن الحادي عشر شهد ازدهارًا في هذا الفن من حيث التأليف، إذ استطعنا أن نسجل من مؤلفيه عددًا لا بأس به، وهكذا وجدنا أبا زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي (1036هـ)، وأبا العباس أحمد بن أبي بكر الدلائي (1051هـ)، وأبا الحسن علي بن عبد الواحد السجلماسي (1057هـ)، وأبا عبد الله محمد المرابط الدلائي (1039هـ)، وأبا عبد الله محمد بن محمد سليمان الفاسي (1094هـ) وأبا زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي (1096هـ) وأبا الحسن علي بن عبد الواحد الأنصاري السجلماسي (1057هـ).

ويزداد التأليف أكثر في القرن الثاني عشر، إذ نجد من مؤلفيه: أبا علي الحسن بن مسعود اليوسي (1111هـ)، وأبا عبد الله محمد بن الطيب بن محمد بن عبد القادر الفاسي (1113هـ)، وأبا عبد الله محمد بن قاسم بن زاكور الفاسي (1120هـ)، وأبا العباس أحمد بن محمد بن يعقوب الولالي (1123هـ)، وأبا العباس أحمد بن مبارك بن محمد البكري السجلماسي (1155هـ)، وأبا عبد الله محمد بن محمد الحسني البليدي (1176هـ)، وأبا عبد الله محمد بن عبادة ابن برى (1199هـ)، وأبا زيد عبد الرحمن بن جاد الله البناني المنتيري (1193هـ).

كما نعد من مؤلفي القرن الثالث عشر: أبا عبد الله محمد بن محمد الشفشاوني (1232هـ) وعبد الهادي بن عبد الله السجلماسي (1271هـ) وأبا عبد الله محمد بن المهدي بن الطالب بن سودة (1294هـ) ومحمد المازري بن محمد بن اطو بن إبراهيم الغول (1286هـ) ومحمد بن عبد الرحمن الديسي المولود عام (1270هـ) ومحمد بن الطاهر بن محمد بن الشاذلي بن عاشور (1284هـ) ومحمد بن علي التميمي التونسي (1236هـ).

ثم يقل التأليف في هذا الفن في القرن الرابع عشر، لم نعدّ من مؤلفيه إلا خمسة أفراد وهم : محمد مصطفى ماء العينين الشنقيطي (كان حيّا 1320هـ) ومحمد بن عثمان النجار التونسي (1331هـ) وسالم بن عمر بوحاجب البسيلي التونسي (1342هـ) ومحمد يحيى بن محمد المختار ابن الطالب الشنقيطي الولاتي (1330هـ).

فهؤلاء هم الذين استطعنا أن نعثر على أسمائهم ضمن الذين ألفوا في علم أصول الفقه، ودلتنا المراجع على تعيين سني وفاتهم أو ميلادهم. وهناك أفراد آخرون ساهموا في التأليف، لكن لم نستطع تحديد الزمن الذي عاشوا فيه، ولا شك أن هناك مؤلفين آخرين لم نهتد إلى أسمائهم ممن يكونون قد ساهموا بإنتاجهم في هذا الفن..ولا ريب أن هذا العدد الذي أحصيناه يقوم شاهدا على أن المغاربة لم يقصروا في هذا الميدان، وأنهم كغيرهم من العلماء، كانوا يتعاملون مع كتب الأصول دراسة وتدريسا وبحثا وإنتاجا، وفيه ما يدفع تلك التهمة التي ألصقت بهم..

