الخميس 9 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021

العقيدة الأشعرية

التصوف

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

حديث: من مشى مع أخيه في حاجةٍ كان كصيام شهرٍ أوِ اعتكافِه

الحديث الأربعون

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك ؟ قال: أنفع الناس للناس، قيل: فأيُّ العمل أفضل ؟ قال: إدخالكَ السُّرور على المؤمن قيل: فما سرورُ المؤمن ؟ قال، إشباعُ جوْعَته، وتنفيسُ كُربتِه، وقضاءُ ديْنه، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ كان كصيام شهرٍ أوِ اعتكافِه، ومن مشى مع مظلومٍ يُعينُه ثبَّت اللهُ قدَميه يوم تَزِلُّ الأقدام، ومن كفَّ غضبه ستَر اللهُ عوْرته وإن الخُلُقَ السَيِءَ يُفسِد العمل كما يُفسد الخَلُّ العسل".

هذا الحديثُ رواه أبو محمد فيروز العَسقَلانِيُّ، ورَوينا في المعجم الكبير والأوسط والصغير يعني للطَّبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رَسولَ اللهِ" أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليكَ ؟ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أحبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أنفعُهُم للنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سرورٌ تُدخِلُهُ على مسلمٍ أو تكشِف عنه كُربةً، أو تقضي عنهُ أو تطرُدَ عنهُ جُوعاً، ولَأَن أَمْشِيَ مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ مِن أن اعتكِف في هذا المسجدِ شهرًا في مسجِد المَدينة، ومن كفَّ غَضبه سَتَرَ اللهُ عورتَهُ، ومن كظم غَيظه ولو شاء أن يُمضِيَهُ أن يُمضِيَهُ أمضاهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجاءً يوْم القِيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجَةٍ حتى يُثَبِّتَها ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزِلُّ الأقدامُ".

قلتُ ما تقدم من التيسير على المعسر وتنفيس كُربته ما روَيْناه في صحيحَيْ البخاري ومسلم عن النبيِّ صلَّى اللهُ عَليْه وسلَّمَ أنَّهُ قال: " كان رجلٌ يُدايِن النَّاسَ، فكان يقول لِفَتاهُ، إذا أتَيْتَ مُعسِرًا فتجاوز عنه لعلَّ اللهَ يتجاوَزُ عنَّا، قال، فلَقِيَ اللهَ فتَجاوَزَ عَنهُ.

 وقد قدَّمناه في الحديث الثاني عشر.

قلتُ وفي صحيح مسلمٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنه قال، " من سَرَّه أن يُنجِيَهُ اللهُ مِن كُرَبِ يَوْمِ القِيامَةِ فَليُنَفِّس عَن مُعسِرٍ أَو يَضَعَ عَنهُ".

وفي روايةٍ، "من أَنظَر مُعسِرًا أو وَضَعَ عَنهُ أظلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ" انتهى.

قلتُ وحدث الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المَقدِسيُّ بسَنَدِه عن النَبيِّ صَلَّى اللهُ عَليْه وسلَّم أنَّهُ قَال: "مَن كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنهُ عَذابَهُ، ومَن خَزَنَ لِسانهُ ستر اللهُ عَوْرته، ومَنِ اعتذَرَ إِلى اللهِ قَبِلَ عُذرَهُ." انتهى من تصنيفه المسمى "بصفوة التصوُّف"

قلتُ وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "من كظم غيْظاً وهو يقدِرُ أن يُّنَفِذَهُ دعاهُ اللهُ على رُؤوسِ الخَلائقِ حتَّى يُخَيِّرَهُ في أَيِّ الحُورِ شَاءَ".

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حَسَنٌ، وفي رواية أخرى لأبي داود، "مَلَأَهُ اللهُ أَمناً وإِيماناً، ومَن ترك لَبْسَ ثَوْبِ جَمَاٍل وهو يَقدِرُ عليه، قال بَشَرٌ أحسِبُهُ قال، تَواضُعاً كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ".