إلا أن الإنصاف يدفعنا رغم كثرة الإنتاج هذه إلى القول بان المغاربة لم يصلوا في هذا الفن ما وصله إخوانهم المشارقة ، كما أن إنتاجهم في الغالب كانت تنصب على مؤلفات المشارقة يتناولونها بالشرح والتعليق دون أن يتعمقوا في ذلك تعمق المشارقة، فهم لم يستطيعوا أن يجاروا الشافعية أو الأحناف في هذا الميدان، لذلك رأيناهم يعتمدون على مؤلفات هؤلاء وأولئك، بها يتناظرون، وبها يدرسون ويدرسون، وبسبب ذلك ظلوا ضعفاء في البحث والمناظرة، وهذه الحقيقة عبر عنها أبو الوليد سليمان الباجي في كتابه: "المنهاج" إذ قال: " لما رأيت بعض أهل عصرنا عن سبل المناظرة ناكبين، وعن سنن المجادلة عادلين خائفين فيما لم يبلغهم عمله، ولم يحصل لهم فهمه، مرتبكين ارتباك الطالب لأمر لا يدري تحقيقه، والقاصد إلى نهج لا يهتدي طريقه، أزمعت على أن أجمع كتابا..." إلى آخر ما قال(3) . وأنت خبير بأن علم الجدل والمناظرة يعتمد أساسا على علم الأصول"...

 

عمر الجيدي
(مجلة  دعوة الحق، العدد 238 يوليوز 1984، بتصرف)

الهوامش
(1) - فصل المقال ص 27 تحقيق: د.عمارة
(2) - النفح 1/221، تحقيق: د. إحسان عباس
(3) - المنهاج ص: 1


التزام المغاربة بالمذهب المالكي

اختار المغاربة منذ أربعة عشر قرنا المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة المغربية، إضافة إلى اختيارات الأمة المتمثلة في العقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي. لذا ظل المذهب المالكي، إلى يومنا هذا، شعارا من شعارات الدولة المغربية، يعبر عن الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية. بل إن المذهب تحول إلى مدرسة تربوية إصلاحية ساهمت في بناء الشخصية المغربية بكل مميزاتها وخصائصها.

من هنا كان من حق المرء أن يتساءل عن البواعث الكامنة وراء تمسك المغاربة بمذهب الإمام مالك واعتزازهم به؟
وترد اعتبارات أدبية وظرفية وعقائدية وأخرى مصلحية جعلت المذهب يحظى بهذا القبول والتأييد. وعموما فإن اعتناق المغاربة للمالكية يجد تفسيره في الرغبة في حماية المجتمع المغربي من الانقسامات العقائدية والمذهبية التي طالت المشرق العربي.
ولا شك أن ظاهرة مساندة السلطة للمذهب واعتمادها عليه كانت في مقدمة الأسباب التي جعلته يمتد ويستمر. فباستثناء دولة الموحدين، كانت جميع الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب تدعمه وتحتمي به.
واتجهت النخبة والسلطة الحاكمة في البلاد إلى إقرار نظام تشريعي وقضائي ملائم للبيئة المغربية، فقد وقع الإختيار نهائيا على المذهب المالكي، لضمان الوحدة التشريعية والوحدة القضائية من جهة، ولتجنب كل ما من شأنه أن يبث روح الخلافات الإعتقادية من جهة أخرى.
ومما يلفت نظر الباحث في مذاهب الفقه الإسلامي، عن طريق المقارنة، ما انفرد به المذهب المالكي من خصائص ومزايا التي منحت الفقه الإسلامي مرونة وحيوية وقدرة للتكيف مع الزمن، وتتمثل هذه القواعد المنهجية في اعتماد مبادئ السياسات الشرعية مثل المصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، ومراعاة الخلاف..إلخ.
إن مختلف هذه الإعتبارات التي أدت إلى إقرار المذهب المالكي والتمسك به يقوم دليلا واضحا على أن اختيار المغاربة للمذهب المالكي كان عبارة عن قرار تاريخي حاسم، اتخذه أجدادنا اقتناعا منهم بأنه أصلح المذاهب الفقهية لإقامة نظام قانوني وقضائي شامل، ملائم للعقلية المغربية الواقعية، والمزاج المغربي المتزن، فعملوا جميعا على نشره إلى يومنا هذا.