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: مَنْ عَفا في الدُّنيا بَعدَ قُدرَةٍ

الحديث التاسع والثلاثون

عن سعيدٍ بن المُسَيِّب عن أبي هرَيْرة قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "يُنادي مُنادٍ يَوم القِيَامةِ: لا يَقومُ إِلَّا أَحَدٌ لَهُ عِندَ اللهِ يَدٌ، فَتقوُل الخَلائقُ: سُبحانكَ ! بَل لَكَ اليَدُ، فَتقولُ ذلِكَ مِرارًا، فيقول : بَلَى ! مَنْ عَفا في الدُّنيا بَعدَ قُدرَةٍ".

هذا الحديث رواه أبو منصور الدَّيْلَمي عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: " إذا وقَفَ العِبادُ للحِسابِ يُنادِي مُنادٍ: لِيَقُمْ مَنْ أَجرُهُ عَلى اللهِ ؟  فيُقال: العافون عن النَّاس، فقام كَذا وكَذا فدَخَلُوها بغِير حِسابٍ".

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: ألا أُخبِركُم بأفضلَ من الصَّلاة والصِّيام

الحديث الثامن والثلاثون

عن أمِّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أُخبِرُكم بأفضلَ من الصَّلاة والصِّيام والصَّدَقة ؟  قُلنا: بَلَى يا رسول الله، قال إِصلاحُ ذاتِ البَيْن (العَداوةِ والبَغضاءِ)، وإفسادُ ذات البَيْن هي الحَالقةُ".

هذا الحديث رواه أبو داود، والتِّرمذيُّ من حديث أمِّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه، والطَّبَراني من حديث أمِّ الدَّرداء تَرفَعُه إلى رَسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلم.

قال التِّرمذي: وهو حديثٌ صحيحٌ، وأراد صلى الله عليه وسلم بإفساد ذاتِ البَيْنِ العداوةُ والبغضاءُ، ومعنى الحالِقةِ: الَّتي تحلِقُ الدِّين، فقد روَيْنا عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّه قد دبَّ إليْكم داءُ الأُمَم قبلَكم الحَسَدُ والبغضاءُ هي الحالِقةُ، لا أقولُ: تحلِق الشَّعرَ، ولكن تحلِق الدِّين".

قُلتُ: وحدَّثَ أبو عُمَر بسَنَدِه عن عَمرو بنِ مَيْمون قال: " لمَّا رفع الله موسى نجِيّاَ رأى رجُلاً متعلِّقاً بالعَرش، فقال: يا ربِّ مَن هذا ؟ قال عَبدٌ مِن عِبادي صالحٌ إن شئتَ أخبرتُك بِعَمَله، قال: يا ربِّ أخبِرني، قال: كان لا يحسُدُ النَّاس على ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضله، ثم حدَّث أبو عُمر بِسَنَده عن أَنَس رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الحسد يأكل الحَسنات كما تأكل النَّارُ الحَطَب الرَّقيق".

وذكر عبد الرزاق عن معْمَّر عن اسماعيل ابنِ أمِيَّة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ لا يَسلَم منهنَّ أَحَدٌ : الطَّيْرَة والظَنُّ والحَسَد، قيل فما المَخرَج مِنهنَّ يا رسول الله ؟ قال: إذا تطيَّرت فلا ترجِع، وإذا ظَننتَ فلا تُحقِّق، وإذا حَسدتَ فلا تَبغِ" انتهى من التمهيد.

قُلتُ: اِعلم رحِمكَ الله أنَّه قد جاءت آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشَّحناء والتباغُض لغير موجِبٍ شرعيٍّ، ففي صحيحِ مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلم قال: "تُفتح أبوابُ الجنَّة يومَ الإثنين ويومَ الخميس فيُغفَر لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ بالله شيئا إلاَّ رجلٌ كانت بيْنه وبيْن أخيه شحناء، فيقول: انظِروا هاذَيْن حتى يَصطَلِحا".

وفي رواية مسلم: "تُعرض الأعمال في كل خميس واثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكلِّ امرِئ لا يُشركُ باللهِ شَيْئاً" الحديث انتهى.

قلتُ وروى ابنُ المبارك في رقائقه بسنده عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لا يحِلُّ لامرئٍ مُسلِم أن يَهجُر مُسلماً فوق ثلاثِ لَيالٍ، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صِرامِهما فأوَّلهما فَيْئاً يكون سَبْقُه بالفَئْ كفَّارةٌ، وإن سَلَّم عليه فلم يقبل وردَّ عليه سلامَهُ ردَّت عليه الملائكة، وردت على الآخر الشياطين، وإذا ماتا على صِرامهما لم يدخلا الجنة، أراه قال: أبَداً" انتهى.

وسنده جيِّدٌ، ونصُّه: قال ابنُ المبارَك: أخبرنا شُعبة عن يزيد الرَّشيد عن معاذة العَدويَّة قالت: سمِعتُ هشام بن عامر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، فذَكَر الحديث.

وقوله "لم يدخلا الجنّةَ" ليس على ظاهره، ومعنى لم يدخلا الجنة أبداً حتى يُقتصَّ لبعضهم من بعضٍ، أو يقع العَفوُ وتحُلُّ الشَّفاعةُ حسب ما هو معلومٌ في صحيح الآثار.

قلتُ وروى الدَّارقُطني في سُنَنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "خِيارُ عبادِ الله الَّذين إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ، وشرُّ عبادِ الله المشَّاؤُون بالنَّميمة المفرِّقون بَيْن الأحبَّة الباغون للبُرَآءِ العَيْبَ" انتهى.

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

ٍحديث: ما مِن مُسلِمٍ يُعَزِّي أخاهُ بمُصِيبَة

الحديث السابع والثلاثون

عن عبدِ الله بنِ أبي بكر بن حزمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسولُ الله صلىَّ اللهُ عليهِ وسلَّم: " ما مِن مُسلِمٍ يُعَزِّي أخاهُ بمصيبةٍ إلاَّ كَساهُ اللهُ من حُلَلِ الكَرامةِ يَوْمَ القِيامة".

هذا الحديثُ رواهُ البَيْهقي.

قلتُ ولفظ النووي في الحِليَة: ورَوَيْنا في سُنَن ابنِ ماجة والبَيْهقي بإسنادٍ حسنٍ عن عَمرو بنِ حزم عن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال: " ما مِن مسلمٍ يُعَزِّي أخاه المؤمن بمصيبةٍ إلاَّ كَساه اللهُ عَزَّ وجلَّ من حُلَل الكرامة يومَ القيامة".

ورَويْنا في كِتاب التِّرمِذي والسنن الكبير للبَيْهقي عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى اللهُ عليْه وسلَّم: " مَن عزَّى مُصاباً فله مِثلُ أَجرهِ"، وفي سنده ضُعف.

 وروينا في كتاب التِّرمذي عن أبي هُرَيْرة رَضيَ الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم قال: " مَن عزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجَنَّة".

قال التِّرمِذي: لَيْسَ إسنادُهُ بالقَويِّ.

قلتُ: إلا أن ذِكرَهُ هنا في باب التَّرغيب حَسَنٌ اتِّفاقاً. انتهى.

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: مَثلُ المؤمِنين فيما بيْنهم كَمَثل البُنيان

الحديث السادس والثلاثون

عن أبي بُردة عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَثلُ المؤمنين فيما بينهم كَمَثل البُنيان يُمسك بَعضُه بعضاً، أو يشُدُّ بعضُه بعضاً ".

هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، وروينا من طريق الطبراني عن الشعبي عن النعمان ابن البشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَثلُ المؤمنين في تراحمِهم وتوادُدِهم وتواصلهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوٌ منه تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر."

قال الطبراني: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المَنام فسألتُه عن هذا الحديث، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأشار بيده صَحيحٌ صَحيحٌ صَحيحٌ ثلاث مرات، انتهى.

قلتُ ولا شك في صحة معاني هذا الحديث، فألفاظه واضحةٌ، وأنوارُ معانيهِ لائحةٌ، وقد قال تعالى في الخِيرة مِن خَلقه مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: مُحَمَّدٌ رسولُ الله والذين معه أشِدَّاءُ على الكفَّار رُحماء بيْنهم" الآية، وَوَصَفَهم بالأُلفة فقال مُمتَناً عليهم:" واذكروا نِعمة اللهِ عليكُم إذ كُنتم أَعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنِعمته إخوانا".