اقرأ أيضا:
لماذا اختار المغاربة المذهب المالكي؟

الموطأ ومذهب مالك

يعد الموطأ أول مؤلف في تاريخ الإسلام تناقلته الأجيال منذ تأليفه إلى الآن ثبتت تسميته إلى صاحبه الإمام مالك. وهو من أقدم الكتب المدونة في الفقه الإسلامي؛ فهو يجمع بين الحديث والفقه، فيذكر الأحاديث الواردة في المسألة الواحدة، ثم يذكر عمل أهل المدينة، وبعدها يعرض لآراء الصحابة والتابعين، ثم يسوق رأيه مبينا ومرجحا..

من المرجح أن كتاب الموطأ لم يكن كتاب حديث، ولم يكن القصد منه الرواية، وإنما القصد منه الاستدلال بالحديث على الحكم الفقهي.

منهجية مالك في تأليف الموطأ
لقد تولى الإمام مالك توضيح منهجه في تأليف كتاب "الموطأ"، وبيان ما اشتمل عليه من الأحاديث والآثار قائلا: "فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والتابعين ورأيي. وقد تكلمت برأيي وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، ولم اخرج من جملتهم إلى غيره"(1).
وقد اعتمد مالك في بناء موطئه على الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو مرسلة، وعلى قضايا عمر، وفتاوى ابن عمر، ثم على أقوال الفقهاء السبعة وفقهاء المدينة، جاعلا أحاديث زيد بن أسلم أواخر الباب(2). ولما سئل عن حكمة ذلك قال: إنها كالسراج تضيء لما قبلها(3).
وقد بوبه على أبواب بحسب ما يحتاج إليه المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم وآدابهم من معرفة العمل فيها الذي يكون جريا بهم على السنن المرضي شرعا(4). وجعل بابا في آخره ذكر فيه ما لا يدخل في باب خاص من الأبواب المخصصة بفقه بعض الأعمال.
وقد بين القاضي "أبو بكر بن العربي" أن مالكا بوب الموطأ بحسب ما يراه من الحكم، فإذا كان الجواز قال: ما جاء في جواز كذا، وإذا كان ممنوعا قال تحريم كذا، وإذا أراد إخراج ما روي في الباب مع احتمال الأمرين أرسل القول كقوله: "باب الاستمطار في النجوم"(5).

نظرة أصولية لكتاب الموطأ
رغم أن الإمام مالكا لم يدون أصوله التي بنى عليها مذهبه، فإنه قد كتب بعضها، فكتاب "الموطأ" يتضمن البواكير الأولى لهذا العلم. بل من المؤكد أنه ضبط منهجيته الأصولية في موطئه، فنراه يأتي في المسألة بآية من الكتاب العزيز، فإن لم يجد فبحديث صحيح، فإن لم يجد فبعمل أهل المدينة، فإن لم يجد تخير أقوال الصحابة والتابعين، ثم اجتهد رأيه لا يحيد عن هذه الطريقة في موطئه أبدا.
إن لاختيارات مالك واستنباطاته الفقهية في كتاب "الموطأ" منزلة خاصة بالمقارنة مع الأقوال الأخرى المنسوبة إليه في سائر الأمهات، نظرا للمنزلة التي حظي بها الموطأ عند المالكيين، فهو في المرتبة الأولى بين كتب المذهب. وقد نص على ذلك ابن رشد بقوله: "وهي “أي المدونة- مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك رحمه الله، يروى أنه ما بعد كتاب الله كتاب أصح من موطأ مالك ولا بعد الموطأ ديوان أفيد من المدونة"(6).
ولا شك أن لتقديم الموطأ على المدونة سببا يعود إلى أنه هو كتاب مالك الذي ألفه بنفسه، وقام بتدريسه طول حياته العملية. أما المدونة فإنها وإن كانت تدوينا لآراء مالك إلا أنها ألفت بطريق الرواية عنه مما استظهره ابن القاسم.