 وسأذكر هنا ما جاء في التَّراحُم والأُلفة والتَّحابُب في الله سُبحانه ;ففي صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجَنَّة حتَّى تؤمِنوا، ولا تؤمِنوا حتى تحابُّوا ;أَلا أدلُّكم على شئٍ إذا فعلتُموه تحابَبتم ؟أَفشوا السَّلام بيْنكم" انتهى.

 وخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنَّ الأشعريين إذا أَرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثم اقتسموه بينهم بإناء واحد بالسويَّة، فهم مِنِّي وأنا منهم" انتهى.

وهذه الخصال نهايةٌ في التَّراحم والتَّوادد. وقال الشَّريشي في شرح المقامات أَرمَل القومُ: فَنِيَ زادُهُم.

وروى أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ أحبَّكم إلى الله أحاسِنُكم أخلاقاً الموطَّئون أَكنافاً الَّذين يَألفون ويُؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله المشَّاءون بالنميمة الملتمسون العثرات المفرِّقون بيْن الإِخوان.

قلتُ: وروينا في جامِع الترمذي عن أنس قال: لمَّا قَدِم النبيُّ صلىَّ الله عليه وسلم المدينةَ أتاه المهاجرون فقالوا يا رسولَ الله: ما رأينا قوماً أبذلَ من كثيرٍ، ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ مِن قومٍ نزلنا بين أَظهُرِهم لقد كَفَوْنا المئونة وأشركونا في المَهنإِ حتى لقد خِفنا أن يذهبوا بالأَجرِ كلِّهِ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لا، ما دَعوْتُم لَهم وأثنيْتُم عليْهم".

قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. انتهى.

والقَومُ المُشار ُ إليهِم هُمُ الأنصارُ رضي اللهُ عنهم، وقد أَثنى اللهُ تعالى عليهِم في قوله سُبحانهُ: "ويؤثرون على أنفُسِهم ولو كان بهم خَصاصةٌ".

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي

الحديث الخامس والثلاثون

عن أبِي بَكر الصدِّيق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: إن كنتم تُريدون رحمتي فارحَموا خَلقي".

هذا الحديث رواه أحمد بن عُدَيّ في كتابه "الكامل".

قلتُ وروى الترمذي عن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يَرحم النَّاس لا يَرحَمه الله".

قال أبو عيسى: هذا الحديث حسنٌ صحيح.

قلتُ: فمِن علامة السَّعادة الشَّفقة على خلق الله وإيثارهم على النفس، سِيَما لمَن بِيده فضلٌ عن حاجته ;وقد خرَّج مسلم وأبو داود من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "بينما أأأبي سعيد الخُدَريّ رضي الله عنه قال: "بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلةٍ له قال: فجعل يَصرِف بصره يمينا وشِمالاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل ظهر فليَعُد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زادٍ فليَعُد به على من لا زاد له، قال: فذكر مِن أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحدٍ مِنَّا في فضلٍ، انتهى.

وروى الترمذيّ عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم:" يا ابن آدم ! إنك إن تَبذُلِ الفَضلَ خيرٌ لك، وإن تَمسِكه شرٌّ لك، ولا تُلام على كَفافٍ، وابدأ بِمَن تَعول، واليَد العُليا خيرٌ من اليَد السُّفلى".

قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيح، انتهى.

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: طُوبَى لمن جَعلتُ مَفاتح الخيْر على يَديْه

الحديث الرابع والثلاثون

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عزَّ وجلَّ : أنا اللهُ قدَّرتُ الخَيْر والشَّرّ فطوبى لمن جَعلتُ مفاتح الخير على يديْه، ووَيْلٌ لمن جَعلتُ مفاتح الشر على يديْه".

هذا الحديث رواه الطبراني، وروينا في سنن ابن ماجة من حديث سهل ابن سعد السَّاعِدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن هذا الخيرَ خزائنُ، ولتلك الخزائن مفاتح، فطوبى لعبدٍ جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشَّرِّ، وويل لعبدٍ جعله الله مغلاقاً للخير مفتاحاً للشرِّ".