وإن نظرة إجمالية إلى كتاب الموطأ تبين لنا الفكرة الشمولية التي كان يتصورها الإمام مالك فيما يخص نقل المعرفة، وثبوت الخطاب الشرعي، كما توضح لنا كيفية استدلالات الإمام بالكتاب والسنة والإجماع واصطلاحاته في التعبير عن هذه الاستدلالات. كما توضح لنا أيضا أمثلة من فتاويه التي تستند على الرأي والاجتهاد وعلى المصالح العامة..

الهوامش
(1)
- ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ج1/73
(2)- التمهيد، لابن عبد البر، ج3/ص242
(3) - المدارك، ج2/ص19
(4)- كشف المغطى لابن عاشور، ص: 16
(5)- القبس “شرح الموطأ- ابن العربي المعافري، ج1/ 70
(6)- المقدمات الممهدات، ابن رشد، ج1/ ص 40

الموطــــأ ومذهـــب مالـــــــك

يعد الموطأ أول مؤلف في تاريخ الإسلام تناقلته الأجيال منذ تأليفه إلى الآن ثبتت تسميته إلى صاحبه الإمام مالك. وهو من أقدم الكتب المدونة في الفقه الإسلامي؛ فهو يجمع بين الحديث والفقه، فيذكر الأحاديث الواردة في المسألة الواحدة، ثم يذكر عمل أهل المدينة، وبعدها يعرض لآراء الصحابة والتابعين، ثم يسوق رأيه مبينا ومرجحا..

من المرجح أن كتاب الموطأ لم يكن كتاب حديث، ولم يكن القصد منه الرواية، وإنما القصد منه الاستدلال بالحديث على الحكم الفقهي.

منهجية مالك في تأليف الموطأ
لقد تولى الإمام مالك توضيح منهجه في تأليف كتاب "الموطأ"، وبيان ما اشتمل عليه من الأحاديث والآثار قائلا: "فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة والتابعين ورأيي. وقد تكلمت برأيي وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، ولم اخرج من جملتهم إلى غيره"(1).
وقد اعتمد مالك في بناء موطئه على الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو مرسلة، وعلى قضايا عمر، وفتاوى ابن عمر، ثم على أقوال الفقهاء السبعة وفقهاء المدينة، جاعلا أحاديث زيد بن أسلم أواخر الباب(2). ولما سئل عن حكمة ذلك قال: إنها كالسراج تضيء لما قبلها(3).
وقد بوبه على أبواب بحسب ما يحتاج إليه المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم وآدابهم من معرفة العمل فيها الذي يكون جريا بهم على السنن المرضي شرعا(4). وجعل بابا في آخره ذكر فيه ما لا يدخل في باب خاص من الأبواب المخصصة بفقه بعض الأعمال.
وقد بين القاضي "أبو بكر بن العربي" أن مالكا بوب الموطأ بحسب ما يراه من الحكم، فإذا كان الجواز قال: ما جاء في جواز كذا، وإذا كان ممنوعا قال تحريم كذا، وإذا أراد إخراج ما روي في الباب مع احتمال الأمرين أرسل القول كقوله: "باب الاستمطار في النجوم"(5).

نظرة أصولية لكتاب الموطأ
رغم أن الإمام مالكا لم يدون أصوله التي بنى عليها مذهبه، فإنه قد كتب بعضها، فكتاب "الموطأ" يتضمن البواكير الأولى لهذا العلم. بل من المؤكد أنه ضبط منهجيته الأصولية في موطئه، فنراه يأتي في المسألة بآية من الكتاب العزيز، فإن لم يجد فبحديث صحيح، فإن لم يجد فبعمل أهل المدينة، فإن لم يجد تخير أقوال الصحابة والتابعين، ثم اجتهد رأيه لا يحيد عن هذه الطريقة في موطئه أبدا.
إن لاختيارات مالك واستنباطاته الفقهية في كتاب "الموطأ" منزلة خاصة بالمقارنة مع الأقوال الأخرى المنسوبة إليه في سائر الأمهات، نظرا للمنزلة التي حظي بها الموطأ عند المالكيين، فهو في المرتبة الأولى بين كتب المذهب. وقد نص على ذلك ابن رشد بقوله: "وهي “أي المدونة- مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك رحمه الله، يروى أنه ما بعد كتاب الله كتاب أصح من موطأ مالك ولا بعد الموطأ ديوان أفيد من المدونة"(6).
ولا شك أن لتقديم الموطأ على المدونة سببا يعود إلى أنه هو كتاب مالك الذي ألفه بنفسه، وقام بتدريسه طول حياته العملية. أما المدونة فإنها وإن كانت تدوينا لآراء مالك إلا أنها ألفت بطريق الرواية عنه مما استظهره ابن القاسم.

وإن نظرة إجمالية إلى كتاب الموطأ تبين لنا الفكرة الشمولية التي كان يتصورها الإمام مالك فيما يخص نقل المعرفة، وثبوت الخطاب الشرعي، كما توضح لنا كيفية استدلالات الإمام بالكتاب والسنة والإجماع واصطلاحاته في التعبير عن هذه الاستدلالات. كما توضح لنا أيضا أمثلة من فتاويه التي تستند على الرأي والاجتهاد وعلى المصالح العامة..

الهوامش
(1)
- ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ج1/73
(2)- التمهيد، لابن عبد البر، ج3/ص242
(3) - المدارك، ج2/ص19
(4)- كشف المغطى لابن عاشور، ص: 16
(5)- القبس “شرح الموطأ- ابن العربي المعافري، ج1/ 70
(6)- المقدمات الممهدات، ابن رشد، ج1/ ص 40

لماذا اختار المغاربة المذهب المالكي؟

اختار المغاربة منذ أربعة عشر قرنا المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة المغربية، إضافة إلى اختيارات الأمة المتمثلة في العقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي. لذا ظل المذهب المالكي، إلى يومنا هذا، شعارا من شعارات الدولة المغربية، يعبر عن الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية. بل إن المذهب تحول إلى مدرسة تربوية إصلاحية ساهمت في بناء الشخصية المغربية بكل مميزاتها وخصائصها.

تميز هذا المذهب بخصائص موضوعية هامة تجلت بالخصوص في سعة أصوله وشمولية قواعده، مما منح هذا المذهب قدرة على استيعاب المتغيرات وضبط المستجدات.. وكان لدخول موطأ مالك بن أنس إلى المغرب على يد عامر بن محمد بن سعيد القيسي على عهد المولى إدريس الثاني الأثر البارز في نشر المذهب، واتخاذه مذهبا رسميا للدولة. كما كان لتأسيس جامع القرويين سنة (245هـ) كمركز إشعاع علمي وثقافي الفضل في تطوير وترسيخ دعائم وأركان المذهب، وإعداد نخبة من العلماء خدموا المذهب تأصيلا وتفريعا وتنظيرا..

ومن ثم أضحى هذا المذهب أساس البناء الحضاري والثقافي لأهل المغرب، إضافة إلى عقيدته الأشعرية وتصوفه السني، فكان المنهج التربوي والتعليمي يستوعب هذه الركائز والدعائم، سواء كان ذلك على مستوى التلقين التعليمي أو على مستوى التصنيف الفقهي والتأليف الأصولي.
وطبيعي أن يطرح هذا الاهتمام غير العادي والإقبال الواسع على هذا المذهب من الأندلسيين والمغاربة على حد سواء، أكثر من سؤال، ويضع أكثر من علامة استفهام عن سبب هذا التمسك الكبير بهذا المذهب، ومكامن قوة هذا المذهب و مدى مرونته وسعته..
لأجل ذلك اهتم العلماء قديما وحديثا بهذا الموضوع، وحاول كل منهم رصد أهم تلك الأسباب. ومهما تشعبت تلك الآراء واختلفت مناحيها، فإن للباحث أن يصنفها بحسب الرؤية التي انبنت عليها والأساس الذي قامت عليه إلى:

أولا: أسباب ذاتية ترجع إلى شخصية مؤسس المذهب
ثانيا: ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب، ومساندة السلطة للفقهاء المالكية
ثالثا: الأسباب التي ترجع إلى خصائص موضوعية ومنهجية تميز بها المذهب المالكي 
رابعا: الأسباب التي ترجع إلى النقل في انتشار المذهب المالكي ورسوخه في ربوع المغرب
منزلة المذهب المالكي من بين المذاهب الأخرى
بعض المصنفات التي تحدثت عن أسباب دخول المذهب المالكي إلى المغرب الإسلامي

أولا: أسباب ذاتية ترجع إلى شخصية مؤسس المذهب
فالإمام مالك هو عالم المدينة وفقيهها، إليه انتهى علم أهل المدينة وعلمهم، بلغ درجة الاجتهاد المطلق، عرف عنه تمسكه الشديد بالسنة الصحيحة، وبآراء الصحابة والتابعين، إذ أنه جمع بين الحديث والفقه، وموطؤه خير شاهد على ذلك. تلك خصائص وغيرها جعلته قبلة العلماء ومقصدهم من أجل السماع منه والإفتاء، فجعلت أهل المغرب يقتنعون برأيه ويتمسكون بمذهبه؛ لتوافقه مع حياتهم الاجتماعية ببلادهم.
ومما لاشك فيه، أن لشخصية الإمام مالك الأثر البارز في ترسيخ علم مالك وانتشار مذهبه، وتمسك الجمهور بمذهبه، وترجيحهم له على غيره من المذاهب المعتبرة لدى الأمة.

ثانيا: ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب، ومساندة السلطة للفقهاء المالكية
إن لتشابه البيئة المغربية بالبيئة الحجازية، واشتراكهما في كثير من الأمور والخصائص والعادات، كاعتمادهم الفقه العملي (= الأعراف والعادات) أصلا من الأصول التشريعية، الأثر القوي في ترسيخ أركان هذا المذهب وتثبيت دعائمه في بلاد المغرب.
كما ظل أهل المغرب ملتزمين بهذا المذهب على مستوى الحكم، فأضحى مذهبهم الرسمي منذ عهد الأدارسة إلى يومنا هذا، يلزم به الأمراء والسلاطين الخاصة والعامة، مما يدل على أصالة هذا المذهب، وقدرته على التكيف والاستمرارية.
ثم إن قوة فقهاء المذهب ورجالاته، وأقدامهم الراسخة في العلم وتتابعهم في خدمته فقها وتصنيفا وتأصيلا واستدلالا، وهو إن أغفله الناس -كما يقول عمر الجيدي- جدير بأن يعد من أهم تلك الأسباب، في نشر أي مذهب كان.

ثالثا: الأسباب التي ترجع إلى خصائص موضوعية ومنهجية يمتاز بها المذهب المالكي 
إن تشبث المغاربة بالمذهب المالكي أكثر من اثني عشر قرنا راجع إلى تميز هذا المذهب من حيث محتواه العلمي، ومضمونه الفقهي، ومنظومته التربوية، بصفات جعلته أهلا لأن يتبع. ومن تلك المميزات:
- سعة أصوله وكثرة قواعده: فهو قائم على أصول نقلية وعقلية، وأخرى ترجع إلى الأعراف والعادات، أصول وقواعد تتصف –في نسقها العام- بالسعة والمرونة، مما جعلها تضمن لهذا المذهب صلاحية دائمة على استيعاب التطورات واحتواء المستجدات. فقيام المذهب المالكي على إجماع أهل المدينة وفقههم، وامتزاج ذلك بأصول عقلية في غاية من الدقة والمرونة كاعتماد المصالح المرسلة والاستحسان في الاجتهاد الفقهي، كل ذلك أضفى على المذهب صفة الاعتدال والتوسط، ما بين العقل والنقل، بين الشرع والواقع. لذلك كثيرا ما تجده يتوسط في المسألة بين مذهبين متقابلين.
- ثم إن كثرة أتباع المذهب المالكي، وكثرة التصنيف فيه تأصيلا وتفريعا، وبلوغ هؤلاء مرتبة متقدمة في الاجتهاد والاستنباط والتخريج دليل واضح على جدارة هذا المذهب واستحقاقه بأن يكون محلا للاتباع والتقليد.
ثم إن هذه الخصائص الموضوعية التي تميز بها المذهب المالكي سمحت لهذا الأخير أن تكون له تطبيقات واسعة على أرضية الواقع لبث الحلول للنوازل والأقضية، فكثرت التطبيقات الواقعية للمذهب المالكي إن على مستوى الإفتاء والقضاء، أو على مستوى التأصيل والتقعيد، فمنحت المذهب قيمة عملية وعلمية في غاية من الأهمية، وأثبت جدارته وقدرته على استيعاب القضايا والمستجدات.. فكانت هذه التطبيقات العملية محكا حقيقيا لاختبار إمكانية المذهب في ملاحقة المستجدات والتكيف معها.