قلتُ: ومن جعله الله مغلاقاً للخير مفتاحاً للشَّر فهو عبدُ سوءٍ لا يُرجى خَيْرُه ولا يُؤمَن شرُّه.

وقد روى الترمذي في "جامِعه" عن أبي هُريْرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم وَقف على أُناسٍ فقال: "أَلا أُخبركم بخيركم من شرِّكم ؟ قال: فسَكنوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجلٌ: يا رسول الله ! أخبِرنا بخيْرنا من شرِّنا، قال: خيْركم من يُرجى خيره ويُؤمَن شرُّه، وشرُّكم من لا يُرجى خيْره، ولا يُؤمن شرُّه" قال أبو عيسى هذا الحديث حسن صحيح.  

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: من أٌّقال مُسلِماً عَثرّتَه

الحديث الثالث والثلاثون

عن أبي هُرَيْرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أٌّقال مُسلِماً عثرَتَه أقالَهُ اللهُ يوم القيامة".

هذا الحديث رواه الطبراني وابن حِبَّان وأبو دَاوُد وابن ماجَه بمعناه.

قلتُ: وقد جاء أيضا وَعِيدٌ شديدٌ فيمن يطلب عثرات المسلمين ويَتبع عوْراتهم. ففي التَّرمِذي عن نَّافع عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: " صّعِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المِنبر فقال: يا معشر مَن قد أسلم بلسانه ولم يُفضِ الإيمان إلى قلبه لا تُؤْذوا المسلمين ولا تُعَيِّروهم ولا تَتَّبعوا عوْراتهم فإنه من تتبَّع عوْرة أخيه المسلم تتبَّع الله عوْرته، ومن تتبع اللهُ عوْرَته يَفضَحُه ولو في جوْف رحله. انتهى.

وخرجه أبو داود من طريق أبي بَرزة الأسلميّ. 

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985.

حديث: لا يَضَعُ اللهُ الرَّحمة إلاَّ عَلى رَحِيم

الحديث الثاني والثلاثون

عن أنس بن مالك رضيَ الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والَّذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلاَّ على رحِيم، قلنا: يا رسول الله ! كلُّنا رحيم، قال: ليْس الرَّحيم الذي يَرحم نفسه وأهلَ خاصَّته، ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين".

هذا الحديث رواه أبو يعلى والطبراني، وروينا له شواهد من الصحاح.

 وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يَرحَم لا يُرحَم، ومن لا يَغفِر لا يُغفَرُ له".

وقد ثبث في مستدرك الحاكم حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لن تؤمِنوا حتى تحابُّوا، أَفَلا أدُلُّكم على ما تحابُّون عليه ؟ قال بَلى يا رسول الله، قال أَفشوا السَّلام بينكم تحابُّوا، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تَراحَموا، قالوا: كُلُّنا رحيم يا رسول الله، قال: إنَّه ليس برحمة أّحَدِكُم، يعني نفسَه وأهلَ خاصَّته، ولكن رحمة العامَّة".

قُلتُ: والأحاديث في هذا كثيرةٌ جدّا كقوله صلى الله عليه وسلم: "الرَّاحِمون يرحمهم الله اِرحَمُوا من في الأرض يَرحَمُكم من في السَّماء".

وفي البخاري: "ولا يَرحم الله عزَّ وجلَّ مِن عِباده إلاَّ الرُّحَمَاء" وفي البخاري": " من لا يَرحَم لا يُرحَم. إلى غير ذلك مما ورد في الباب وكَثُر واستفاض.

حديث: من أنعش حقاًّ بِلِسانه

الحديث  الحادي والثلاثون

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أنعش حقًّا بلسانه جرى له أجره حتى يأتي يوم القيامة فيوفيه ثوابه".

هذا الحديث رواه الطبراني في مكارم الأخلاق.

قلتُ: ويدل عليه ما رواه الترمذي عن كثير بن عبد الله، وسيأتي في آخر الأربعين إن شاء الله انتهى.

من كتاب "أربعون حديثا في اصطناع المعروف" جمع زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة 256 هـ علق عليه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية 1405-1985

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يترأس حفل إطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به
مفكرة الوزارة
لا أحداث
facebook twitter youtube