رابعا: الأسباب التي ترجع إلى النقل في انتشار المذهب المالكي ورسوخه في ربوع المغرب(1)
فإضافة إلى أسباب انتشار المذهب المالكي في المغرب، سواء منها ما يرجع إلى الإمام مالك وشخصيته، أو ما يرجع إلى خصائص مذهبه وأصوله؛ وغير ذلك من الأسباب التي ترجع إلى العقل والتجربة، ترد أسباب أخرى انفرد بها المذهب المالكي دون سائر المذاهب الأخرى، ويتجلى ذلك اعتقاد المغاربة بورود آثار تنبئ بصاحب هذا المذهب ومكانته.. وهذا السبب شجع المغاربة على التشبث بهذا المذهب وتفضيله على ما سواه من المذاهب(2).

منزلة المذهب المالكي من بين المذاهب الأخرى
مما سلف نستشف أن للمذهب المالكي فضائل ومزايا راجعة إما إلى شخصية صاحب هذا المذهب نفسه، وإما إلى البيئة النقية التي نشأ فيها ومكث فيها طول حياته ولم يخرج منها. إضافة إلى خصائص هذا المذهب المنهجية.
فقد مزج المذهب المالكي في أصوله بين ما هو نقلي وبين ما هو شرعي مراعيا في ذلك مقاصد الشريعة وما تعارف الناس عليه في معاملاتهم وشؤون حياتهم مما لا يتعارض مع النصوص الصريحة.
وجدير بالذكر أن المذهب المالكي نال عناية واهتماما كبيرين من المستشرقين والأوربيين بصفة عامة، فدرسوه ونشروا كتبه ورسائله على أوسع نطاق، وتتبعوا فروع فقهه في مسائل متعددة(3). كما استفادت من هذا المذهب أغلب القوانين العربية في تشريعاتها المدنية، وتعديلاتها التنظيمية.

بعض المصنفات التي تحدثت عن أسباب دخول المذهب المالكي إلى المغرب الإسلامي
- الاستقصا للناصري 1/136
- الانتقاء، لابن عبد البرص621
- التمهيد، لابن عبد البر1م35
- رياض النفوس،للمالكي ص10
- جذوة الاقتباس،لابن القاضي، ص 109
- نيل الابتهاج،للسوداني، ص 191
- المعيار، للونشريسي 6/356
- تاريخ ابن الفرضي، ص 139
- نفح الطيب، للمقري 1،/230، ج2/218
- مقدمة ابن خلدون
- البيان المغرب، للمراكشي1/56- 223.

الهوامش:
(1)
- راجع في هذا العامل كتاب: "المغرب مالكي... لماذا؟" د. محمد الروكي. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1424هـ/2003م.
(2)- المرجع نفسه، ص 61 وما بعدها
(3) - انظر في ذلك "المستشرقون" (ثلاثة أجزاء) لنجيب العفيفي، دار المعارف بمصر، و"موسوعة المستشرقين" للدكتور عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين.

 

facebook twitter youtube